الأربعاء, 17 نيسان/أبريل 2013 18:37

مقال الدكتور غازي صلاح الدين بعنوان من يحكم السودان اثار كثير ا من الجدل و التعليق و اردت ان ادلي بدلوي. لكن في رأيي الأمر ليس قاصرا علي الدكتور غازي ، فحلم "الله يكضب الشينة" يشاركه فيه كل القيادات المنطرة في الاسلام السياسي.
لذا فانني لا اجد في مقال الدكتور غازي ما يدهشنا، فالرجل يتمني للسودان حكما ديمقراطيا راشدا، لكن في رأيه ليس من الضروري ان يأتي هذا الاصلاح عن طريق ثورة او انتفاضة ، فالحزب الحاكم مؤهل للاصلاح من داخله، و ستأتي الديمقراطية الحقة "كما في بريطانيا" من رحم المؤتمر الوطني، و انتم ايها الشعب السوداني العظيم ساعدوهم بالصفقة و التشجيع. بمعني آخر هي دعوة لاهل المؤتمر الوطني ان يسمعوا النصيحة و يكضبوا الشينة قبل ان يخرج المارد من سجنه!!
قرأت يوما ان الدكتور حسن عبد الله الترابي رد علي سائل خارج القطر ، سأله عن الذي يمنع الشعب السوداني من اللحاق بالربيع العربي، بأن الشعب السوداني جبان وكما انه ينسي!! انا واثق جدا ان الدكتور الترابي يعلم علم اليقين ان الشعب السوداني لن ينسي قطع الارزاق باسم التمكين، و لن ينسي بيوت الاشباح، و لن ينسي الارواح التي ازهقت. لكن هذه ايضا حالة من حالات التمني: الله يكضب الشينة!
و في مكان آخر في الاسافير قرأت الآتي للدكتور امين حسن عمر :
قال الدكتور أمين إن مشكلة عدم وجود نظام سياسي مستقر تكمن في جانب كبير منها في ضعف "الثقافة السياسية" التي هي جزءُ من الثقافة العامة، وهذه الأخيرة تطغى عليها سمات "البداوة" التي هى بالطبع نقيض "المدنية"، ولذا ( فإن فكرة "الدولة" غائبة لأن الدولة تنبني أساساً على المجتمع المدني، والمجتمع المدني نفسه غير موجود)
فهو كما ترون يطمن نفسه وكل عضوية و بطانة المؤتمر الوطني، بان عدم استقرار النظام السياسي، ليس كما يشيع الشيوعيون و غيرهم من المعارضين، بانه من فساد المؤتمر الوطني وغياب المؤسسية و تعطيل القانون، بل هو لابتلاء من رب العالمين الذي جعل الشعب السوداني في حالة البداوة التي لم ينج منها حتي علماؤنا الذين درسوا في امريكا و نالوا درجة الدكتوراة، امثال الدكتور امين حسن عمر ، و زميل آخر له ، عاد من بعثته ليقول لنا ان دراسة الجدوي بدعة!! وحكاية البداوة كما يطبقها الدكتور امين هنا ، ذكرتني بطرفة كانت تحكي في الامارات عن البدو الذين اقتنوا سيارات الدفع الرباعي. كان يدخل احدهم مدينة ابوظبي و يسوق سيارته كما يفعل في الصحراء، لكن بمجرد ان يوقفه رجل شرطة المرور ، يستعطف و يقول "ترانا بدو يا ريال ما نعرف قوانين المدينة، سماح هادي المرة" ، و انتم ايها الشعب السوداني فيكم كثير من البداوة، فلا تنزعجوا من غياب النظام السياسي و عدم استقراره. لكن الدكتور رغم علمه بان هذا تبرير يريد به ان يستجيب الله لدعائه "الله يكضب الشينة." يقول لنا و لمن اهتزت ثقته بالانقاذ، ان هذه الحالة التي عليها السودان الآن امر متوقع في المجتمعات التي تغلب عليها البداوة!! بالله الواحد يقول شنو؟! لا حول و لا قوة الا بالله.
حتي اولئك الاسلاميون الذين فارقوا الانقاذ في وقت مبكر، رغم انهم شاركوا و برروا التمكين و بيوت الاشباح في بدايات الانقاذ، و قبلهم الناس في صفوف المعارضة، عندهم شينة يطلبون من الله ان يكضبها. فانظروا ماذا قال الدكتور عبد الوهاب الافندي:
ولا شك أن استمرار الدعم غير المباشر لهذه المجموعة عبر إعطاء الوهم بإمكانية الإصلاح سيطيل عمر الأزمة وعذابات الشعب.
ومهما يكن فإن الإصلاح ـ إن جاء- لن يأتي عن طيبة قلب المجموعة الحاكمة الحالية التي لا ترى حاجة لإصلاح أصلاً، بل ترى أن الحال على أحسن ما يمكن، وإنما يكون ذلك عبر الضغوط. وتأتي الضغوط من عدة أوجه، أولها أن يعلن أنصار الإصلاح داخل الحزب الحاكم بوضوح عن مواقفهم، وأن يسموا الأشياء بأسمائها، ويحددوا بالضبط الجهات التي تقف في وجه الإصلاح، وأن يكون ذلك علناً. من الضغوط كذلك أن يتحرك الشارع وتتحرك النقابات والفئات الطلابية والشبابية وغيرها لتطالب بالتغيير، لأن ذلك يدعم مواقف المنادين بالإصلاح داخل النظام وداخل القوات المسلحة.
رغم تأكيده بان الاصلاح لن يكون برضاء اهل الحكم ، الا انه يتمني ان يبدأ الاصلاح من الداخل ، و انتم يا جماهير الشعب السوداني، ساعدوهم بالمظاهرات و الضغوط الشعبية، و هكذا تحدث ثورة شعبية تقتلع هذا النظام من جذوره، لكن يتمني ان يحدث ذلك بقيادة الاسلام السياسي او علي الاقل بمشاركة الاسلام السياسي! فالشينة التي يتمني الدكتور عبد الوهاب ان يكضبها رب العباد، ان لا تحدث ثورة يغيب عنها اهل الاسلام السياسي.
والآن دعونا نلق نظرة فاحصة علي مقال الدكتور غازي. لكن قبل ذلك يجب ان نشير الي الانتباه ان الدكتور، كمفكر اسلامي، سود صفحات كثيرة بمداد حبره منظرا و محللا لمشكلات الحكم في السودان، و في كل كتاباته لا يشير الي مفاسد الانقاذ الا ضمنا او بصورة غير مباشرة. لم يرض عن كثير من الاحداث ، الا انه سكت عنها ضمن تدابير تضمن مسيرة الانقاذ. في مقابلة له مع موقع اسلامي مصري اجاب علي سؤال يتعلق بانقلاب 1989 بالآتي:
أعود فأقول إن ما أشرت إليه من ضرورة استقرار التجارب كان واضحا للإسلاميين وهم يستولون على السلطة بواسطة الجيش في عام 1989م، ولهذا كانت الخطة تقوم على إحداث تغيير يستنقذ البلاد من أن تقع في براثن انقلاب آخر، أو في يد الحركة المتمردة في الجنوب، وكان الانقلاب في وعي مثقفي الحركة الإسلامية أنه استلام للسلطة لأمد محدود، وسيعمل على تغيير الدستور وتأمين البلاد على أن تعود الحياة المدنية إلى طبيعتها خلال عامين أو ثلاثة على أبعد الفروض، ولكن على أسس جديدة ودستور جديد، ولكن لأسباب كثيرة ذلك لم يحدث ومضينا فيما نحن فيه. ليتني اعرف هذه الاسباب؟؟

في مقدمة مقاله يذكرنا الدكتور بنضاله و رفاقه من الاسلاميين ضد النميري، لكن نسي او تناسي ان الاسلام السياسي رافق النميري في اسوأ فترات حكمه، و انهم بعد نضالهم في السبعينيات، صاروا له سندا و اداة قانونية لترويع الناس باسم الدين.

في بداية مقاله يقول الدكتور غازي:

لقد نشأت من تلك التطورات حالة تثير القلق. فالمجتمعات التي ترهن نفسها للأشخاص غير خليقة بأن تحمل رسالة من أي نوع، حضارية أم غير حضارية. وربط البقاء وسنن العيش بالأشخاص هو ما حذر منه القرآن حين زجر الصحابة من أن يرهنوا أنفسهم لبشر، حتى لو كان ذلك البشر نبيا مرسلا، وحتى لو كان هو سيد البشر: "وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم".
كلام جميل يلخص عبر التاريخ، و قيمة اسلامية عظيمة، لكن انقاذكم و من قبل ذلك حركتكم الاسلامية كانت مرهونة للدكتور حسن عبد الله الترابي، و منذ المفاصلة مرهونة للرئيس البشير. و هذه اول مرة نسمع منك مثل هذا الكلام الذي نعتقد ان توقيته جاء عند تجريدك من السلطة.

ثم تلخص امانيك في طريقة الحكم في الآتي:

إن اختيار قيادة الأمة هو عملية تجديدية حيوية تتوفر من خلالها شروط المدافعة التي وصفها القرآن بالضرورية لبقاء الحياة: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض". إنه تكليف لا يستقيم أن يعامل بخفة واستهانة، بل يجب أن ينظر إليه بكل الجدية الخليقة بشعب يطمح إلى الانعتاق والنهضة.
إنه جهد تربوي وتنويري عظيم تتدافع في سياقه الآراء والمواقف والبرامج إزاء كل قضايا الحياة السياسية وغيرها، وتشخص الأمة من خلاله مشكلاتها، وتتداول الرأي حول معالجاتها. إنه جهد تتفجر من خلال تفاعلاته طاقات القيادة وتتجلى ملكاتها. إنه باختصار أهم عملية تعبئة سياسية اجتماعية تأتي بصورة دورية راتبة لتمكن الأمة من تجديد النظر في ذاتها وتأكيد وحدتها، وتنمية وعيها، وتعزيز رسالتها.

تأسيسا على تلك الحقائق فإن تجديد القيادة يجب أن يستهدف بصدق وجدّ إجراء أكبر عملية تنقية وتنخيل من بين مواهب الأمة ممن يملكون مقومات القيادة، خاصة بين أجيالها الصاعدة. فاختيار القائد في هذه الحالة لا يعني اختياراً لشخص واحد، ولكنه اختيار لأجيال وكفاءات وخبرات عديدة. إنه اختيار لرؤى وليدة واختبار لأفكار ناشئة. إنه جهد يحرك المجتمع ويقلب البحث في طياته عن زعيم يجدد الحياة في أوصال المجتمع المتيبسة ونظام حكمه المرهق. والبديل لمنهج الاختيار الحيوي التجديدي للقيادة هذا هو تكريس مبدأ التوارث الطائفي الذي كثيرا ما أوسعناه لعناً في "القِبَل الأربع".

هذا ما ينادي به كل المخلصين من ابناء هذا الوطن، و جملة ما ذكرته هنا هي الديمقراطية الحقة التي ننشدها جميعا. لكن من عنوان مقالك و مما جاء في متن المقال يبدو انك تحلم بان يحدث هذا الآن و يطبق في اختيار الرئيس في الانتخابات القادمة. لكن حلمك هذا يدهشني ، لانك سياسي اكاديمي تعرف ان الصورة البراقة التي رسمتها لاختيار نطام الحكم و قائده، لا يمكن ان يتحقق بين ليلة و ضحاها. لابد لوصولنا للديمقراطية الناضجة التي فيها "اختيار لاجيال و كفاءات و خبرات عديدة"، ان يكون عبر ممارسة الديمقراطية لفترة كافية، ربع قرن مثلا، لكن ابتلانا الله بانقلابات عطلت ممارسة الديمقراطية و بالتالي تطورها و تربية الاجيال لنصل ما وصلت اليه الامم. وبما انك تريد ان يحدث هذا في عم 2014، فاعذرني ان قلت لك انك تحلم بتكضيب الشينة، اي ان لا تحدث الثورة او الانتفاضة و ياتي التغيير المنشود بقيادة الاسلام السياسي، او في اسوأ الفروض بمشاركته.
ثم تقول:

المشكلة في ما يبدو -كما هي دائماً- ليست في الرئيس ونواياه الصائبة، ولكن في بعض من يجرون حسابات خاصة دون نظر إلى مصلحة عامة ودون اكتراث لنصوص القانون. فنصوص القانون عندهم هي إما قابلة للتغيير وإما قابلة للتأويل، وبذلك يفقد القانون أهم خصيصتين له وهما الحياد والثبات.

عندي سؤال لك هنا: هل ظهرت هذه الفئة فجأة في عام 2012، ام انها اطلت برأسها منذ بداية التسعينيات؟؟، و ظلت تعمل لاهدافها تحت سمع و بصر الدكتور غازي صلاح الدين و امثاله من قيادات الحركة الاسلامية ، و معكم بالطبع قائد و مفكر الحركة الدكتور حسن عبد الله الترابي. تعمدتم ، و من اجل التمكين، ان لا تروا و لا تسمعوا ما تفعله هذه الفئة ، حتي توحشت و اصبحت لها ادواتها في ادارة دفة الانقاذ و توجيهها للوجهة التي تحقق اهدافهم واطماعهم.

تقول ان امام الرئيس فرصة ليربح التاريخ و يربح الآخرة، و انا اقول لكم يا اهل الاسلام السياسي ان امامكم الفرصة حتي هذه اللحظة لتربحوا التاريخ و الآخرة، و ذلك بالاعتراف باخطائكم كلها و تعلنوا توبة نصوحة، لا شك عندي في انكم تعرفون اشراطها. و بعد ذلك تتبعوا التقوي قولا و فعلا ، و اعلم انكم تعرفون معني التقوي الذي اوجزه سيدنا علي بن ابي طالب حيث يقول "التقوي هو الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والقناعة بالقليل والإستعداد ليوم الرحيل " . وبغير ذلك لن تكضب شينتكم ، مهما تعاملتم مع الامر بالدهاء و اساليب السياسة، و الله خير الماكرين.

اما شينتنا التي نسأل العلي القدير ان يكضبه، فهو ان لا تتحقق امنيتكم التي نشرتوها كنكتة في عام 1990. حيث يقول الراوي ان "وداعية" كانت تنبأت بان النميري سيحكم 16 عاما و صدقت نبوءتها، فذهب اليها بعض اهل الانقاذ ليسألوها عن عمر الانقاذ، فقالت لهم انها تري الرقم 1 ثابتا بينما الرقم 6 يغير موقعه عن يمين الرقم 1 ثم عن يسار الرقم 1. و انا نسألك يا ارحم الراحمين ان تكضب الشينة.
اللهم اني اسألك بكل اسمائك الحسني ان تر اهل الاسلام السياسي الحق حقا و ترزقهم اتباعه، و الباطل باطلا و ترزقهم اجتنابه.

و آخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام علي اشرف الخلق و المرسلين.


Hussain Al Zubair [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.