حلم التغيير مشروع ولكن وضعه قيد التنفيذ يستوجب الهبوط من فضاء المتخيل الرحب لضيق كدح الواقع ؛ فالحلم وحده لا يشعل فتيل ثورة.
(1)
المؤتمر الوطني الذي اعتاد نقض المواثيق والعهود أدهش الساحة السياسية بوثبته الثانية، ووضع الأحزاب الذي شاركته الوثبة الأولى في موقف محرج لا تحسد عليه، وهو يطوِّح بآمالها ويمارس الهبوط الناعم في ميس الانتخابات بمن حضر من أحزاب الفكة، متجاوزا الحوار وتعقيداته، ولسان حاله الممدود سخرية في وجه القوى التي أحسنت الظن في وثبته وحواره يقول: (حاوروا أنفسكم ريثما أفرغ من خج انتخاباتي وأعود) مُنْهِيًا بهذا مسابقة الوثب العالي في مضمار الخداع بالهدف الذهبي.
(2)
هذا الوضع البائس -الذي وجدت القوى السياسية المهرولة دون بصيرة نفسها فيه- يكشف ويوضح مكمن علة السياسة السودانية التي تمارس "كرد فعل" وليس "فعلا" مبدئيا مدروسا مقصودا منه المصلحة العامة. فقيادات أحزاب الهرولة عادة ما تقع في فخ البحث عن مصالحها الذاتية، ويغيب عنها الهم العام، وتبني مواقفها السياسية وأحلامها انحيازا لتلك المصالح، متجاهلة آمال وطموحات جماهيرها، وهي نقطة الضعف التي استغلها نظام الإنقاذ وتلاعب بهذه القيادات وأحزابها كيفما شاء، مستخدما سياسة العصا والجزرة.
(3)
إن لم يكن ذلك كذلك فكيف نفهم مواصلة بعض الأحزاب الهرولة الحمقاء حتى اليوم خلف حوار أسقطه النظام من أجندته واتجه لانتخابات الأمر الواقع؟؟. ليبلغ الهوان بالأمين السياسي لأحد هذه الأحزاب السادرة في الهرولة حد التعهد "بمواصلة الحوار، وإن اعتقل جهاز الأمن؛ زعيم حزبه وبقية القيادات وزجهم بهم في غياهب السجون" كيف يستقيم هذا الموقف سياسيا من حزب يدعي المعارضة؟ بل كيف يتسق في الأصل مبدئيا وأخلاقيا أن لم يكن مجرد "ردة فعل" لفعل مشبوه تخفيه أكمة الصفقات السرية؟!!.
(4)
قد رأينا مؤخرا بعض أحزاب الوثبة تسلك سلوكا سياسيا محمودا، وتراجع نفسها بعد أن تجرعت مرارة عسف النظام، وعقلت ما ظل يردده ويحاول توضيحه منذ البداية الأستاذ أبو عيسى رئيس تحالف قوى الإجماع الوطني، الذي قدم حينها تحليلا عميقا لطبيعة دعوة الحوار قائلا: "إن هناك كثيرًا من المؤشرات تؤكد أن المؤتمر الوطني أقدم على هذه الخطوة بهدف شغل الناس، وكسب الوقت حتى يصل إلى مشارف عام 2015 ويطرح من جديد قضية الدستور والانتخابات ليكسب شرعية جديدة لخمس سنوات بالأساليب المعروفة".
(5)
هكذا قالها السياسي الفطن أبو عيسى "على بلاطة" في أول أيام الدعوة للحوار، ولم  تقبل بعض القوى السياسية حديثه؛ ومضت لهوانها بظلفها؛ لكن ها هي الأحداث تثبت صحة رؤية "زرقاء المعارضة" الذي كان يصر على تهيئة المناخ، واستيفاء شروط الجدية، قبل الولوج في الحوار حتى يكون منتجاً، وكان متمسكا أيضا بضرورة الاتفاق المسبق على الهدف المنشود منه؛ ألا وهو إخراج الوطن من أزمته الشاملة، وليس إضاعة الوقت وتعطيل الحراك المعارض، ريثما يعد المؤتمر الوطني العدة لانتخابات "خج" جديدة.
(6)
رئيس برلمان النظام الفاتح عز الدين قد قطع قول كل خطيب، وأظنه قد قطع فيما قطع لسان أخيه في الله كمال عمر وهو يقول: (لا يظن البعض أننا بالسذاجة أن نسمح لأحد تفكيكنا بقرار سياسي يسمى الحوار، وأقول لن يحدث ذلك؛ ولكن يمكن أن نتفاوض قبل الانتخابات "وبعدها" ). وهذا لعمري (قطع ناشف) وميلودراما بزة تاريخ السينما الهندية؛ ومحض عبث يجعل مسرح (بكيت) يتوارى خجلا. سيظل المؤتمر الوطني يفاوض و(يخج) ويحكم ما لم تفيق معارضة (رد الفعل) من غيبوبتها وتمضي بلا تسويف (لفعل) التغيير.
** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.
تيسير حسن إدريس 90/07/2014م


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////