حلم التغيير مشروع ولكن وضعه قيد التنفيذ يستوجب الهبوط من فضاء المتخيل الرحب لضيق كدح الواقع ؛ فالحلم وحده لا يشعل فتيل ثورة.
(1)
من أراد أن يرى الأزمة الفكرية والأخلاقية الماحقة التي تعيشها تيارات الإسلام السياسي ماثلة تسعى بين الناس على ساقين فعليه النظر لمواقف الجماعات التي انسلخت مؤخرا عن نظام الإنقاذ الإسلاموي، وأعلنت معارضتها له معللة ذلك بسوء إدارته للبلاد، واستمراره في نهج الإقصاء، غير مكترث لما جرّه هذا النهج الأحمق من ويلات على الوطن وأهله.
(2)
إلى هنا يبدو الأمر منطقيا والتعليل متسقا، وقد وضع أصبعه في حدق الحقيقة، رغم أن هذه الحقيقية انجلت منذ العام الأول من حكم الحركة الإسلامية، وبانت عورتها لرعاة الشاة في البوادي.
(3)
بيد أن الجماعات المنشقة بالأمس القريب لم تطق صبرا وعادت أسرع مما هو متوقع تجر اذيال خيبتها لحضن النظام من جديد عبر بوابة "حوار الطرشان" لتواصل دعم عهر سياساته التي شاركت في صنعها وتنفيذها طوال ربع قرن ، دون أن تشعر بالحرج أو يحمر لها خد.
(4)
هاكذا استمر الحال وظل العهد والوعد ، حتى في ظل "مفاصلة" العراب حواريه، والشعب ينظر طوال سنوات الخداع الممتد ويعجب، ولا يدري من يصدق في حقيقة الأمر، ومن يكذب "فزيد اظرط من أخيه" وكلاهما كاذب ضليل.
(5)
لقد ظل العقل الجمعي يذكر أن جرم الانقلاب على السلطة الشرعية -الذي دبر من خلف ظهر الجميع ونفذ بالليل- قد تأسس برمته على كذبة بلقاء، قذفت بالشيخ العراب للسجن حبيسا، وقادت من اختاره من حواريه للقصر رئيسا، فمن ذا الذي يستطيع من بعد انكشاف الخديعة أن يلوم الشعب إن رأى كلَّ ذي غرة ملتحٍ جبار.
(6)
ظلَّ شيوخ الغفلة طوال ربع قرن يتمرقون في الكذب، ويمرقون أنف الوطن في الوحل، لا يصرفهم عن كذبة إلا استيلاد أخرى -وياما في الجراب يا حاوي-.
(7)
حتى أرهق المواطن بأحجية "دخلت نملة، شالت حبة، وخرجت". فتعدد الخروج والخوارج ، وتعددت الأسباب والأسماء، حتى لم تعد ذاكرة الشعب تحتمل فيض زبدها.
(8)
قد خرج من تحت إبط "الجماعة" السائح والمصلح، المفاصل والمكاجر، الدباب والكذاب والحشاش سيل من الذباب حط على جيفة البلد الذي نحروه. الألسن شتى كل يغني على ليلاه والقلوب شتي كل يضمر مشتهاه بيد أن الخبث والكيد واحد (دافنينو سوا) بئس القابر والمقبور.
(9)
ضعف القوى المعارضة، وغياب المسعى النضالي الجاد، أخلى الساحة لجماعات تناسلت بالانشطار البسيط في مستنقع النظام؛ لتحتكر لعب دور المعارضة ايضا على مسرح اللا معقول ، وتجد من النظارة من يستمتع بأدائها، ويصفق لها.
(10)
ليغدو ما بين ليلة وضحاها أحد منظري الإنقلاب المشؤوم من المصلحين، وغيره من جماعات الهوس التي شطرت الوطن من "السائحون"؛ مفارقات مفجعة تلد في كل يوم مخادع يبيض ويصفر دون حياء ، برامج "إصلاح " لما أفسدت يداه!!.
(11)
والمواطن من فرط حيرته فارقته الدهشة وانصرف لحاويات "الصنف" المستورد حكوميا؛ ليعصم عقله من الجنون، غير مكترث إن زاد طين واقعه بله؛ فأي عقل بشري هذا الذي يستطيع تقبل وهضم كل هذا الهراء والعبث؟؟! وأي ضمير سوي هذا الذي يستطيع أن يرى ما يرى من عهر سياسيّ ويظل متزنًا ورشيدًا؟!.. 
(12)
نظام حاكم يقذف بـ"عظمة" الحوار لجماعات أعيتها الحيلة؛ لتلهو بها وتعزف عليها لحن عجزها الجنائزي، بينما يمضي هو واثقا نحو صندوق انتخابات مخجوج.
ومعارضة تائهة ترقب في التيه عودة الإمام الغائب، وتشجب رجعت "الغازي" قدلة يا مولاي حافي حالق لحظيرة "الإخوان".
ومواطن من فرط أثقاله المعيشية ، خارت قواه، فأودع أمره في يد من لا تضيع ودائعه، وانصرف محتسبًا ما تقدَّم وما تأخَّر من صبره. 
** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.
تيسير حسن إدريس 19/07/2014م


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.