(1)
تابع الشارع السوداني في الأسبوعين الأخرين  الحملة الشعواء والغضبة المضرية التي شنتها الصحف ووسائل الإعلام المصرية على السودان حكومة وشعبا لن أقول بمزيد من الدهشة والاستغراب لا بل بابتسامة عريضة مستهزئة من مدى انحطاط لغة معظم من اشترك في حملة "الدفتردار" التأديبية الجديدة. فشعب السودان قد خبر سيكولوجية الاستعلاء المصرية التي لا ترى في السودان وأهله سوى الحديقة الخلفية التي سخرها الله لخدمة ورفاهية "باشاوات مصر" كما اعتاد على الزعيق والصوت العالي وشغل "الحلبسة" و"الفهلوة" و"اللعب بثلاث ورقات" الذي تمارسه وسائل الإعلام المصرية حتى غدت مادة دسمة لتندر السودانيين كافة، ولا يضعون لها أدنى اعتبار باعتبارها شكل معتاد من أشكال "الردح" و"فرش الملاية اللف" الممارس بكثرة في حواري "المحروسة".
(2)
قد يكون من المعيب على أبناء حضارة كرمة ومروي والمقرة وعلوة التي عمرت أرض السودان قبل الآلاف من السنين ويدعي اليوم الخرف "هيكل" جهلا أن كل هذا العمار (ما هو إلا جغرافيا فقط) أن يبتذلوا النفس وينحدروا للدرك المنحط من الخطاب الإعلامي الذي رأي الجميع وسمع فيه لغة "العوالم" و"الكبريهات" يتم تداولها رسميا والتعامل بها في الصحف والقنوات الفضائية ولكن ما العمل؟ حين يصدم المرء وهو يطالع مقال الصفيق الألباني الأصل "الطرابيلي" عبر صحيفة حزب الإقطاع "الوفد" وهو يتجرأ على شعب السودان بينما رئيس حزبه بالأمس القريب كان يتوسل ويستجدي الأرض لكي يفلحها بما يقيم أود الطرابيلي وإخوته ونسمع المعتوه "عكاشة" صاحب "بلوعة الفراعين" يشتم السودان بقذارة فمه التي أزكمت أنوف المشاهدين حتى جاء أمر إغلاقها كأي "بكابورت" انتهت صلاحية استعماله، أعز الله السامعين.
(3)
وحتى لا ننزلق ونغوص أكثر في وحل آسن ابتلع من ذكر وآخرين ندلف لصلب الحقائق التي نريد أن يتبين فجرها "الأشقاء" في شمال الوادي حرصا على حبائل ود ووشائج صلات رغم تكسر نصال الغدر على النصال لم تزل تجد لها في القلب متسعا. وفي صدر ومتن وعجز هذه الحقائق ومبتدئها ومنتهاها حقيقة أن مثلث حلايب شلاتين أبو رماد أرض سودانية مغتصبة ستعود حتما لحضن الوطن في يوم قريب إن كان حربا فحربا وإن كان سلما فخير، ذاك أمر لا جدال فيه ودون تمام بدره الرقاب.
(4)
والحقيقة الثانية التي تدعمها حقائق الجغرافيا والموارد الطبيعية وديموغرافيا أن مصر اليوم ومستقبلا هي الأحوج للسودان وشعبه وليس العكس كما وقر جهلا في عقول البعض بأي حالِ من الأحوال كما أن السودان ظلا دوما وحتى اليوم مشرعا حضنه لأشقائه في شمال الوادي رغم التجني والاستعلاء وسوء المعاملة التي يلقاها أهلنا والتي لن يكون أخرها المجزرة المروعة واللاأخلاقية التي ارتكبتها قوات الأمن المصرية في حق المعتصمين السلميين في ميدان مصطفي محمود قبل سنتين. وصبر شعب السودان على هذه العلاقة المختلة إذا ما فُهم على أنها ضعف ستكون مصر قد ارتكبت خطأ فادحا في حق نفسها وشعبها وجرم لا يغتفر، فعلى مصر العاقلة الرشيدة أن تعيد في ذاك النظر مرتين، وتعمل بجد على أن يظل هذا الحضن مشرعا بكرمه ودفئه ؛لأن في هذا خيرها وأمنها وإلا سترى من أمر سود الإيهاب عجبا.
(5)
أما الحقيقة الثالثة فمفادها أن عصرا جديدا من العلاقات الدولية لدول منبع ومجرى نهر النيل جاري بلورته وترتيب شروطه، ارتضت مصر ذلك، أو رغم أنفها، فالتاريخ لا يعود للوراء وآلة الزمان من المستحيل إيقافها وهذه الورقة المهمة التي يحتفظ بها شعب السودان ولا يحبذ اللعب بها لمصلحته فقط دون أشقائه في مصر حاضرة دوما وقادرة على قلب موازين القوة في أي لحظة خاصة إذا ما رأت "المحروسة" أن تسير بعلاقتها مع السودان على نفس النهج الأعوج الذي اعتادته طوال القرن الماضي بالنظر لمصالحها فقط دون مصالح السودان وشعبه.   
(6)
والحقيقة الرابعة والتي هي حجر في فم كل من يتطاول بالحديث الأجوف عن أيادي مصر البيضاء في السودان فالتاريخ المعاصر يضع في أعين من لا يستحي من هؤلاء "حصوة ملح" عله يفيق من سكرته ويثوب لرشده ليرى بعين الإنصاف أن شعب السودان قد ارتضى مخيرا غير مجبر أن يتنازل في ستينيات القرن الماضي عن قطعة أرض عزيزة وغنية بثرواتها وكنوزها الحضارية في أقصى شماله تدعى "وأدي حلفا" لتنعم مصر وشعبها بالكهرباء والماء والتنمية والرخاء الذي وفره لها بناء السد العالي الذي غمر حضارات منطقة النوبة السودانية وأضاع على شعبها موردا اقتصاديا هاما من السياحة دون أن تقدم مصر لمواطن تلك الأرض شيئا سوى جرح التهجير القسري وحسرة البعد عن الوطن وذكرى السلف والأجداد ثم يأتي اليوم من يحدثنا بكل وقاحة عن أيادي مصر!! آتوني بربكم شعبا في العالم أجمع قدم تضحية بحجم تضحية نوبة السودان من أجل عيون شعب آخر؟؟ فماذا كان  جزاء الإحسان؟؟ مصر اليوم تنازع السودان أرضه وتشتم وسائل إعلامها بلا حياء شعبه!!
(7)
والحقيقة الأخيرة التي يراها الأعمى من شدة جلائها هي أن مصر تعاني من انفجار سكاني فظيع وتناقص في الأراضي الصالحة للزراعة مريع سيتبعه شح في مناسيب المياه الواصلة إليها عبر شريان الحياة الوحيد المتوفر على أراضيها الصحراوية ؛ خاصة إن لم تستطيع أن تدير بحكمة وبعيد عن سياسة الصوت العالي و"العنطزة" الفارغة هذا الملف مع دول حوض النيل مجتمعة وعلى رأس هذه الدول السودان الذي يتمتع بالإضافة لمياه النيل لمخزون استراتيجي هائل من المياه الجوفية والأمطار الغزيرة التي تجعل من أراضيه الشاسعة الأكثر خصبا في المنطقة خاصة وهي سهلية تنعدم فيها الموانع تحاكي البراري الكندية خصوبة وتفوقها جودة في التربة.
(8)
لقد آن الأوان لمصر أن تعيد الحسابات في شكل علاقتها بالسودان وشعبه فلم تعد سياسة نكران الجميل التي طبعت هذه العلاقة مقبولة ،وعليها عدم الركون لضعف النظام الحالي والاستمرار في سياسة ابتزازه، فهي سياسة قصيرة النظر تضر بمصالح المواطن السوداني وتستفزه ،وتطيل من عمر النظام الفاشل الذي قرر شعب السودان عدم صلاحيته منذ أمد، ويعمل بجد من أجل الثورة عليه والتخلص منه في أقرب وقت، وذاك ليس بعسير على شعب تمرس على الثورات الشعبية، وأزال من قبل نظامين عسكريين في أكتوبر 1964م وأبريل 1985م، بينما كانت جميع دول المنطقة بما فيها مصر "المحروسة" تنام وادعة في حضن الاستبداد.
(9)
على عقلاء مصر التفكير الجاد اليوم بعيدا عن خطل العقلية الخديوية، وسياسة "خذوهم بالصوت" الساذجة، في تثبيت علاقة إستراتجية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشركة مع شعب السودان، فذاك هو الأنفع لمصر وشعبها وهو ما يجب أن يكون الشغل الشاغل للإعلام المصري إن أراد أن يكون إعلاما راشدا يعمل لخير بلاده، وليس خطاب الردح والاستخفاف الممارس اليوم والذي لن يعود على بلادهم بأي نفع يذكر.
(10)
ولا شك في أن لتأسيس علاقة مثلى مع السودان هناك استحقاقات يجب على مصر الإيفاء بها إثباتا لمصداقية التوجه بعد عقود طويلة من فقدان الثقة، وأهم هذه الاستحقاقات على الإطلاق هو الجلاء وبلا شروط عن الأراضي السودانية المغتصبة كافة، والتوقف عن التدخل في الشأن السوداني الداخلي، ونبذ فكرة أن السودان الحديقة الخلفية لمصر. كما يفترض أيضا وفي هذا الإطار تغير أسلوب التعاطي الإعلامي مع السودان، والبعد عن التنميط الساذج للشخصية السودانية في الصور المسخ المتداولة إعلاميا، وتعمل على تغذية العقل الجمعي والوجدان المصري بروح الاستعلاء الفارغ.
** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.

تيسير حسن إدريس16/01/2014م   



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////