(1)
أعظم انجازات الإخوان المسلمين في السودان قتل مشاعر الدهشة في النفوس، وتحرير حياتنا من علامات التعجب والاستفهام، فغدا الفرد يتقبل أحط الألاعيب الإخوانية عادي جدا، فلا ترتفع حاجباه دهشة ولا يسقط فكه من الحيرة، وبهذا قدمت (جماعة) الخير خدمة جليلة للمجتمع إذا أنقذته من هبل فغر الفم استغرابا، خاصة والخراب الذي عم الوطن أضر بالبيئة، وجعل جيوش الذباب المنتشرة على أهبة الاستعداد دوما لولوج الفم، متى ما ارتخى الفك ولو بدواعي البسمة الصفراء، وأنت تطالع تصريح السيد كمال عمر، وهو يشرح بمنتهى البراءة أسباب الموافقة على الدخول في (الحوار) الذي له (خوار) مع السلطة، التي فاصلوها متبسما كبارق ثغر شيخه، ثم يعلن باستخفاف جمٍّ عدم التخلي عن الحلفاء من قوى المعارضة!.
(2)
هذا العبث صناعةٌ إخوانية بامتياز، تستحق عليه (الجماعة) شهادة (الأيزو)، ولكن أن نلقي باللوم عليها وحدها دون غيرها ونركن للدعة والاسترخاء، فهذا ظلمٌ بيِّنٌ، وحمقٌ يبز حمق (أبو الدقيق)، فالنصيب الأوفر والقدر الأعظم من اللوم يقع على عاتق قوى بعينها، أدمنت لعبة التحالف من أجل التحالف، وأهملت نهجها الثوري في النضال وسط الجماهير، مفضلة نضال الميكروفونات، وفلاشات آلات التصوير، على نضال الشوارع والساحات، فطاش سهمها "فلا ثورة أشعلت، ولا جماهيرًا أبقت"، فعادت من رحلة العذاب الربع قرنية على يد زبانية "الإنقاذ" (بخُفَّي حُنين).
(3)
وبهذا يكون شعب السودان المكسور الخاطر، موعودًا بفصول جديدة من مسلسل (ليالي القصر والمنشية)، بمشاركة أبطال الطائفتين لتستمر ملهاة الوطن الجريح ردحا آخر من زمان الغفلة والغيبوبة، يتم خلاله نسف ما تبقى من وطن، ما لم تتمايز الصفوف تماما، وتغادر القوى صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير مربع (التراترة الإسلاوطائفي) الذي ظل حريصًا، في كل مرحلة من مراحل تطور السودان الحديث، على إعادة إنتاج الأزمات الوطنية، وتعطيل التغيير، حفاظا على مصالحه العائلية التي اكتسبها في غفلة من الزمان.
(4)
لقد أثبتت الممارسة العملية والتجربة، أن عدم التوافق البرامجي بين مكونات قوى التحالف المعارض، قد ظل خصمًا على فعليتها، والعقبة الكوؤد في طريق انطلاق الثورة. اتضح هذا الأمر منذ تجربة التجمع الوطني الديمقراطي، والتي كانت كفيلة بخروج الجميع منها بهذه النتيجة، ولكن القوى اليسارية والديمقراطية ظلت تراهن على تجريب المجرب، وإعادة إنتاج أخطائها بعناد عجيب، وواصلت قراءة واقع السودان بأثر رجعي، متوقفة عند محطة الستينات من القرن الماضي، ومصرَّة على بناء تكتيكاتها وفق مسلماتها التي عفى عنها الزمن، وبهذا النهج الساذج تجاهلت كم المستجدات التي طرأت على الساحة السياسية، وأدَّت لبلورة فكرٍ ووعيٍ جديدٍ وسط الأجيال الحديثة، حتى داخل الأحزاب التقليدية.
(5)
وإصرار القوى الديمقراطية على التوقف عند فهم أن الحزبين الطائفيين "الاتحادي والأمة" يمثلان القوى الجماهيرية الكاسحة، التي يستعصي إحداث الحراك الثوري في غيابها، دون النظر لواقع البعثرة وحال التشرذم الذي أحدثه نظام الإنقاذ في صفوفها ؛ مما أدَّى لانقسام حزب الأمة لأكثر من سبعة أحزاب، وحال الحزب الاتحادي ليس بأفضل ، يعتبر عجز في الرؤية السياسية لتلك القوى، ينُمُّ عن ضعف في مناهج تحليلها، يحول بينها وبين استشراف آفاق مستقبل المشهد السياسي، الذي يتشكل ويشهد انبثاقَ تياراتٍ شابة من رحم الهرج والمرج الطائفي القديم، أكثر وعيًا واستنارةً، وأطهرُ وطنية، مع ظهور قوى الهامش وقوى شبابية مستقلة بقوة على سطح الأحداث.
(6)
لقد عرَّت وثبة الرئيس الأخيرة المشهدَ، وأحدثت فرزًا سياسيًّا لا يستطيع أي عاقل تجاهله، كما أثبتت أن إناء التحالف المعارض كانت تحفُّه النجاسةُ من كل جانبٍ، وطهارتُه في الغسل بالماء والتراب سبع مرات، ومن ثم إعادة النظر في مكوناته السياسية وفق مستجدات الواقع الماثل بين أيدينا، وبعيدا عن مسلمات الماضي الذي مضى ولا نزال نتمسح بأستاره، ونعيد إنشاد معلقاته وأشعاره، والحلُّ المتاح اليوم أمام القوى اليسارية والديمقراطية إذا ما أرادت التقدم للأمام، واسترداد ثقة الجماهير هو في سرعة، إهالة التراب على هذا التحالف الكسيح، وإعادة تكوينه من القوى صاحبة الوجعة، والمصلحة الحقيقية في إحداث التغيير.
(7)
إن الدليل القاطع على صحة هذا الطرح ومنطقيته يستشفه المرء بكل بساطة من فحوى تصاريح السيد كمال عمر وأقطاب حزبه "المؤتمر الشعبي"، المناقضة لجملة مواقفهم المعارضة السابقة، فالرجل الناطق الرسمي باسم تحالف المعارضة قد ارْتدَّ في طرفة عين، من منادٍ بإسقاط نظام الإنقاذ، إلى منافح عن النظام، يرى ضرورة المحافظة عليه، والحوار معه. أما المضحك المبكي في حديث الرجل، فهو الإصرار على أن حزبه لم يغادر تحالف قوى الإجماع الوطني، ويذهب بهذه المسخرة أشواطًا مذهلة، حين يستخف بعقول حلفائه، مؤكدا أن التحالف المعارض سيظل رصيدًا لهم، حتى لو توحَّدت قوى الإسلام السياسي من جديد!!.
(8)
وتصريح كمال عمر وفق منطوقة يتسم بجراءة وقوة عين، يحسد عليها، وفيه قدر من اللعب على الذقون، والاستخفاف بالعقول، يبز تفرد "مسلمة بن حبيب الحنفي"، كما أنه يشي بقدر هائل من الصلف والعنجهية، وللامبالاة بمشاعر قوى الإجماع، ويترجم عمليا مقولة متداولة بين عضوية الأحزاب والجماعات الإسلامية عن (المغفل النافع)، وحديث الرجل ينهل من معين المقولة المعيبة، ويصب في سياقها الذي يتسق بدوره مع حديث شيخه السنوسي، الذي دعى جهرًا بالأمس القريب (لوحدة الصف الإسلامي لمواجهة العلمانيين من المحيط إلى الخليج.).
(9)
إن حزب المؤتمر الشعبي الذي أدخل شيخه المؤسس الوطن في هذا النفق، بفرية "أذهب للقصر رئيسا وسأذهب لكوبر سجينا"، قبل ربع قرن، يريد اليوم أن يجعل من قوى الإجماع المعارض رصيدًا احتياطيًّا، وورقة ضغط يلوح بها عند الحاجة في وجه المؤتمر الوطني، للوصول لمأربه في اقتسام "كيكة" السلطة، والحصول على أكبر قدر من المكاسب، مما يعني عمليا وضع التحالف موضع (المغفل نافع)، بغرض إنجاح المساومة المستعر حوارها بين قوى اليمين، لاقتسام ما تبقى من وطن، ثم من بعد لا تسريب ولا حرج على الشيوخ من القذف بقوى التحالف للجحيم، أو أقرب سلة مهملات كأي منديل ورقي مستخدم، فالغاية تبرر الوسيلة، والتحالف لا يحمي المغفلين.
(10)
لقد أخطأت جميع القوى اليسارية والديمقراطية، وأصاب الأستاذ كمال الجزولي في حكمه، وتحليله لتحالف قوى الإجماع الوطني، فالأحزاب والقوى السياسية التي ترضى على نفسها أن تقف مثل هذا الموقف، وتوضع في خانة "المغفل النافع" طوال كل هذا الوقت، دون أن تدري بأنها كالزوج المخدوع، آخر من يعلم، تستاهل هذا المصير، وعلى قياداتها أن تكون أكثر شجاعة وتعترف بقصور نظرتها السياسية، وعدم قدرتها على استيعاب وتحليل معطيات الواقع، وعجزها عن التواصل البنَّاء مع الجماهير، من أجل خلق توازن سياسي يكبح جماح قوى الرجعية الطائفية والإسلامية من التفرد بالسلطة، وصياغة مستقبل البلاد وفق رؤيتها المناقضة لمصالح وطموحات السواد الأعظم من الشعب.
** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.

تيسير حسن إدريس17/02/2014م   
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////