(1)
أعلن حزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان، تحفظ الحزب الشيوعي، والبعث العربي، والمؤتمر السوداني، على المشاركة في الحوار الوطني الذي دعا له الرئيس عمر البشير. وكشف عن مقترحات بإشراك الحركات المسلحة في الحوار بالخارج. أنه لعمري "خوار"  عجل السامري ليس إلا وقد علمت تلك الاحزاب حقيقة الامر فلم يصب مسعى شيخ علي المكلف من النظام بإقناعها بالمشاركة في الحوار سوى دعوة مضادة من خطيب الشيوعي على "كباية شاي" وليته شاي كان بالحليب ربما استساغه "الأخ علي" غير أن الرفيق اشترط أن يكون الشاي أحمر قاني لونه كرأيات حزبه يسر المعارضين.
(2)
ولا أدري إن كان لا يزال للقوى السياسية الموافقة والداعية للحوار مع النظام ثمة لسان تستكمل به دعوتها ؛ بعد الأخبار المفزعة المتواترة عن وحشية أعمال القتل والنهب والحرق والاغتصاب الذي يعانيه أهل دار فور، والأحداث المؤسفة الأخيرة التي شهدتها جامعة الخرطوم وراح ضحيتها طالب شهيد وجرح فيها العديد من الطلاب جراح البعض منهم خطيرة. لقد غادر نظام الإنقاذ منذ أمد بعيد محطة الحوار، وأسقط مبرراته بما يرتكب من حماقات.
(3)
والاستفسار الوارد أعلاه ليس للإجابة فنحن نعلم أن القوى المعنية كنهجها دائما ستظل تركض خلف مصالحها الضيقة، ولو خاضت إلى الركب في دماء الشعب وضحايا النظام الباغي، وستظل تبحث عن الأعذار مع كل خطوة عاثرة تخطوها؛ بل وتختلقها أحيانا من خيالها لتحفظ ماء وجهها، وتبرر حال خنوعها المذل، حرصا منها للوصول لفتات المكاسب الرخيصة، وهي تخوض في بحر دموع ومآسي جماهيرها دون حياء.
(4)
وزعماء القوى المنتهية الصلاحية تعلم "مثل جوع بطنها" أن نهجها السياسي البائس قد انكشف، وسقطت ورقة التوت التي تستره، والبساط يسحب تدريجيا من تحت أقدامها المرتجفة، فلم تعد الحيل القديمة تنطلي على أحد، وما عاد الشعب ينتظر منها رجاء، ولا يأمل فيها خيرا، لدرجة أن جماهيرها وعضويتها قد تزعزعت ثقتهم فيها، وانحاز قطاع عريض منها لحراك التغيير، ونفض يده عن ممارساتها الانتهازية، ونهجها المبتذل.
(5)
فدماء الشهداء التي ضمخت ثرى الوطن، ستظل سدًّا منيعًا يحول بين زعماء الوثبة وتحقيق الطموحات الرخيصة في العودة إلى الحكم، واقتسام الكعكة مع نظام الإنقاذ الباغي، وكلا الطرفين المحاوِر والمحاوَر يستندان اليوم إلى جدار متهالك آيل للسقوط، رغم أنف واقع الإحباط ورغم "فزاعة" الدعوات، الداعية للمحافظة على ما تبقى من وطن. فالجماهير العريضة المكتوية بنار الواقع البائس عازمة على إعادة ترتيب حياتها ، وفق ما تريد، ولم تعد راغبة في وطن يحتكر قلة من أبنائه خيراته، فحين  تكتوي جموع الشعب بنار العوز والمسغبة.
(6)
و"وثبتكم" التي انتم بها تخادعون ردت إليكم، ولا حوار مع القتلة تجار الدين، ولا تاريخ في هذا المنعطف إلا ما يؤرخه الشهداء ، فقد جفت الأقلام، ورفعت الصحف، ومن حاوَر قاتلاً بعد اليوم  فهو قاتل مثله، ومن ساوم مجرمًا ليقتسم معه حصاد جرمه فهو مجرم بذات القدر وأكثر .
(7)
إن المقدمات الخاطئة تقود إلى نتائج خاطئة هكذا يقول المنطق. وإعلان مجموعة مغمورة نفسها بديلا للآخرين لا يكسبها "شرعية"؛ لأنها ببساطة قد أتت على ظهر دابة من الحديد، وحكمها بقوة السلاح "بديلا" لنظام ديمقراطي منتخب هو نتيجة خطأ لمقدمة خطأ وهو "الانقلاب".
(8)
والنتيجة في هذه الحالة لا يعتد بها لانها بنيت على باطل، يجافي المنطق ويتمحك زورا في الظرف الموضوعي، وهو ما أدخل "الحركة الإسلامية السودانية" عشية انقلابها المشؤوم في دائرة الحلقة المفرغة، وجعل من شيوخها "ثيران ساقية" تدور حول نفسها وتعبئ من بحر الفشل، وتصب فيه لربع قرن ولا تزال.
(9)
السودان اليوم على شفا جرف هارٍ، ولم يعد واقعه يسمح بمزيد من الترترة السياسية، والمماحكة الغبية، والمضي في طريق المساومات الفطيرة، والاتفاقيات الثنائية القائمة على الترضيات الفوقية، وشراء الذمم، لن يحل أو يعالج أمهات القضايا الوطنية المعلقة، التي تنذر بخراب ما تبقى من الديار، وبعثرة ما تبقى من وطن، مكررة مأساة انفصال الجنوب.
(10)
فالمنعطف تاريخيٌّ ووجوديٌّ وجدٌّ خطير، هذه حقيقة يراها الجميع، وقرَتْ في العقل، وصدقتها الأحداث المأسوية الجارية في دار فور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وأكدت عليها أحداث جامعة الخرطوم الأخيرة، وتعيد التأكيد عليها الهجمة اليومية على الصحف بالمصادرة والإيقاف، والنشطاء السياسيين بالاعتقال والتعذيب، فما بال زعامات الخيبة وهي في خريف العمر تتظاهر بعدم الفهم، وتصرُّ على اللهو بقضايا الوطن الكبرى، وتعبث بها عبث المراهقين.
** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.

تيسير حسن إدريس29/03/2014م
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////