عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(1)
أغلبيةُ الدول الإفريقية المجاورة لدولة الجنوب اليوم في سعيٍ حثيثٍ ومحموم من أجل احتواء الصراع الطاحن، الذي اندلع بين النخبة السياسية الحاكمة في جوبا؛ عدا السودان الذي اكتفى نظامه ببضع تصريحات وبيانات فطيرة، تتضمن دعوة خجولة لطرفي الصراع بضرورة التعقل ونزع فتيل الأزمة، مقدما بهذا الموقف الهزيل أضعف ردة فعل، ومسجلا حالة من الغياب المخجل المذل. كأنما دولة الجنوب التي يدور على أراضيها الصراع الدامي تقع على كوكب آخر، ولم تك قبيل عامين فقط جزءً من أرض الوطن الكبير، وشعبها الكريم قطاع عزيز من شعب السودان؛ دع عنك روابط الدم والتاريخ المشترك، ودع عنك أيضا اشتراك الدولتين في أطول خط تماس حدودي عامر بالقبائل المتصاهرة ذات المصالح المتبادلة والمتشابكة.

(2)
وفي حين لم تتوان دولة يوغندا بدفع بجيشها مباشرة لاتون الصراع، سارع رئيسا وزراء كل من أثيوبيا وكينيا بالحضور شخصيا والاجتماع بالفرقاء، والاجتهاد في احتواء تداعيات الأحداث، كل ذلك ونظام الهناء الإنقاذي في سبات أهل الكهف، يرقب وينتظر، بينما كرة لهب التداعيات في الدولة الوليدة التي تغذي خزانته العامة بالمورد الوحيد، الذي يرفد موازنتها العاجزة، قد بدأت في التدحرج، رامية بشررها وشرها على قيمة العملة الوطنية، وسعر صرف الدولار، مشعلة أسعار السلع الاستهلاكية في الأسواق، ولا حياة لمن تنادى. كأنما دولة جنوب السودان الوليدة التي انفصلت قد جمعت فجأة أطرافها وارتحلت من جواره إلى عوالم أخر غير التي نعيش فيها.

(3)
ولغياب نظام الخرطوم -المذل الذي أدهش العالم- أسباب قوية، طالما حذر منها عقلاء السودان عبر دعوات النصح المتكررة له بضرورة الانتقال من سياسة المكايدات الصبيانية -التي شابت العلاقة بين النخبة الحاكمة في الدولتين بعد الانفصال- بالعمل الجاد على إرساء دعائم علاقة وطيدة، قائمة على التعاون المثمر، والاحترام المتبادل، والابتعاد عن سياسة دس الأنف في الشؤون الداخلية لبعضهما البعض. فما يربط الدولتين من علاقات تاريخية بالإضافة لروابط الدم والمصير المشترك، وتشابك المصالح الاقتصادية أكبر من أن ينفيه انفصال سياسي، أو أي حالة من حالات التنافر الفوقي، والشعوب وحدها هي من تقرر طبيعة العلاقات بينها، وهي خير من يعلم مكامن المصالح المشتركة، وأول من يتأثر ويصطلي بنار السياسات الرعناء التي تقترفها نظم الحكم غير الرشيد. 

(4)
فمن المنطقي أن ترتبط الدول التي كانت موحدة وانفصلت بعلاقات وروابط أقوى من علاقتها وروابطها بالدول الأخرى، والوحدة التي انفصمت عراها لأسباب واهية لا علاقة لها بالشعوب، كون أنها صنيعة أطماع النخب الحاكمة ،لابد أنها كانت قائمةً على قواسم مشتركة كثيرة، تجعل الدولتين الجارتين أكثر قربا وأكثر تفاهما وفهما لبعضهما البعض. والطبيعي إذا ما كان هذا هو واقع الحال أن يكون الثقة متوافرة بين الأقربين، ويكون السودان هو الدولة الأولى المؤهلة للقيام بمبادرة لرأب الصدع، وفض النزاع بين الإخوة، ولكن ماذا نقول؟ و"زيدنا الإنقاذي أظرط من أخيه الشعبي" وكلاهما أحمق لا يرى أبعد من أرنبة أنفه.

(5)
وإذا كانت دولة مصر التي لم تتحد مع شعوب السودان إلا لمدة نصف قرن فقط، تحت الحكم الثنائي (1899 – 1956م) استشعرت مسؤوليتها التاريخية والأخلاقية تجاه جنوب السودان وأهله، وبادرت رغم معاناتها ومشاكلها الداخلية بإرسال معونات عاجلة للمناطق المتأثرة بالصراع، فما بال الخرطوم التي عاشت وجوبا كدولة واحدة موحدة لأكثر من قرنين، تتقاعس عن القيام بإصلاح ذات البين بين الإخوة. وهو دور المنوط بها أخلاقيا المبادرة إليه أسرع من غيرها، فتعجز وسط اندهاش الجميع عن تقديم مبادرة لحل الأزمة، وتتجاهل حتى القيام بإرسال معونات للمتضررين، ورئيسها قد دأب على إرسال الهدايا والعطايا دونما سبب لدول هي أغني من السودان، وأقل فقرا بمراحل من دولة الجنوب التي يعيش فيها ذَوُو القربى وهم أولى بالمعروف.

(6)
لا زال دهاقنة نظام "الإنقاذ" من فرط العجز يرون أن إثبات النجاح يكمن في فشل الآخر، وهذه قاعدة الحائر ودأب العاجز عن تقديم الفعل، وهذه القاعدة الخربة هي ما تدفعهم اليوم للجلوس في هدوء متمنيا زوال وتفكك دولة الجنوب، ليقولوا من بعد للعالم نحن الأنجح وهم الأخسرون أعمالا! ؛ وذاك لعمري خطل يشوبه هبل لم يعرف له تاريخ السياسة من مثيل. فالفراغ الذي لا تعترف به السياسة -والذي خلفته الخرطوم بعجزها عن تقديم وتسويق نفسها كوسيط نزيهة ومقبول لدى طرفي النزاع الجنوبي- سارعت دول أخرى مثل أثيوبيا وكينيا بشغله، تاركة نظام الخرطوم يغوص في وحل الغياب المذل، يتمني الأماني الخرقاء مكتفيا بتصريحات رجالاته الخائبة من رعاة "غنم إبليس" عن "دور إسرائيل في إشعال نار الفتنة".  

(7)
وحده سودان "الإنقاذ" يضرب في التيه وينتظر ما ستسفر عنه الأيام، رغم أنه المتضرر الأكبر من اندلاع الصراع؛ وجميع الخبراء السياسيين والمحللين الاقتصاديين قد أجمعوا على أن عدم استقرار دولة الجنوب سيكون له آثار مدمرة على اقتصاده، ولكن لا حياة لمن تنادى، فالنظام الحاكم في الخرطوم معزول، وأضعف من أن يحل أزماته، دع أن يلعب دورا في حلحلت أزمة اندلعت في دولة كانت بالأمس جزء من أراضيه. والقوى المعارضة بأحزابها وتنظيماتها أيضا ليست بأحسن حالا من النظام وموقف منظمات المجتمع المدني والمبادرات الشعبية الحالمة بوحدة التراب الوطني، حدث ولا حرج لم تحرك ساكنا، ولم تستطيع اغتنام الفرصة لدعم الأماني السندسية في المخيلة الوطنية بعمل ايجابي، ينقل المنى من دائرة الوهم لأرض الواقع، ويترجم قول إننا شعب واحد لعمل يغيث إنسان الجنوب الملهوف. أوليس خياركم خياركم لأهله يا عشاق طق الحنك، والحديث المجاني، أم أنه لم يعد من بيننا رجل رشيد؟. 

(8)
ألا رحم الله قادة ورجالات سودان العزة من أمثال السيد محمد أحمد محجوب، والذي تمكن في عام النكسة أن يحل أكبر أزمة إقليمية وعربية اندلعت بين مصر والسعودية، حينما جمع خلال انعقاد قمة "اللاءات الثلاثة" في صالون بيته أقوى زعيمين عربيين هما الملك فيصل والزعيم جمال عبد الناصر رحمة الله عليهما، وأقنعهما بضرورة نزع فتيل الأزمة بين دولتيهما والتصافي. وقد ساعدت هذه الخطوة المباركة وأسست للنصر الذي حققته الجيوش العربية على إسرائيل في حرب السادس من رمضان عام 1973م، وذلك عندما استخدم الملك فيصل النفط كسلاح قلب موازين المعركة.

(9)
أشعر بألمٍ وحزنٍ شديد على حال الوطن، وما آلت إليه الأمور، وأنا أرى مدى عجزنا عن مدِّ يد العون لإخوتنا في الجنوب؛ بينما الذاكرة تذكر بفخرٍ جهد قادة السودان الأكارم الزعيم الأزهري والمحجوب ورفاقهما، خلال القمة العربية التي انعقدت في الخرطوم مباشرة بعد النكسة عام 1967م، وحينها نجح القادة الأماجد في تضميد جراح الأمة، وإعادة الروح فيها وبث الأمل في نصر تحقق بالفعل بعد ست سنوات من ذاك التاريخ، وأسأل نفسي -التي مسها القرح- أَوَلَا يشعر شيوخ غفلتنا اليوم بما نشعر به من أسًى وحزنٍ على هذا التاريخ والمجد الوطني الذي أضاعوه أو لا يستحون؟! حسبي الله. 

** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون. 
تيسير حسن إدريس30/12/2013م