حلم التغيير مشروع ولكن وضعه قيد التنفيذ يستوجب الهبوط من فضاء المتخيل الرحب لضيق كدح الواقع ؛ فالحلم وحده لا يشعل فتيل ثورة.
(1)
كانت لحظات شؤم فارقة في حياة الإمام الصادق المهدي تلك التي قبل فيها بدخول ابنه عبد الرحمن من بوابة القصر الجمهوري مساعدًا للرئيس وأيضا تلك التي سمح فيها بعودة ابنه الآخر البشرى إلى القوات المسلحة دون سائر أبناء الشعب السوداني الذين شردوا بغير حق خلال الحملة الإنكشارية الظالمة التي عرفت بـ"مرحلة التمكين". وقد أحاطت هذه اللحظات المشؤومة نهج الإمام السياسي بهالة داكنة من الشكوك وفتحت باب التكهنات واسعا أمام أعدائه والحادبين على مصلحته ليدلي كل منهم بدلوه وسع ما يحمل من هوى وغرض.
(2)
اقتيد الإمام لنفق تلك اللحظات الفارقة بخطة جهنمية أعدها طاقم الشيوخ الأمني لكسر شوكة الرجل القوي بمشاعر الأبوة النبيلة ليسهل من بعد ابتزازه؛ الابتزاز السياسي والرشوة التي غدت نهجا إنقاذيا متفقا عليه ومدعوما بمنظومة فقهية متكاملة صكها شيوخ الغفلة بدأ من "فقه السترة والضرورة" وصولا "لفقه التحلل" وفق متوالية من البدع اللانهائية ليجد كل مقام مفسدة "إخواني" ما يناسبه من مقال "ينجر" ضلالته فقهاء السلطان. 
(3)
والعجيب في أمر الإمام الصادق أنه بكل ما أوتي من علم وفطنة قد انساق للفخ مغمض العينين وهو العليم بمدى فساد النظام وخبث أباطرته، الشيء الذي راكم من حنق الجماهير التي طالما أولته ثقتها ودفعها للتشكيك في مساعيه السياسية كافة ورميه بتهمة التواطؤ وقد تعدى هذا الحنق عامة الناس ودلف إلى حوش الحزب العتيق نفسه مما اضطر الإمام مؤخرا لاتخاذ خطوة مستهجنة تخلص فيها من أمين حزبه العام بطريقة رأى الشارع أنها جانبت أسس اللعبة الديمقراطية التي يعد الإمام أحد سدنة معبدها المقدس في السودان.
(4)
دفعت خطوة إعفاء الأمين العام بهذه الطريقة الشك إلى مرتبة اليقين وقادت قطاعا من شباب حزب الأمة إلى الجهر بمخالفة تعاليم المهدي واتخاذ خط سياسي مغاير أدى لاندلاع مواجهات حوارية ساخنة طفحت بزبدها وما ينفع الناس الأسافير لعب فيها معارضو النهج المهادن دور المهاجم في حين تمترس البقية في فسطاط الدفاع منافحة عن حمى الفرمان ليقع الأنصار في اشتجار لم يفتح الله عليه بتلمس لب القضية ولا تفسير ما يرومه الشارع ويطلبه من توضيح لموقف الحزب ورؤيته في مجمل نهج المهادنة. 
(5)
لعل الحرج الذي استشعره الأنصار كافة من تناول أمر سياسة التقارب مع النظام كان مرجعه اختلاط الخاص بالعام في هذا الشأن المطلوب توضيح كنه حقائقه، والرهط الأنصاري بما جبل عليه من أدب جم وحسن خلق حفيظ للمقامات حفي بخصال آل البيت الكبير يتحسس من الخوض في علاقة الإمام بابنه رغم أثر الخطوة العاثرة للابن وتأثيرها السالب على تاريخ الطائفة والحزب.
(6)
فضلت غالبية قيادات حزب الأمة رغم المرارة الدفاع عن نهج الإمام في العلن كاتمة خيبة أملها وهي تعلم أن زعيمها يسعى نحو مهادنة النظام بمشاعر متناقضة شوشها إحساس الأبوة الطاغي الذي طغى حتى على التزام القائد الرمز بواجبات القيادة متجاهلا أمر أنصاره والكثير من أفراد الشعب الذين طالما اعتبروه الزعيم الأقدر على قيادة الوطن والنهوض به من وهدته. هذا الوضع الملتبس زاد طين الشك بلة وأعطى المبرر لحملات النقد الجارح التي طالت الإمام وقاد لتذمر قطاع مقدر من منسوبي الحزب.
(7)
لا يمكن دمغ جميع منتقدي الإمام بالعداوة كما لا يمكن تبرئة من تجاوز حدود النقد البناء من الغرض، فالإمام ليس فردا عاديا من أفراد حزب الأمة بل هو – اتفقنا معه أو اختلفنا – رمز من رموز النظام الديمقراطي الذي تهفو إليه قلوب السواد الأعظم من الشعب؛ لذا كان من الواجب عليه أن يتحسب ولا يسمح بدخول ابنه القصر مهما كانت المبررات ولا يقبل بعودة الابن الثاني للعمل إلا ضمن جميع من فصل تعسفيا من أبناء الشعب. هذا الخطأ القاتل مثل بداية عاثرة أسست لتراجيديا النهاية التي نراها ماثلة في وجود الزعيم السياسي الأكثر قربا وعونا للنظام قابعا خلف قضبانه.
(8)
داهمت مفاجأة اعتقال الإمام الساحة السياسية وأعادت بعض اللحمة لجماهير حزب الأمة بيد أنها فتحت أيضا باب التكهنات على مصراعيه وزادت حمى التخمينات حول طبيعة الخطوة فتعالت أصوات كثيرة مشككة في مصداقية الاعتقال واعتبرته محض مسرحية سيئة الإخراج قامت بها الأجهزة الأمنية لتعيد للإمام بعض من تألقه ووهجه النضالي الذي خبئ نتيجة مواقفه المهادنة، مما قد يدفع أنصاره (ذات غضبة) إلى سحب بساط دعمهم له لا سيما في وجود أبن عمه الطامع مبارك الفاضل الذي عاد مؤخرا من منفاه الاختياري إلى الوطن.

(9)
في حين رأى آخرون أن الاعتقال قد تم في إطار تضارب المصالح بين الإمام والنظام الذي عجز عن تسديد فاتورة خدماته عن الفترة الماضية التي تمثلت في إضعاف الصف المعارض من جهة والتحكم ولجم حراك أنصاره من الالتحاق بحراك التغيير من جهة أخرى كما حدث في "هبة سبتمبر" قبل عامين. ويرى هؤلاء أن عدم سداد النظام المفلس للفواتير المستحقة قد دفع الصادق للتحرك شعبيا للضغط مستدلين على هذه الفرضية بخطابه الناقد للنظام وأجهزته الأمنية أمام أنصاره بمنطقة "الحلاوين".

(10)
كما برزت أصوات أخرى في الشارع تقول إن من عادة النظام حينما يريد عقد صفقة كبرى أن يهيئ لها المناخ لتخرج مسبوكة فكان لابد أن ينفرد بالإمام ولو عن طريق الاعتقال تسهيلا لعملية المساومة  بعيدا عن أي مؤثرات محيطة مثل الطائفة أو العائلة التي يمكن أن تعوق أو تعطل سير التفاهمات ؛ خاصة والنظام المأزوم ليس له وقت يضيعه وهو مطالب بإنجاز ما وعد من حوار. فقرر أن يقطع عرقه ويسفح دمه.

(11)
رغم زخم هذه التكهنات إلا أن الذي لفت انتباه الساحة السياسية وتعجبت له أكثر هو صمت الشيخ الترابي عن تناول أمر الاعتقال أو التعليق عليه وغيابه المريب عن الساحة وهي تمور بالأحداث. هذا الموقف غير المعتاد من الشيخ فتح بابا جديدا لتخمينات ترجح اعتقال الإمام بطلب مباشر من الشيخ نفسه وضعه الأخير كشرط لموافقته على توحيد أطراف الحركة الإسلامية من جديد. وهي قضية يعتبرها النظام الإسلاموي مصيرية تحدد مستقبل استمراره في الحكم من عدمه.

(12)
إن قراءة ما بين سطور وما وراء الأحداث السياسية الشائكة مهمة للوصول لحقيقة أمر اعتقال الإمام فرغم كثافة غبار التخمينات المثارة بحسن نية من البعض خوفا على تاريخ الإمام وبسوء نية من البعض الآخر لذر الرماد في العيون ومحاولة تمرير صفقات مشبوهة في الظلام لإعادة إنتاج النظام وإطالة فترة بقائه تبرز حقيقة شبه متفق عليها في الشارع مفادها أن سوء تقديرات الإمام السياسية وطريقة تعامله مع النظام هي السبب الأساس وراء كل ما حدث وهي التي أوردته هذا المورد العكر.

(13)
في كل الأحوال إن منطق السياسة يفرض على الإمام وأفراد عائلته ومنسوبي حزبه أن يتحلوا بسعة الصدر والصبر على عنت ما يلاقونه في هذه المرحلة؛ فجماهير الشعب المغلوبة على أمرها معذورة إن تشككت في أمر اعتقاله واعتبرتها مسرحية معدة ومتفقا عليها. فنهج الإمام المهادن للنظام طوال الفترة الماضية واستمرار وجود ابنه داخل القصر بعد كل الذي جرى هو ما يدفعها لتقف هذا الموقف.
** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.
تيسير حسن إدريس 02 /06/2014م

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.