عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(1)
من تعاطى إيجابا مع "وثبة" الرئيس من قوى المعارضة وقع في فخ إلغاء الذاكرة، والانجرار لتعاطي معها بروح من "غلبته الحيلة"، وقد فقد مصالح ذاتية وامتيازات موروثة يود استردادها بعيدا عن الجماهير وهمها، فغدا يضرب أخماسا في أسداس، وهو يبحث عن مخرج يحفظ له الحقوق المتوارثة، وبعض ماء الوجه والسلام بعد أن دب في النفوس اليأس، وفي العظام العجز، ومضت سنوات العمر في الانتظار، أما قضية  تبرير خزية الهرولة أمام الشعب فليست مشكلة، يمكن الدفع كالعادة بمبررات ظاهرها منطقي وأخلاقي مثل ضرورة الحفاظ على ما تبقى من الوطن، وحقن الدماء، وتجنب تكرار مآسي المواجهات الخشنة، وهكذا يمضي الأمر وتنسى الجماهير مع الزمن مهانة الوثوب وذل التزلف والسؤال.
(2)
فالهرولة المتعجلة لطوائف اليمين "طائفي وإسلاموي" نحو قاعة الصداقة، استجابة لدعوة المشير دون تريث، أو أدنى التفاته للحلفاء من قوى الإجماع الوطني الأخرى، لابد قد أعطى مؤشرا أحمر لقوى اليسار المنضوية تحت لوائه ، ينبهها لأمر طالما تجاهلته وغضت عنه الطرف لأسباب تاريخية، عفا عنها الزمن، واستجدت مستجدات على الساحة الدولية والإقليمية تفرض ضرورة تخطي عقبتها، تمهيدا لخلق تحالف يسار استراتيجي عريض ، يستطيع أن يكبح جماح أطماع اليمين الذي بانت عورته، وهو يستجيب لحظة تلقيه الإشارة الطبقية "فالمصالح بتتصالح"، والفرز الذي حدث وسط تحالف قوى الإجماع نتيجة هذه الخطوة يصعب تجاهله.
(3)
ولا عزاء لمريدي السادة من الطبقات المستضعفة وعامة الناس، ولو دانوا بالولاء المطلق لقوى اليمين وتعلقوا بأستار معابده، فالزعامات التقليدية قد أثبتت مرارا وتكرارا أنها لا تساوم على مصالحها ، أما مصالح جماهيرها فتاتي "حين ميسرة" في نهاية جدول اهتماماتها. وتعويل قوى اليسار والقوى الديمقراطية على التحالف التكتيكي مع اليمين أن لم يكن مدعوما بتحالف استراتيجي فيما بينها، لن ينتج تغيير ثوري حقيقي، أو يفضي لتأسيس نظام يرتكز على مبادئ الديمقراطية والحرية، أو يشيع العدالة الاجتماعية التي يحلم بها الشعب لانها ببساطة خطوات تناقض ومصالح اليمين.
(4)
لقد ظل اليسار السوداني طوال فترة النضال ضد الاستعمار وما بعدها وحتى اليوم، مشاركا بفعالية في أعمال الغرس الوطني ولا يحصد سوى السراب، فخيله تجقلب والشكر لقوى اليمين القابع تحت ضرع البقرة، يستحلب دمها، بينما اليسار بكافة فصائله يناضل متشبثا بقرنيها ولا يطاله من الحليب رشفة. وسيظل الوضع على ما هو عليه طالما أصرت قوى اليسار على موقفها غير المبرر من الشتات التي هي عليه، رغم توافر الحد الأدنى من التوافق الفكري والبرامجي بين مكوناتها، والمحزن في الأمر أن في شتاتها ليس ضياعا لحقوقها كأحزاب فقط؛ بل ضياع مؤكد لحقوق الطبقات الضعيفة في المجتمع كافة.
(5)
واليسار اليوم مواجه بتحدي خارجي خطير، يستوجب الحذر، ويحتم الإسراع بخلق تحالف استراتيجي، بعيدا عن أرث الماضي ومرارات تجاربه. هذا التحدي يتمثل في "مشروع الشرق الأوسط الجديد" الرامي لإعادة تنظيم المنطقة. وقد كان النظام العالمي يعول في تنفيذه على تيار الإسلام السياسي في المنطقة، بيد أنه اصطدم بمعوق وعي طلائع الثورة المصرية والتونسية ، مما دفع أمريكا لتغير خطتها ووسائلها والعمل بجد على المحافظة على سلطة تيار الإسلام السياسي في السودان. وما إستراتيجية "الهبوط الناعم" لحل المشكل الوطني السوداني الذي يتولى الترويج له السيد برنستون ليمان  وجيمي كارتر ودوائر استخباراتية أخرى إلا جزء أصيل من هذا المشروع الاستعماري الناعم.
(6)
وتوافق الإمبريالية العالمية وتيارات الإسلام السياسي في هذه اللحظة التاريخية ليس نابعا من حب أحدهما للآخر بكل تأكيد؛ بل لتلاقي مصالحهما وإيمان الغرب الإمبريالي ببراغماتية هذه التيارات ، وعدم وجود تابوهات في نهجها الميكافيللي يحول بينها وبين اتخاذ أي خطوات مهما كانت مخزية للوصول لغاياتها وأهدافها. وهناك شواهد كثيرة تدعم هذه الحقيقة، ولكن يكفي المرء إلقاء نظرة سريعة على الدور المتعاظم لدويلة قطر، ومدى تأثيرها على مجرى السياسة الدولية اليوم، مقارنة بإمكاناتها مساحة وشعبا؛ ليعلم ولو لم يلم بالتفاصيل أن وراء الأكمة ما وراءها.
(7)
أما التحدي الداخلي الذي يواجه اليسار فقد كان لـ"وثبة الريس" القدح المعلا  في لفت نظر الجميع إليه. حيث رصدت الساحة السياسية السودانية بعيد وثوب طوائف اليمين نحو قاعة الصداقة على عجل، تحركات كثيرة ومريبة تفضح ما يدار في الخفاء من خلف ظهر اليسار، وخبر اجتماع الشيخ الترابي بنافع لـ (ست ساعات)، وعودة علي الحاج من المنفى إن صدق، تكون ترتيبات حلف اليمين قد وضعت موضع التنفيذ، وجاري بلورته عبر ما نشهد من لقاءات تنسيق بين مجموعة غازي صلاح الدين وأحزاب الأمة والمؤتمر الشعبي والحزب الاتحادي الأصل. فكل هذه الخطوات تشير إلى أن ثمة حدث يتم ترتيبه في أروقة قوى اليمين برعاية أمريكية، الشيء الذي يرجح قرب التوصل لتحالف يميني يشارك النظام الحالي الحكم في محاولة لإقالة عثرته، ويعمل معه لتنفيذ مخطط الشرق الأوسط الجديد الذي بدأ أولى خطوات تنفيذه بانفصال الجنوب.
(8)
فالساحة السياسية السودانية إذا موعودة في الشهور القليلة القادمة بميلاد تحالف يميني، برعاية ووصايا إمبريالية كاملة الدسم، تبعث من جديد فكرة تحالف "أهل القبلة". ليجد اليمين المعارض نفسه في خندق الإنقاذ، ليجنبها مصير إخوان مصر، فواقع التصفية الجارية لتنظيم الإخوان هناك، قد دفع التنظيم الدولي للإخوان المسلمين لسرعة التحرك تفاديا لسقوط "إمارة السودان"، وفي معيته قوى اليمين الطائفي، في محاولة لإفراغ الحراك المعارض من زخمه وتدجينه عن طريق عزل وإقصاء تيار اليسار والقوى الديمقراطية من المشهد السياسي، وجرجرت الحركات المسلحة لمساومة سياسية  ربما يلعب فيها الشيخ الترابي وبعض من تلاميذه في حركة العدل والمساواة دور المنسق، إضافة لمجهودات متعهد عموم مشاكل السودان امبيكي صاحب التفاهمات المريبة مع نظام الإنقاذ، دفعا للساحة السياسية نحو تبني مشروع أمريكا "الهبوط الناعم".
(9)
مما تقدم نجد أن قوى اليسار السوداني كافة في وضع حرج لا تحسد عليه، وهذا الوضع يتطلب منها إن أرادت أن يكون لها دور التحرر السريع من عقلية الماضي، والعمل بأقصى سرعة على لملمت أطرافها واستنهاض قواها، والبحث عن صيغة تحالف فيما بينها، يستصحب فيه قوى الهامش الناهضة، و قوى الاستنارة والتقدم والديمقراطية كافة؛ من أجل خلق شكل من أشكال التوازن في القوى، يستطيع أن يكبح جماح توحش برامج اليمين الذي يتكتل استعدادا لمواصلة تنفيذ برامجه المناهضة لمصالح الشعب وطبقاته المسحوقة. والمضي قدما لانجاز تحالف قوى اليسار هدف نبيل يستحق العناء، من الحمق إغفاله في هذه المرحلة التاريخية الفارقة، وهي مسؤولية وواجب أخلاقي ومبدئي يتحتم القيام به حماية لحقوق الطبقات الضعيفة.
** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.
تيسير حسن إدريس05/02/2014م