عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(1)
كل المؤشرات كانت تشير بل تؤكد أن جميع من لبّوا نداء المفاجأة الرئاسية فرادى أو عوائل من أحزاب المعارضة، قد كانوا على علم بفحوى الخطاب، أو على الأقل بمحاوره الرئيسة، ولن يستطيع عاقل يمشي مستويا على ساقين أن يعقل أن سياسي مخضرم مثل الدكتور حسن الترابي، أو السيد الصادق المهدي، ولا حتى الدكتور غازي صلاح الدين يمكن أن يلبي دعوة لجلسة استماع كهذا، دون أن يكون على علم مسبق بالأغاني التي سيقدمها الفنان.
(2)
والخيارات المتاحة أمام المراقب لهذا الحدث ثلاثة لا رابعة لها، أولها: أن يكون الملبون على علم بفحوى الخطاب كما ألقاه الرئيس، ورغم ذلك تكبدوا مشاق الحضور، وهذا حمق سياسي لا يشبه مسلك تلك القيادات. وثاني الخيارات: أن يكون تم تنوير القيادات بنص وتغيير مضمونه، وهذا مسلك معيب، كان يجب على القيادات المخدوعة كشفه بعد اللقاء مباشرة، وهو ما لم تفعله،  على الرغم من أن هذا الخيار تدعمه الدهشة وشحوب الوجوه الذي ران على القيادات المشاركة في الصف الأول ولاحظه المتابعون للحدث؛ أما الخيار الثالث فهو: أن يكون مجمل الحدث  قد أعد في إطار لعبة تم رسم تفاصيلها والاتفاق عليها مع بعض القيادات، وجرت إليها الأخرى دون علم، وهو ما سيصب المزيد من الزيت على نار الاحتقان السياسي.
(3)
والخيار الثالث والمرجح يدعمه اختلاف تلك القيادات الواضح في تقييم الخطاب بعد سماعه حيث تفاوتت ما بين محبط ساخط في حال الشيخ الترابي ومتحفظ متريث في حال الإمام الصادق أما خدعة أن الخطاب عبارة عن توطئة لتفاصيل سيتم الإفصاح عنها لاحقا، التي خرج بها المؤتمر الوطني عندما لاحظ مدى الإحباط الذي أصاب المشاركين بالاستماع داخل القاعة، وجموع الشعب التي ترقبت المفاجأة لمعالجة الموقف المحرج الذي حشر فيه، فلن تنطلي على أحد، وهي لا تعدو أن تكون سوى تخريجه من التخريجات الفهلوية، وليدة اللحظة الحرجة التي أدمن اجتراحها الإخوان عند كل مطب حتى ملها الشارع.
(4)
والمتأمل لوجوه الحضور من القيادات بالأمس التي كستها الحيرة، لابد من أن يتساءل في حال السيد الصادق المهدي بالذات باعتبار أنه الأكثر حماسا لمثل هذه اللقاءات والأكثر قربا من الرئيس ورهطه الإنقاذي، وقد قضى وقتا طويلا، وأضاع زمنا مقدرا في جولات حوار اصطاد فيها "الفيل"، وبشر بحدوث اختراقات مهمة، عادة ما تشرق شمس اليوم التالي داحضة لما ذهب إليه منذ لقاء جيبوتي، مرورا بلقاءات القصر، وانتهاء بالمقابلات المنزلية الأكثر ودًّا وحميمية. والسؤال الذي يطرح نفسه وبإلحاح في هذا الصدد في ماذا وعلى ماذا كان يدور النقاش والحديث في كل تلك اللقاءات المطولة؟! خاصة وقد شهدنا أن دهشة الإمام قد فاقت دهشة الجميع، مما استدعى التزامه الصمت، وعدم التعليق على الخطاب إلا بعد دراسته.
(5)
يبدو أن جميع من شارك من قوى المعارضة قد أخذ على حين غرة، حتى أصحاب السقف المتدني من الطموحات قد أحسوا بعلقم الخديعة، واستشعروا المهانة، ولم ينجو من وصمة عار الخذلان سوى الأحزاب التي قاطعت وكان موقفها مبدئيا وواضحا منذ البداية، الشيء الذي يزيد من حنق الحضور، ويرفع من أسهم تلك الأحزاب المقاطعة ، ويعطي المواطن أملا بأن ثمة قوى معارضة لا تزال لها القدرة على التحليل السياسي الصائب، واتخاذ الموقف السياسي الصحيح المنحاز للآمال وتطلعات الطبقات المسحوقة والمستضعفة من الكتلة الصامتة.
(6)
فالدهشة التي ألجمت من شارك كانت واضحة لكل من تأمل وجوه سادة الصف الأول في القاعة، وقد خرج أغلبهم وكأن على رؤوسهم الطير، حيث لم يستطع السيد الصادق المهدي إبداء رأي في الخطاب الذي استمع إليه باهتمام بالغ، واكتفى بالقول: "سندرس الخطاب ونعرف مضمونه ثم نقوم بالرد عليه". وامتنع عن الخوض في أي تفاصيل حول الخطاب. بينما رأي الشيخ الترابي الذي بدأ أكثر تماسكا، أن الخطاب لم يقدم تشخيصا للمشكلات والأزمات التي يتعرض لها الوطن، أو تقديم حلول جوهرية، مبينا أن لغة الخطاب كانت عامة لم تنزل لمعالجة المشاكل. وأضاف الترابي أن عبارات الخطاب مثلت تحية أكثر من طرح حلول لمعالجة مشاكل السودان، موضحاً أن الخطاب أغفل الحديث عن بسط الحريات العامة، أو حتى تلبية طموح وأشواق قطاعات الشعب السوداني التي عكستها الصحف السودانية وهي تحلل وتتنبأ بما قد يحمله خطاب الرئيس للأمة.
(7)
لقد وضع الرهطُ الملبي في عجل نفسَه في وضع لا يحسد عليه، وهو يلبي على عماه "الفاجعة الرئاسية"، أما الذي شد انتباهي وآلمني أكثر من غيره في مجمل المشهد العبثي، وجود السياسي الضليع والمفكر العلامة الدكتور منصور خالد ضمن "جوقة" جلسة الاستماع، ومشاركته في تكملة تلك اللوحة السريالية، ولا أملك من فرط حزني سوى أن أهمس في أذن أحد عملاقة التنوير والاستنارة في بلادي، معاتبا ومتسائلا، أولم يغنك من أمر الجماعة ما لقيت من عنت ونقض للمواثيق والعهود، طوال مسيرة التفاوض منذ "مشاكوس" حتى انفضاض سامر الوطن بالانفصال المذل؟ كيف ذاك وأنت صاحب "النخبة السودانية وإدمان الفشل"؟ أوليس من أسباب ذاك الفشل البين كم الخداع والتنطع الذي تمارسه النخبة الحاكمة اليوم؟!.  
(8)
وبالرجوع لفحوى خطاب المشير الذي روجت له صحافة النظام على أنه "مفاجأة سارة"، نكتشف أن كوميديا الموقف قد كمنت في عدم وجود مفاجأة في الأصل، وحقيقة الأمر مجرد كلمة خرجت من فم المشير لتبييض الوجه أمام ضيفه الأمريكي جيمي كارتر، ولو درى وحزبه أنها ستضعهم في هذا المزنق الحرج لما خرجت، فقد تفاجأ المشير وحزبه أكثر من الجميع وهم يحشرون حشرا في هذا الموقف بفعل صحافة التطبيل الغبية، فجاء الخطاب الذي أعد على عجل غارقا في العموميات، والإنشاء والأمنيات الفاقدة لآليات التنفيذ، ومترعا بفذلاكات نصية أدخلت المشير في حرج القراءة الخاطئة إملائيا، وضعضعت ما تبقى من صورته أمام الحضور.
(9)
وعموما يمكن تلخيص "الفاجعة الرئاسية" وكل تلك الهيلمانة باختصار في بضع نقاط:
المشاركون من قوى المعارضة قد باتوا في حرج عظيم.
المقاطعون إحساس بالرضا ويقين من سلامة الموقف.
الجماهير العريضة إحساس بالإحباط له ما بعده.
الحزب الحاكم مزنوق زنقة كلب في طاحونة وكديس في مأسورة.
** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.

تيسير حسن إدريس29/01/2014م