(نكوص وتقاعس النخب(1))
المبتدأ: -
• عفوا سادتي لن نمضي معكم في هذا طريق مجددا فهذه العملة مضروبة وغير قابلة للصرف والتداول!.
• المثقف العضوي هو الذي يناضل من أجل تغيير المجتمع والارتقاء به من خلال العمل الذهني الجاد وإنتاج العلوم والثقافة والفنون الواقعية.
والخبر: -

(1)
إلى حين الفراغ من كتابة المقال الأخير الذي قاربت فيه ما تناثر من أطروحات داعمة لفكرة (النضال الانتخابي)، كنت أعتقد أن ما طرح من قبل بعض النخب السودانية من أفكار حول ضرورة المشاركة في الانتخابات العامة العازم النظام قيامها في 2020م باعتبارها وسيلة من وسائل النضال المدني للخروج من نفق الأزمة الوطنية المخيمة، كنت أعتقد أنها مجرد أفكار حادبة، تنكب أصحابها الدرب، وضرب من ضروب التفاكر البريء خارج الصندوق، أو العصف الذهني المبرأ من الغرض، لكن يبدو أن أكمة المقاربات التي تواترت بكثافة وباضطراد تخفي أمرا لا نعلمه، وربما تشي بتبلور مشروع لا يريد صايغيه الكشف عن تفاصيله مرة واحدة تلافيا للصدمة، وقد اختاروا نهج التدرج وتهيئة التربة التي ينوى استزراعها بنبته التي قد يكون والله أعلم قد استزرعت في معامل صنع القرارات الدولية، ومراكز صياغة مصائر الشعوب المرتبطة بدوائر النظام العالمي، نسأل المولى التخفيف؛ وأن لا تكون هذه المخاوف والشكوك محتملة.

(2)
عموما ستظل هذه الهواجس تغض مضاجع كل حادب على مصلحة الوطن، في واقع بلوغ الازمة السودانية ذروتها وعدم وجود ضوء يلوح والفطنة تقتضي عدم إهمال كم الأطروحات الداعية المعارضة للمشاركة في عروض مسرح العبث الانتخابي خاصة وأن هذه الأطروحات قد تدفقت في تناسق وحماس بعد طول خمول وانصراف النخب عن الهم الوطني ، مما ينفي عنها فرضية المصادفة، كما وأن النظرة التحليلية البسيطة لخلاصاتها تقول: بأنها تمثل تيارا نخبويا، قد تبلور منسجما ومتوافقا على مشروع محدد، له أهداف، وكل ما تم ويتم في هذا السياق، وكل ما يبذل من جهد ويراق من مداد، لم يكون عفو الخاطر، وهناك إطار لأبد جامع لهبته، والذي يخشاه المعارض لمثل هذه المقاربة التي لا تصب في مصلحة شعبنا أن تتكامل أركان هذا التيار وينجح في (فرزعت) ما ظلت قوى التغيير تعمل على جمعه طوال ربع قرن، بعد أن بدأت ملامح (كتلته الحرجة) في التبلور، وبدأت ثماره في النضوج والإشارة لطريق الخلاص والانعتاق الذي اختارته الجماهير والذي أعادت هبة : يناير- فبراير 2018 وما نتج عنها من توقيع جميع قوى المعارضة على وثيقة "الخلاص الوطني" التأكيد عليه.

(3)
محاولات جر الشعب السوداني من جديد إلى المشاركة في انتخابات النظام بدواعي استحالة حدوث انتفاضة شعبية صدئت آلياتها، ونتف ريش أجنحتها، وعدم توفر أي خيار مقاومة واقعي آخر سوى صناديق الاقتراع هو تزييف مريع لوعي الشارع، ومحاولة بائسة لنسف محصلة تراكم الوعي الذي ظلت قوى التغيير تعمل جاهدة (بحرفة النمل) على مراكمته واستنهاضه من خلال جولات معاركها المتواصلة ضد نظام الاستبداد منذ استيلائه على مقاليد البلاد حتى اليوم، وهو في الحقيقة جرم لا يقل فداحة عن جرم تزييف الوعي والإرادة الشعبية الذي ظلت تمارسه تجمعات إعلامي نظام الاستبداد، وعلماء السلطان الناشطة، في محاولات تدجين الشارع السوداني مرة بالحق الإلهي، مستغلة الدين ومرة بالتخويف وخلق الفزاعات، حيث تلتقي وسائل الطرفين في هذه النقطة، ويتضح جليا مركز الالتقاء المؤسس على قاعدة رملية من الإحساس بالعجز، وقلة الحيلة.

(4)
وحتى لا يحمل البعض هذا المقال وزر التحامل، وانحرافات الأيدلوجيا؛ لنتأمل بحياد وروية مثلا واحدا فقط للمبررات التي ارتكزت عليها مقاربة الدعوة للمشاركة في انتخابات 2020م، ونحاول إن استطاع المرء منا أن يزدرد لقيماتها المغمسة في صهارة الحديد من عينة (رغم الحديث المتكرر عن عدم ملاءمة البيئة الحالية لإجراء انتخابات تعددية حقيقية مثل القوانين المقيدة للحريات وسيطرة المؤتمر الوطني على مفاصل الدولة؛ إلا أن عمليات التحول إلى تعددية برلمانية حقيقية من خلال الانتخابات وأقع أثبته ما حدث في كينيا وغانا وغامبيا والسنغال والفلبين)،!! فهل يمكن التسليم بمثل هذا الطرح وهل من المنطق أن يتلقى أي مواطن سوداني عايش نهج هذا النظام المستبد واكتوى بنار أكاذيبه مثل دعوة (الاستسلام بلا شروط) أهذه مستبشر ويهضم مكونها الخالي من دسم الواقعية؟؟!!.

(5)
أصحاب هذه الدعوة يدعون الشعب في وضح رابعة النهار للاستسلام لخدر الأحلام، ولا بأس إن كانت تلكم الأحلام قابلة للتحقق، وتتوافر إمكانية تنزيلها على أرض الواقع، فالأحلام ليست مكلفة، ولم تك في يوم من الأيام تساوي شرو نقير، ويكفي أن يضجع الفرد على صفحته ويهوم في الأمنيات والرغائب مطلقا العنان لبنات أفكاره؛ لتسرح وتمرح دون أن يكترث لمعاناة الجماهير أو يشعر وهو في برجه العاجي بوجع الشعب الذي بات يعاني شظف العيش، وتنهش جسده الجوع والأمراض، ويتهتك نسيجه الاجتماعي باضطراد مفزع، ينذر باندلاع يوم تغابن لا يبقي ولا يذر. إن نكوص النخب وتقاعسها عن القيام بواجباتها تجاه شعبها يمكن قبوله على مضض في الأزمنة المستقرة التي يتوفر فيها الشعب على الحد الادنى من الحياة الكريمة، ولكن في ظل مثل هذا الواقع الطاحن والمنذر بضياع الوطن وتشرذم البلاد يعتبر هذا النهج الغارق في عدم الواقعية عوز مبدئي وفكري فاضح.

(6)
يتجلى فشل النخب الاصلاحية السودانية في تلكم النظرة الدونية التي ظلت ترمق بها المواطن، وفي ذلك الاستخفاف غير المبرر بوعيه، وقدرته على الحكم على الأمور؛ لذا ظلت ترى ضرورة وضعه تحت مظلة وصايتها، وتمارس عليه نهج الأبوية المقيت، ولقصور نظرتها تلك وانعزالها غير الحميد عن إيقاع الشارع، ظلت تحكم على الأمور بمعايير عتيقة، عفا عنها الزمان، ورغم متغيرات العصر وانتشار مؤسسات التعليم واندياح المعرفة التي توفرها الوسائط الإلكترونية التي نقلت وعي المواطن نقلة نوعية، لم تستطيع تلك النخب استيعاب متغيرات ومستجدات الواقع السوداني، ولا تريد الاعتراف بعجزها عن مجاراتها، وعدم قدرتها على الإسهام في خلق وتأهيل قيادات شابة جديدة، تزاحمها على صدارة المشهد العام، وما فتئت تتشبث بمواقعها على الرغم من فقدانها لقوة الدفع الذاتية، وتصر على المكابرة عوضا عن الاعتراف الصريح بالهزيمة، ساعية للحفاظ على دورها، وماء وجهها بأي شكل، ولو كان في ذلك جرا للأجيال الجديدة، إلى نفس طريق الالتواء، وتأجيل حل القضايا المصيرية.

يتبع (نكوص وتقاعس النخب(2))

** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.
تيسير حسن إدريس 30/04/2018

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.