(1)
في خطوة متوقعة ولكنها غير حكيمة أقال السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي الأمين العام للحزب د. إبراهيم الأمين، وأعلن في اجتماع الهيئة المركزية عن ترشيح ثلاث شخصيات للمنصب، الذي فازت به السيدة سارة نقد لله رئيسة المكتب السياسي سابقا، وقد عزا السيد الصادق إقالة الأمين العام لفشله في خلق أمانة وفاقية حسب التكليف الموكل إليه، بالإضافة لنقله لخلافات الحزب الداخلية للرأي العام، في إشارة للمؤتمر الصحفي الذي عقدة د. الأمين بفندق "القراند فيلا هوليداي"، وشنَّ من خلاله هجومًا لاذعًا على دعاة الحوار مع النظام، محذرا إياهم من محاولة المساس بشرعيته في اجتماعات الهيئة المركزية التي وصفها بغير الدستورية.
(2)
لم يكتف الأمين العام المقال في مؤتمره الصحفي بالهجوم الشرس على سياسة التقارب مع النظام، الذي انتهجتها قيادة حزب الأمة بصورة واضحة في الآونة الأخيرة؛ بل تجاوز ذلك وحدد أن خيار جماهير حزب الأمة الأول هو الشارع، وأن أي حوار يجب أن تكون نهايته تغيير النظام، وأشار إلى أن حزب الأمة بات اليوم منقسما لمدرستين: مدرسة النضال والثورة الرافضة للمساومات والتسويات، ومدرسة الحوار والتحالف مع المؤتمر الوطني والارتماء في أحضان سلطته الحاكمة.
(3)
والمتابع لتسارع الأحداث داخل الحزب العتيق لا شك يلحظ بوضوح عمق الهوة بين التيارين أو المدرستين اللتين أشار إليهما د. الأمين، ويخلص من ذلك إلى أن ما يجري عبارة عن فرز حقيقي للصفوف، قائم على مبدأ الصراع الفكري دون التقيد بأدواته الديمقراطية، بين تياري الفكر البابوي الذي يغلب مصالح بعض الأفراد داخل الحزب، وتيار المؤسسية الذي يقدم مصالح وقضايا الجماهير على ما عداها من مصالح ذاتية وحزبية ضيقة.
(4)
قيادة حزب الأمة في خضم هذا الصراع الحاد تترنَّح وتكاد تفقد أرضية الحزب التاريخية، مع إصرار تيار الحوار على المضي قدما في حوار ترفضه أغلبية القواعد؛ مما ينذر بحدوث تشظي جديد في جسد الحزب الذي أنهكته كثرت الانقسامات. والمعضلة الأخطر التي تعترض طريق السيد الصادق المهدي رئيس الحزب وتعيق خطواته النشطة للتقارب مع النظام، هي: الانحياز الواضح والكثيف لمجاميع مقدرة من شباب الحزب لصف تيار المؤسسية، الذي يقف على رأسه اليوم الأمين العام المقال د.إبراهيم الأمين.
(5)
أضف إلى هذا الحرج الكبير الذي يستشعره حتى من هم بقرب الإمام الصادق اليوم من فرط ميوعة، مواقف الحزب التي تبدو مرتهنة، وشبه منحازة للمؤتمر الوطني وخططه في إعادة إنتاج سلطته المعطوبة من خلال القيام بإجراءات ترميمية وتجميلية لا تخاطب جوهر الأزمة الوطنية، يشارك فيها حزب الأمة بدور "المحلل"، مما أضر ضررًا بليغًا بسمعة الحزب وتاريخه، وقد يطيح في لحظة فارقة بمجمل كسبه السياسي.
(6)
وحديث د. إبراهيم الأمين الصريح في مؤتمره الصحفي يكشف بكل شفافية عن جهات تحاول أن تختطف الحزب لصالح الحوار مع الحزب الحاكم والمشاركة في الحكومة ، كما أن تصريحه بأنه سيقف مع آخرين ضد محاولات الاختطاف، والتهديد بالنزول إلى الشارع إذا لزم الأمر، يدل على شدة الاستقطاب الجاري، ويشي في الوقت نفسه بقوة موقف الرجل، الذي يلقى فيما يبدو الدعم والمساندة من قطاع عريض من جماهير الحزب ومنسوبيه في العاصمة والولايات.
(7)
إن إصرار السيد الصادق المهدي على الاحتفاظ بالفريق إسماعيل صديق نائبًا له، رغم تاريخه المعروف الملطخ بعار اعتقال وتعذيب الأنصار أثناء عمله في جهاز أمن الدكتاتور النميري، تضعف كثيرًا من موقفه أمام جماهير حزبه، وتضع مصداقية سياساته للتقارب والحوار مع السلطة في محك خطير، هذا إذا ما أضفنا إلي ذلك ما خلفته من حرج وسط الأنصار المعلومات التي كشف عنها د.إبراهيم الأمين ، وعرى فيها الجوانب الخفية في علاقة الإمام وابنه عبد الرحمن بنظام الإنقاذ.
(8)
ورغم نشوة النصر التي يحسها الإمام اليوم؛ كون أنه حسم صراعه مع التيار المناوئ لسياساته بإقالة الأمين العام، إلا أن المؤشرات السياسية تشير بجلاء إلى أن د. الأمين ورغم خسران المنصب إلا أنه قد كسب نفسه كسياسي، حينما ناء بها عن تهمة مولاة النظام الفاسد التي تطارد الإمام الصادق، وتسحب من خلف ظهره السند الشبابي المهم، ليقف مكشوف في عين العاصفة وهو يواجه تساؤلات الشارع الحائر والمستنكر لمواقفه.
(9)
ووفقًا لهذا المنظور يكون الدكتور إبراهيم الأمين قد كسب هذه الجولة في صراعه مع الإمام ، وخطى بهذا خطوات مهمة في اتجاه خلق أرضية شعبية صلبة له ولتيار المؤسسية داخل حزب الأمة ووسط جماهير أحزاب المعارضة أيضا، وهو شيء يعزز من أهمية الرجل ويجعل منه رقما صعبا في معادلة الصراع داخل الحزب العتيق تجبر الإمام على التفكير مليئا في أي خطوة يخطوها في اتجاه الحوار أو التحالف الكامل مع نظام قبل أن يمعن الهرولة.
(10)
من الواضح أن أسهم د. إبراهيم الأمين قد ارتفعت في بورصة الشارع السياسي، ومن الذكاء أن تغتنم قيادة قوى الإجماع الوطني هذه الفرصة، وتلتقط القفاز سعيا وراء ضم الرجل بأي صيغة كانت إلى صفوفها، وإن فعلت واستطاعت إقناعه تكون قد خطت خطوات مقدرة نحو استعادة قطاع عريض من جماهير حزب الأمة، ذات الشوكة والمراس في عراك النظم الشمولية، والتى بالفعل لها مصالح حقيقية تدفعها للمشاركة بقوة في حراك التغيير بعيدا عن تلك المصالح الذاتية الضيقة التي يحاول الإمام الصادق فرضها عليها.
** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.
تيسير حسن إدريس29/03/2014م
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////