عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(1)

يعيب كثير من منسوبي الحركة الإسلامية على الحزب الشيوعي وقوعه تحت سيطرة ما يمكن تسميتها بسيكولوجية "المناحة"، ويعتبر قطاع عريض من الإخوان المسلمين أن عضوية الحزب الشيوعي قد أدمنت تقمص دور الضحية، وأضحت أسيرة حالة الشكوى الدائمة من الظلم الواقع عليها، ولم تستطع رغم مرور أكثر من أربعين عاما أن تبرأ من فوبيا كربلائها الدامي، الذي جرت أحداثه المروعة في 19 يوليو من عام 1971م، وفقد على إثرها الرفاق طاقم القيادة التاريخية، وتشرد البقية، ونكل بالعضوية على عتبات مذبح الدكتاتورية المايوية، إثر فشل تحرك طلائع الحزب داخل الجيش، فيما عرف بحركة الشهيد الرائد هاشم العطا.

(2)

ويركن أصحاب هذه الدعاوي من منسوبي الحركة الإسلامية لإثبات مصداقيتها إلى حالة الحزن المبالغ فيه، التي تعتري الشيوعي حال الفقد، وشدة الاصطفاف عند نازلة الموت، الشيء الذي صرف الحزب في اعتقادهم عن قضية النضال، والشأن العام، وحصر جل نشاطه في الاهتمام بمراسيم التشييع والتأبين، ليتحول الحزن عند الشيوعي لحالة نفسية صبغت حياته وشلت إمكاناته، يعبر عنها من خلال الأناشيد، والأغنيات الكورالية التي اتخذت منحى "مناحة"، يتم من خلالها التنفيس عن انفعالات موسمية عابرة لا تمت لزخم المشاعر الثورية الأصيلة بصلة، ولا تعدو أن تكون شحنة سالبة مفرغة من الطاقة الايجابية، ومحض بكائيات تقود في نهاية الأمر إلى سيطرة مشاعر القنوط والإحباط، وربما تحدث في أحسن أحوالها ثورية فرقعات وتظاهرات عشوائية غير منظمة، ضعيفة الأثر وعديمة الجدوى النضالية.

(3)

وهذا التفسير على علاته وتحامله لا يخلو من حقيقة فرضها تاريخ الحزب الشيوعي الغارق في التضحيات، والمترع بالشهداء والدماء التي غطت ثرى مذابح النظم الديكتاتورية والشمولية، وفاضت لتمتد عذاباته حتى في ظل الديمقراطيات العرجاء التي حكمت البلاد لفترات قصيرة، وهذه الدعاوي التي يريد من خلالها إخوان الحركة الإسلامية التقليل من شأن وأثر الرفاق لا تقدح في مصداقية الحزب الشيوعي، ولا في عظمة تضحياته، وهي ليست مذمة في حقه بقدر ما هي مدعاة للفخر والاعتزاز كون أن الشيوعي ورغم عظم الظلم والعسف الذي تعرض له لا يزال حزبا متماسكا، وعصيًّا عن الانكسار والتركيع، ولكن في ذات الوقت لكي يستقيم أمره وتكف تلك الدعاوي أذاها، لابد للحزب الثوري من  مغالبة الأحزان والتعايش مع طريق الآلام الذي اختاره طوعا، وإلا سيظل للدعاوي بغض النظر عن صدقها أو إغراضها وفي ظل الظاهر والمعلن من النشاطات الحزبية منطق يؤازرها ويسندها.

(4)

فمنسوبو الحركة الإسلامية والعامة من الناس معنيين بالظاهر، ولا يعلمون ما يضمر ويخفي الرفاق من نشاطات تعلمها العضوية، لذا فعلى الحزب الشيوعي أن يتحلى بالصبر ويتسع صدره لمثل هذا النقد، حتى ولو كان ذا غرض، كما هو الحال في دعاوي الإخوان التي يحركها الحسد والغيرة التنظيمية، بسبب عقدة النقص التي يعانيها الأخ المسلم تجاه الفرد الشيوعي، وتدفعه منذ سنوات لبث وترويج الأكاذيب على أمل تشويه سيرة الشيوعي والتشكيك في سريرته، ولم يفلح وهو يرى العامة من الناس أكثر احتراما وإعجابا بصدق الشيوعي وأمانته، عندما ما يقارن بذاك المتأسلم المترفع عن مجتمعه الذي يأمر الناس بالمعروف وينسى نفسه.

(5)

على الرفاق اليوم سرعة التحرك واستغلال مناخ سقوط الدعاية "الإخوانية"، التي سقطت بسقوط مشروعهم الحضاري، ومعاودة تنشيط مشاريع النهضة والعدالة الاجتماعية الهادفة لنشر الوعي، وتقليص الفوارق الطبقية، ومغادرة محطة العمل الدعائي الهش، ومركزية النشاط الحزبي  في العاصمة والمدن الكبرى، لرحاب سعة الأرياف والهامش والنشاطات الحيوية من برامج لمحو الأمية، وقوافل صحية وثقافية، تجوب القرى والنجوع الأكثر حاجة لنشر الوعي، والعون الخدمي والاهتمام بإنسان تلك المناطق الطيب، الذي في تربته الخصبة ترقد بذور غرس حزب الطبقة التي يجب أن يكون حريصا على نضجها ونموِّها لتثمر وتعطي أكلها ولو بعد حين.

(6)

إن مغادرة محطة مناكفة الإخوان الذين تميد الأرض من تحتهم أجدى وأكثر نفعا للحزب الشيوعي من تعطيل الذات عندها، خاصة وتجربة حكم شيوخ الإنقاذ الفاشلة لم تترك على وجه الحركة الإسلامية مزعة لحم تنافح بها، ولن تجد بعد اليوم من يصدق دعاويها بعد أن سقطت ورقة التوت، وانكشف المستور من أمر سلوكيات "الوهم" الإخوانية، التي هي مظهر من مظاهر سيكولوجية الفرد المقهور، وهي ذهنية متخلفة تتصف بالجمود والقطعية، وتفتقر إلى التجريد والمرونة والجدلية، حيث نجد "الأخ المسلم" في كثير من الأحيان انفعالي تعوزه العقلانية والضبط المنطقي، نتيجة وقوعه تحت تأثير العلاقة التنظيمية ذات الاتجاه الواحد، وهي علاقة عناصرها "التسلط والرضوخ"، ومعادلتها "شيخ وأحد متسلط، وتبع رضوخ من الحيران."

(7)

هذا الواقع يخلق "جماعة" مشوهة مستسلمة ومنكفئة على الذات، خانعة في ظل سيطرة خرافية محاطة بقدسية تفرض على "الجماعة" الذوبان الكامل فيها، كقوة متسلطة، مما يقود مع مرور الوقت لاحتقان غير منضبط قابل للانفجار متى ما سنحت السانحة، والشواهد على خطورة هذا العطب النفسي كثيرة، وتتجلى في إيمان "الأخ المسلم" بالحلول العنيفة، وتبنيه للعنف الجسدي في حواره السياسي مع الآخر، وأحيانا حتى مع الأقران، وأيضا في علاقته مع المرأة التي يتهرب "الأخ المسلم" دوما من عذابات مأزقه النفسي بصبه عليها من خلال تحميل المرأة كل مظاهر النقص والمهانة التي يشكو منها، في بحثه المحموم عن التوازن النفسي، فالمرأة دائما هي محط إسقاطاته السلبية والايجابية على حد سواء. أن دعوة "الأخ المسلم" للذوبان في "الجماعة" المرجعية لدرجة تزول معها الفردية بشكل كامل، هو مظهر آخر من مظاهر سيكولوجية الفرد المقهور، حيث يجد في هذا الذوبان حماية له، وتأمينا ضد أخطار الطبيعة والمجتمع، وكذا احتمائه المتواصل بأمجاد الماضي والسلف، كخط دفاع وجودي.

(8)

أما حالة الزهد والتقشف التي تعتري "الأخ المسلم" في بواكير حياته، ويظل يأمر بها الناس، سرعان ما تتلاشى وتذوب، متى ما "تمكن" من سقط المتاع الدنيوي، فيركل بكلتا قدميه ضيق وجفاف تلك المرحلة، ويسقط طوعا فريسة سهلة في فك ما اصطلح علماء الاجتماع والاقتصاد على تسميته بـ(أثر الاستعراض)، والمقصود منه توجه "مستجد النعمة" في المجتمع المتخلف إلى الإفراط في اقتناء وسائل الاستهلاك المادي، وتبديد الثروة الوطنية على المظاهر الخارجية، على حساب توظيفها في التنمية الفعلية، وهذا ما وقع فيه شيوخ نظام الإنقاذ، والفرد منهم يحاول أن يتنكر لوضعه المتخلف من خلال أحاطة نفسه بكل مظاهر الوجاهة المادية، "فأثر الاستعراض" قد أحاط بشيوخ الغفلة إحاطة السوار بالمعصم، فانحصرت المشاريع التنموية في التفاخر الفج من سيارات فارهة، ومباني ومولات تجارية لا يعمها غير النذر القليل من الناس، لم تنعكس على المجتمع وبنيته؛ بل تركته يصارع وحش الفقر والعوز.

(9)

ومما تقدم نرى أن دعاوي الأخ المسلم في حق الحزب الشيوعي ليست أمينة، وغير مبرأة من الغرض، وهو غير مؤهل نفسيا وأخلاقيا للحكم على أحد، بعد أن رأى الناس بؤس تعاطيه مع الشأن العام خلال الربع قرن الأخير، التي كشفت ما كان يجتهد في سترة من مثالب وراء مظهر التدين الزائف، ولكن ليكون المرء أكثر صدقا وأمانة عليه أن لا ينجر وراء خطل شيطنة الآخر بإطلاق تام، ويسلك سلوك الجماعة. فمحاولة شيطنة تيارات الإسلام السياسي كافة هو حماقة، يجب أن يتجنبها الشيوعي ولا يوغل في عوارها، خاصة في وجود رجال من أمثال الدكتور الطيب زين العابدين، والشيخ الصادق عبد الله عبد الماجد، وآخرين من شباب مسلم مستنير، من الذين يستحيل القدح في وطنيتهم وخلقهم القويم.

** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.


تيسير حسن إدريس14/04/2014م