(1)
منذ ربع قرن توقف السودانُ نهائيا عن إنتاج التاريخ، مثلما توقفت مصانعُه ومزارعُه عن إنتاج ما يسد الرمق، وبات سلة غذاء العالم وأرض حضارة بعانخي وتهرقا يستورد الأحداث والتاريخ الوطني ضمن ما يستورد، ويستهلك من ضروريات الحياة من إبرة الحياكة إلى المدفع الذي يقتل به أهله بعضهم بعضا "فجميع محاولات حل المعضل الوطني تتم في الخارج على يد الغريب!" ؛ لقد أجهز الشعب المغلوب على أمره تماما على المخزون الاستراتجي من تاريخه المشرف، ويعيش اليوم على اجترار ذكريات الماضي ويعيد إنتاج أزمات الحاضر البائس التي تعددت وتعقدت في ظل نظام "صحابة الزمن الضائع" الذي أدمن الفشل، وامتهن إعادة تدوير المشكل الوطني، وغرس المزيد من أسباب استمرارها. 
(2)
الناظر لآخر نداء سلطوي حاول مقاربة الأزمة السودانية يجد أن لا جديد فيه، غير اسم "الوثبة" ولو كلف "المنادي" نفسه جهد النظر كرة عابرة على وثيقتي "البديل الديمقراطي " و"الفجر الجديد" لكفاه ذلك رهق الوثوب والقفز في الظلام، ولوجد أن قوى المعارضة لم تغادر من متردم، وقد طرحت وثيقتا قوى التحالف الوطني والحركة الثورية، وبالتفصيل ما يصلح أن يكون مرجعية حقيقية لحل أزمات البلاد، أما الوثبة الرئاسية التي ما زالت منذ شهور تراوح مكانها؛ فما هي إلا محاولة بائسة للالتفاف على "مربط الفرس" ألا وهو طبيعة المرجعية التي ستستند عليها أدوات تفعيل الحل وترجمة النصوص لأفعال، بعد سقوط مرجعيات الدولة "الثيوقراطية" في السودان.
(3)
لقد اتضح بعد أكثر من نصف قرن من حكم الأنظمة الوطنية أن لا بديل عن المرجعية المدنية لحكم شعب السودان متعدد الأعراق والثقافات والمعتقدات، وهو ما تطرحه القوى المعارضة بشقيها المسلح والسلمي ؛ واتَّضح أيضا أن أي التفاف على هذه الحقيقة وعدم الإقرار بها أو الاكتفاء بمنطق الإشارة والإيحاء فقط نهجٌ ملتوٍ، أغرق محاولات الحل السابقة في "شبر ماء" ، وأنتج جملة الماسي التي يحاول نظام الحركة الإسلامية الحاكم اليوم تبريرها أو التنصل من مسؤوليتها؛ بإرجاع الكرة تارة لمعلب الاستعمار، وتارة أخرى بقذفها في وجه عوامل عدة قد تضافرت لتورث السودان علله الحالية.
(4)
لو لم ترتكب الحركة الإسلامية حماقة الانقلاب العسكري -بدعاوي "الإنقاذ" منتصف عام 1989م- ولو سمح القدر لشعب السودان أن يمارس الديمقراطية ويعالج أخطاءها بمزيد من الديمقراطية طوال الفترة التي سرقها "الإخوان" من عمره، لكان وضع البلاد أفضل، وحال المواطن السوداني الذي يغني عن السؤال أحسن؛ وكان من المرجح بامتداد التجربة الديمقراطية في بلد تتوفر فيه مقامات التطور والنهضة أن يتمكن السودان من معالجة أخطاء الممارسة الديمقراطية وتخطى عثراتها ولكن تظل (لو) هذه مفتاح لعمل الشيطان.
(5)
لقد أهدر السودان ربع قرن من عمره سدًى في الهتاف والشعارات العنترية، تحت ظلال سيوف الحركة الإسلامية، ونصف هذا الوقت يكفي لتجذر مفاهيم الحكم الديمقراطي الرشيد؛ والتاريخ يشهد أن النظم الديمقراطية التي حكمت السودان بما فيها التي انقلب عليها "الإخوان" عسكريا قد كانت أقل فسادا وحافظت على وحدة البلاد والسلام الأهلي ، لم تضيع جزءا من التراب الوطني ولم يتجرأ في عهدها سوداني على أن يرفع السلاح في وجه أخيه، ويقتله باسم الله، أما الحرب في الجنوب فظلت تدور في إطار صراع المركز والهامش لرفع المظالم التاريخية التي غرسها المستعمر ولا دخل للسماء فيها.  
(6)
بغض النظر عن فحوى "مبادرة الحوار" التي أطلقها البشير ، يجد الناس صعوبة في التعاطي معها أو مجرد النظر إليها بسبب نقض النظام المتكرر للمواثيق والاتفاقيات؛ والمواطن قد رأى أن جميع المبادرات السابقة لا أرضا قطعت ولا ظهرا أبقت لافتقارها لشروط الجدية وعدم تقيد السلطة بإجراءات تهيئة المناخ الضامن لنجاحها ، وتوالت مبادرات النظام مخيبة للآمال، أصابت الجميع باليأس، وجرحت مصداقية مجمل الحراك السياسي، مما يجعل من شرط تهيئة المناخ الذي تتمسك به المعارضة للدخول في دهاليز أي حوار مستقبلي ضرورة حيوية ؛ لإنعاش الآمال من جديد في إمكانية حل الأزمة السودانية سلميا.
(7)
فمن الصعب على الساحة السياسية السودانية اليوم تقبل أي مبادرة إصلاحية الهدف من ورائها مجرد إجراء تغيرات "مكياجية" تزيل عن وجه النظام الهرم قبح التجاعيد والندوب ؛ وأي مبادرة للحل لا تقود إلى تفكيك دولة الحزب لصالح دولة الوطن، وتأسس لنظام ديمقراطي قويم يوقف الحرب، ويضمن التوزيع العادل للسلطة والثروة، لن تكون مقبولة، ولن يطأ صراطها الأعوج عاقل، والاحتقان السياسي قد بلغ حدَّ تهديد الكيان الوطني، وغدت الأزمة كرة لهب تتدحرج في كل اتجاه، وتكبر لتأخذ بتلابيب المركز وخناق الأطرف، وتحيط بكل مناحي الحياة إحاطة السوار بالمعصم.
(8)
في ظرف الاحتقان السياسي والاستقطاب القبلي البالغ حد الاحتراب، لا يعود لمبادرات الإصلاح الصورية من ثمن، خاصة و"المبادر" بالدعوة قد صم أذنيه عن كافة نداءات القوى المعارضة وأطروحاتها السلمية، وطفق لربع قرن يتفنن في إنتاج وتدوير المعضلات الوطنية ؛ فمن أين له اليوم بآذان تصغي؟ وقد أعطب صوت السلاح الحواس وليل المظالم يرخي سدوله على الآفاق! و"شهرزاد" الوطن من فرط حزنها سكتت عن الحوار المباح، وغدت تكدح كدحا لشعبها علها تدرك الصباح!.
(9)
دعوة الحوار الرئاسية هي مناورة جديدة تهدف لاستعادة وحدة الصف الإسلاموي على أمل الحفاظ على السلطة خوفا من يوم التغابن؛ وهي تأتي في النزع الأخير من ليل الفظاعات التي ارتكبت في حق الشعب وباعدت بينه وبين روح التسامح والغفران التي اتصف بها ؛ وليس أمام  قوى المعارضة اليوم من خيار سوى التمسك بمبدأ "المحاسبة"، بعد أن نسف النظام بسوء إدارته للأزمة مبدأ "عفا الله عما سلف" نسفا غير رحيم، ودفع العقل الجمعي دفعا لتبني مبدأ "العدالة الناجزة" لاسترداد الحقوق ومعالجة الجراح.
** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.
تيسير حسن إدريس 31/8/2014م

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////