حلم التغيير مشروع ولكن وضعه قيد التنفيذ يستوجب الهبوط من فضاء المتخيل الرحب لضيق كدح الواقع ؛ فالحلم وحده لا يشعل فتيل ثورة. 
(1)
هل يعقل أن يتمكّن الجبن من النفوس لحدّ القعود بها عن نصرة من خرج مناضلاً من أجل قضايا الوطن والشعب؟! أليس من المعيب أن ترى النخب السياسية والفكرية منكر اعتقال رئيس حزب المؤتمر السوداني إبراهيم الشيخ وهو مريض، وتسمع عن لغز اختطافه بأسلوب "المافيا" بواسطة زبانية النظام من داخل مستشفي الشرطة، وحرمانه من العلاج، ومن ثمّ إرساله قصراً لسجن مدينة الفولة، ولا تقوى على فعل شيءٍ، ولا تهبُّ لإزالة المنكر؟! أي مهانةٍ وهوانٍ هو ذاك الذي باتت تغوص في وحله نخبُ السودان؟!. 
(2)
أقصى أماني المناضل وهو يخرج متصدياً للشأن العام هي: أن يجد من يشد أذره، ويحمي ظهره عند الحاجة، وأشد ما يزعزع يقينه وثبات موقفه ويحزنه: خذلان الجماهير، التي خرج منافحاً عن قضاياها، ومدافعاً عن حقوقِها؛ فمن العارِ أن يرى المرءُ ما فيه رئيس حزب المؤتمر السوداني من عنتٍ، وما يحيط به من مخاطرَ، ويغضَّ الطرفَ غير مكترثٍ، يمشي في الأسواقِ، ويأكلُ الطعامَ، وينامُ ملءَ جفنيه في أحضانِ زوجه وولدِه.
(3)
الطريقةُ التي اعتُقِلَ بها المناضلُ إبراهيم الشيخ، وطبيعة التهم التي وجِّهت إليه، والمعتقل البائس الذي حشر فيه، حتى أصيب بالمرض، ثم الإصرار على نقله على متن سيارة عسكرية غير مجهزة، ورفض استدعاء سيارة إسعاف طبي لنقله، ولاحقا قطع علاجه واقتياده سقيما للمعتقل مرة أخرى، دون مراعاة لحالته الصحية، كلُّها شواهدُ تدل على سوءِ المقصد، وتجعلُ من نهج القوى الأمنية غير الإنساني جريمةً مكتملةَ الأركان.
(4)
النخب الفكرية والسياسية الصادقة المؤمنة حقا بقدسية النضال، وتضع قدراً للمبادئ والقيم الإنسانية، من واجبها أن تتقدم الصفوف، وترفض معاملة أقطابها بهذه الطريقة الهمجية؛ فهي لا يمكن أن تعتبر ممثّلة للإرادة الشعبية، وتكسب ثقة الجماهير، ما لم تلتزم بالقيم والمثل العليا، وتعبر عن آمال وطموحات شعبها، وتحرص على سلامة رموزه ومناضليه. 
(5)
الموقف السلبي غير المبالي الذي تقفه بعض النخب السياسية والفكرية من قضية اعتقال رئيس حزب المؤتمر السوداني، سيرتد نكالا عليها؛ لأنه موقف متهرئ يدعو للرثاء، فهي بوعي أو دونه  ترسل للنظام رسائل سالبة، مفادها افعل ما شئت ولن يتجرأ أحد على الاستنكار، وبهذا المسلك المشين تشارك هذه النخب البائسة السلطة الغاشمة إثم جرائمها، وتضع نفسها في مرمى نيرانها .
(6)
مبدأ "كل وأحد يأكل نارو" الذي تمارسه بعض النخب ، يجعل من بيئة الحياة السياسية بيئة طاردة للرأي الذي يغلّب المصالح الوطنية العليا على ما دونها من مصالح ذاتية؛ بل ويجعل منها بيئة حاضنة للزور والتزلف والنفاق، والأشد حزنا من ذلك أن رعاة هذه البيئة الفاسدة يدركون مدى انحطاطها، ورغم هذا  الإدراك يتجاهلون أخطارها التي تحيق بالجميع، مما أفقدهم المصداقية، ونزع عنهم ثقة العامة، ويقودهم من فشل لآخر.
(7)
إن الوضع الراهن في السودان يحتاج من النخب المعارضة درجات قصوى من التعاضد والتآزر، والخروج المطلق من ضيق المصالح الذاتية والحزبية لرحابة المصلحة الوطنية، والركون إلى الغيرة السياسية في هذه المرحلة الحساسة، ومحاولة كسب نقاط، وتحقيق أمجاد مجانية -كما اعتادت الزعامات النرجسية في السابق- لن يجدي اليوم، وسيعوق انسياب نهر الحراك الثوري، ويجعل من عملية تغيير النظام الباطش أمراً مكلفاً تحفه المخاطر. 
(8)
فعلى النخب السياسية وقيادات الأحزاب المعارضة التي تغض النظر عن مناصرة رئيس حزب المؤتمر السوداني -لدواعي لا تصب في مصلحة الوطن- أن تعي أن دائرة الظلم والبطش الإنقاذي لن تستثني أحداً، وسيتجرع الجميع كأسها، إن لم تتراص الصفوف وتتحد، وعليها فهم واستيعاب ضرورة ظهور قيادات جديدة، مثل القائد إبراهيم الشيخ الذي أفرزته ضرورة ملء الفراغ العريض الذي أحدثه غياب وتواري معظم قادة الأحزاب القديمة عن الصدام والالتحام بجماهير في اللحظات الحاسمة، وهو أول غيث القيادات الحديثة الذي سينهمر ويتوالى على الساحة السياسية السودانية، التي تعاني منذ أمد من فقر مدقع في القيادات الجماهيرية القادرة على التصدي للهم العام، ودفع فاتورة الزعامة. 
(9)
إن النية الصادقة والمواقف المبدئية المسؤولة هي البداية الصحيحة لإصلاح اختلال حراك التغيير، والدفع به نحو مراميه، كما أن احترام الآخر والأخذ بالصواب من رأيه من أقدس الواجبات السياسية، أما بلوغ الأهداف النبيلة المنشودة فلا يتحقق إلا بالشراكة الوطنية الحقيقية، والإقلاع عن المكر والخداع، وادعاء الوصايا، واحتكار النضال.
(10)
صحيح ان كثير من النخب الحزبية قد ادلت بتصريحات خجولة مستنكرة ما يتعرض له رئيس حزب المؤتمر الوطني من ظلم ودبج أخرين المقال مدحا للرجل وانتصارا لموقفه المبدئي بيد ان جميع هذه "الترترة" ظلت تراوح في إطار "رفع العتب" ولم ترقى لحراك مجتمعي واسع يستطيع ان يؤثر بالفعل على السلطة ويجبرها على اطلاق سراحه وإذا ما ظلت النخب على هذا الحال المائل سيستمر النظام المسعور في إلتهامها الواحد تلو الآخر "يتغدى بالثور الاسود ويتعشى بالابيض"؛ فانصروا أيقونة الثورة إبراهيم الشيخ يا نخب "الترترة"، فقد نصر الرجل بمواقفه المبدئية الوطن، وأعز بصموده الشامخ الشعب، ولينظر الجميع ولو مرة واحدة أبعد من أرنبة أنفه. 
** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.
17/08/2014م
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////