(1)
لا أرى في هجوم حزب المؤتمر الشعبي على بقية أحزاب قوى الإجماع الوطني -التي أعلنت مقاطعتها للحوار الذي دعت له السلطة- سوى محاولة بائسة لستر عورة الارتماء في حضن الدكتاتورية من جديد. فمع أول إشارة خضراء لوح بها النظام للعودة لمراتع السلطان اصطكت ركبتا الحزب الطامع للإمارة، ونهقت شهوة الصولجان في رأسه، وعادت الأحلام تداعب خيال شيوخه بقرب عودة امتيازات السلطة تجر أذيالها، فاتحة ذراعيها قائلة "هيت لك".
(2)
هذا الهجوم  مهما تجمل بالمبررات سيظل محاولة بائسة للهروب إلى الأمام ، ولا يخرج عن كون أنه استمرار لنهج الشيوخ الميكافيللي المعتاد، الذي أعمى البصر، وأغشى البصائر عن رؤية مبدئية نهج الأحزاب المقاطعة لحوار ملغوم وفخ زلق، القصد منه شراء الوقت، واكتساب شرعية مفقودة. فأحزاب المعارضة المقاطعة لم تقترف جرمًا، ولم تأتِ بمنكرٍ، وهي ترفض حوارًا عبثيًّا، لا يتوفر فيه الحد الأدنى من الاشتراطات، التي تجعل منه عملية سياسية كاملة الأركان، لها قيمة ومخرجات حقيقية، تصب في مجرى حل أزمات الوطن الشائكة.
(3)
وإذا ما تأملنا تصريحات ومواقف أقطاب حزب المؤتمر الشعبي، التي تبدلت بصورة يكاد المرء من هول تبدلها وشدة تناقضها يجن ويذهب رشده ويصاب بالغثيان نجد أنها ضريرة وعرجاء، تعبر بصدق عن مربط فرس خيبات الوطن المتلاحقة، فنهج تجريد الممارسة السياسية من المصداقية والالتزام الأخلاقي، يحول الفعل السياسي من ممارسة رشيدة ذات أجندة تهدف لخدمة الوطن وأهله، إلى مجرد ملهاة عبثية الغرض، من ورائها اقتناص امتيازات شخصية،أو مكاسب تنظيمية في أرقى طموحات طلابها، وكلا الأمرين يدلان على بؤس الطالب والمطلوب.   
(4)
هذه الممارسة "الثعبانية" قادت كثيرًا من القوى السياسية السودانية لمستنقع الانحطاط القيمي والأخلاقي،الذي تجلى في ضعف الالتزام بالمواثيق والعهود، وأدت لإنعدام الثقة بين مكونات التحالفات السياسية، مما أصاب مكنيزم الحراك السياسي بالعطب، وأخر من حلقات تطوره التاريخية. فمعظم الأحزاب والزعامات على الساحة ظلت على استعداد لتنصل من تعهداتها مع الآخر، وتبديل مواقفها للنقيض كما تبدل سراويلها الداخلية متى ما رأت في ذاك فتات مصلحة ذاتية، غير عابئة بمصالح الوطن العليا، ولا مصالح الجماهير؛ والأدهى والأكثر ضلالا أنها لا تستحي من المجاهرة بهذا السلوك القميء، حتى غدا ممارسة معتادة يعتبرها البعض جزء أصيلا من لعبة السياسة.
(5)
وعلى الرغم من أن القليل من الأحزاب لا تزال تحافظ على مبادئها ومواقفها، إلا أنها تبدو في المشهد العام كاليتم على موائد اللئام، مذمومة ومهددة دوما بالعزل والإقصاء. فالسياسي الناجح في نظر العامة  قد غدا ذاك الحربائي المراوغ المستعد لبيع نفسه حتى للشيطان مع أول صفقة محرمة، يداعب بريق مكاسبها أطماعه ، تلك المكاسب التي يتم نكرانها عادة ولعنها قولا بالنهار، وتجمع وتحصل نقدا وعينا بالليل من خلف ظهر الشعب.
(6)
وقد وجد هذا السقم الأخلاقي رواجًا له في أسواق الربع قرن الأخير، وتوطن في السودان حتى غدا سمة من السمات التي تميز الأحزاب ذات التوجه الديني، التي لا تستحي من البحث عن مبررات كذوبة تزين بها قبح ما تفعل، وتعمد لتأصيل منكرات القول والفعل السياسي الذي تقترفه دينيا باستدعاء آيات القرآن الكريم والحديث الشريف دون وجل، وتزج بها قصرا في سياق لا يتسق أصلا والسياقات التاريخية الذي وردت فيها.
(7)
وهذا يحدث في العلن وسط ضجيج التهليل والتكبير المندفع من حناجر اعتادت التضليل، وترديد مقولات حمقاء كمبرر لحربائية وزئبقية الأسياد. فالعب على ذقون البسطاء أضحى ديدن ساسة الغفلة، ونهج جماعة "المشروع الحضاري"، دون أن يكلف الشيخ منهم نفسه رهق التفكير في الفرق بين الحضارة والدعارة في زمان المتاجرة بالمقدسات، ولا حتى مجرد السؤال عن حكم خيانة الأمانة، والتفريط في تراب الوطن. والذي رفع السماء بلا عمد ودحى الأرض لا يكون المرء شريفا رابحا البيع أبدا، وهو يعاهد ضحى وينكث غزل عهده قبل مغيب الشمس.
(8)
لقد اتضح بعد خطاب الوثبة الرئاسي أن حزبي المؤتمر الوطني الحاكم والمؤتمر الشعبي المعارض تؤمٌ سيامية، يستحيل فصل برامجها، أو التميز بين أهدافها ؛ أما ملهاة "المفاصلة" فسقطت ورقة التوت عن عورتها، واتضح أنها كانت مجرد صراع بائس على "كعكة" السلطة، يغذيه الغبن الشخصي. وإلا فكيف نفهم دراما انقلاب الترابي وحزبه فجأة، وتقاربه مع النظام لحظة تخلص المشير من "علي عثمان ونافع وعوض الجاز والعتباني"؟؟.
(9)
يستحيل فهم عملية بعث هذا "التوالي" من جديد إلا في السياق الملبد بغيوم الحسد، والتباغض والتنافس غير الشريف، على سقط المتاع بين الشيخ وحيرانه العصاة، وقد أدرك الجنرال الذي أتوا به في ليلة 30 يونيو 1989م وظنوا فيه الغباء نقطة الضعف هذه في الشيخ وتلاميذه ، واستغلها أذكى استغلال، بعيدا عن الادعاء الأجوف بأن سبب المفاصلة كان خلافًا مبدئيا على الأصول والثوابت ؛ فالجنرال قد فهم الامر على حقيقته منذ اللحظة الاولى وعلم أنه أمر دنيا وليس أمر دين ومن ثم حفر وطمر.
(10)
واحدة من أكبر أمراض السياسة السودانية اتباع الساسة لنهج المداراة، وعدم الوضوح ؛ هذا الداء نفسه هو الذي زين لقوى الإجماع أمر قبول مهندس المأزق الوطني كاستشاري معالج، لتبعات علته التي رمى بها الوطن وانسل، والعودة من جديد بكل أريحية للتحالف معه، وإسقاط أمر خداعه من الذاكرة والوثوق فيه  رغم الأصوات التي ارتفعت محذرة من مغبة وضع البيض المعارض في سلة الترابي المخادع، الذي استكثر على الشعب السوداني مجرد اعتذار عن ما اقترفته يداه من جرم الانقلاب.
(11)
إن الميكافيللية تنضح من تصريحات قيادات المؤتمر الشعبي الأخيرة، وحديثها الناقض لقوى الإجماع الوطني يكشف عن مدى المداهنة ، وضعف الرؤية السياسية، أما اتهامها للأحزاب المقاطعة بالعمالة، ومحاولة إرهابها بالعزل السياسي، فيوضح عمق الأزمة النفسية والأخلاقية التي يعانيها شيوخ المؤتمر الشعبي. وعلى عكس ما ادعوا فقد أعزت أحزاب المعارضة بموقفها المبدئي المقاطع الجماهير، وتحاشت الخوض في وحل حوار عقيم معلوم النتائج، لا غرض للسلطة من قيامه كما أسلفنا  سوى البحث عن شرعية مفقودة وشراء مزيد من الوقت.
(12)
من حق أي حزب سياسي أن يختار طريقه في أن يكون ميكافيللي التوجه، قبيح السيرة، فهذا شأن يخص قياداته وجماهيره، ولكن ليس من حق أحد أن يجر الآخرين، ويدفع بهم عنوة لوحل ممارساته السياسية النكراء، وحين يفشل في ذلك ويخيب فاله، يرمي الشرفاء بالخيانة، ويتهم القابضين على الجمر بالعمالة، التي تعشش في جيوب أقطابه من حملة وثائق السفر الأجنبية، حقًّا " الإختشوا ماتوا".
** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.

تيسير حسن إدريس02/03/2014م