المبتدأ: -

تؤدي الآلهة وأنصاف الآلهة الأدوار الرئيسة في الأسطورة؛ فإذا ظهر الإنسان على مسرح الأحداث كان ظهوره مكمِّلاً لا رئيساً، وهنا تبدو المفارقة محزنة وغارقة في عجز أصحاب المراجعات من إسلاموي الحركة الإسلامية السودانية وهم يلجئون للأسطورة لتفسير أسباب الفشل والسقوط القيمي والسياسي؛ بل وقد استشكل عليهم فهم أسباب تبخر الحلم بات البعض يستدعيها للتبشير بالخلاص من واقع الهزيمة على يد ظلال الله من (خلايا) الصادقين (النائمة)!!! ولا أدرى كيف يتثنى لـ(صادق) أن ينام كل هذا الوقت في ظل هذا الكابوس المخيم على الوطن؟!.
والخبر: -

(1)
انتهى جهد معظم مراجعات من تنصل عن مشروع السلطة الإسلاموية الحالي من أفراد وتيارات أسهمت في وضع أسسه الفكرية وبرامجه العملية للأسف إلى مجرد هلام غير محدد المعالم تؤطره أشواق مشوشة، وتحشو متنه أماني ورغائب مستحيلة لا دسم ولا زبدة يمكن جمعها من خَفِق مستحلب عصارته؛ وقد سبق لنا الإشارة من قبل في العديد من المقالات التي استنطقت بعض هذه المراجعات إلى أن أزمتها كامنة في الإصرار على القفز فوق أصل العلة لملامسة النتائج (تقية) مما أدى لسقوطها في فخ (أيدلوجيا الميتافيزيق) المحاطة بما لا قبل على مواجهته من (تابوهات) النصوص التي اكتسبت قداسة زائفة في ظل وعيٍ زائف؛ وهذا مأزق أيدولوجيا المثال الذي يخضعها لابتزاز وسطوة المرجعيات النصية التي تصبغ تجارب السلف بالقداسة وتغلفها في أحيان كثيرة حماية لهذه القدسية بالمحرماتٍ وتجعل أمر مقاربة النصوص المقدسة، والتجارب ومحاولة تفسيرهما عصريا خطيئة كبرى وفعلا شيطاني يستوجب الاِستِتابة.

(2)
لذا نجد أن المراجعات التي تمت للمشروع الإسلاموي السوداني ومشروع الدولة الدينية حتى اليوم قد اكتفت جلها بنقد ومحاكمة النتائج وتنزيهه الأسس الفكرية التي أنتجت بؤس السياسات المعلولة المنتقدة!!، وهذا من حيث المبدأ نفاق فكري لن يفضي لأي اختراق أو يقود لأي فتح فكروي يعتد به لتأسيس مشروع مُتنزِّه عن خطل وعلل المشروع الذي دق عنقه على مضمار الانتقال من يوتوبيا الشعار المعلق بأستار الحلم إلى واقع التنفيذ على الأرض، لقد كان من الأجدر بسالكي دروب المراجعات تحرير العقل النقدي أولا من محبس المتصور الميتافيزيقي الذي يحد من حرية انطلاق الفكر، ويكبل العقل ويطرحه أسيرا مزدوجي المسلمات النصية، ويقعد به عن سبر غور الظواهر والولوج في صلب لبها المادي المجرد من أوهام أيدولوجيا الغيب لتظل تلك المراجعات تتخبط منطقا في شعاب الرغائب وأوهام الترقيع، والإصلاح لمشروع ولد ميتا عندما لم يراعِ مستنسخوه ملاءمته لشروط واقع الرحم السوداني الذي زرع فيه عنوة وأرهق بحمله المشوه.

(3)
يصعب على المرء تجاهل حجم الكبد النفسي والإحباط الملازم لأصاحب تلك المرافعات الخجولة، وهم يمضون في لجاجها الجماهيري المكشوف، فما أقسى أن ترى بأم عينك تمرَّغَ أنف حلمك المقدس في رَّغام الفشل، هذا أمر مزلزل وجلل يستوجب من المرء إن أراد الانعتاق من الغيبوبة قدح العقل، والتشبث بدعائم المنطق السوي، والحد من جارفة العواطف، وأكثر ما لا يحتاجه –وهو في عين العاصفة- أن يواصل التعلق بأهداب الحلم الذي بخرته شمس واقع الممارسة العملية؛ فالإصرار على البحث عن حلول لمعضلات الحاضر في أضابير تاريخ ماضوي، ولو كان موثوقَ المصادر، يلقي بصاحبه في دوائر ارتدادات زلزلة المحنة، ويقوده مغشي البصر والبصيرة لكهف انتظار المعجزات وترقب عودة المنقذ الغائب من دهاليز غيبته التاريخية حاملا في جعبته ترياق معالجة علل مشروع الحاضر، ومنقذا لمستقبل الجماعة المختارة وفق العناية الإلهية من شماتة الأعداء ،وتربص القضاء، وعدالة القصاص، أيُّ وهمٍ وأيُّ ساذجة هذه!!.

(4)
هي الرغائب والعاطفة أذن قد حيدت العقل النقدي، وجعلت جهد تلك المراجعات سراباً بقيعة، وعوضا عن خروج أصحابها من دوامة ارتدادات الزلزلة ها هي تلفهم بعصفها وتطرحهم صرعى وهم التصورات الخيالية التي تنهض في العقل الغيبي في صور شتى تغذيها أساطير الماورائيات، كاشفة عن ساقها في شكل (خلايا نائمة) تستيقظ بعد (خراب سوبا)، وتهبط من كهف غفوتها الأبدية لتمارس فعل الإيجاب المطلق.

(5)
الإيغال في نهج التفكير الرغائبي يعد من أمراض التوهم إلا أنه كأسلوب تفكير ليس صنيعة الوهم المطلق وحده؛ بل وليد معرفة معلولة، ووعي زائف متحصل من جماع فنتازيا أساطير الأولين، فـ(الخلية النائمة) نجد جذرها عند الطائفة الشيعية في تصور (الإمام الغائب)، وهي في نهاية الأمر بعث لوقائع تاريخية غائمة استشكل شرحها منطقا وعقلا، فلجأ التابعون لتفسيرها عاطفة على قياس ما تواتر في مرويات السلف، وإن لم تتوفر دلائل قوية على صحتها، هذه العقلية تعاني عجزاً إبستمولوجياً يحد من فهمها لجوهر المعرفة، وطبيعتها وطبيعة مصادرها الحقيقية.

(6)
والباحث عن مصادر معرفة جماعات الإسلام السياسي على اختلاف تياراتها يصاب بالدهشة، وهو يتلمس ضيق وحصرية منابعها الفكرية، وضحالة أدوات بحثها المنهجية، ويستغرب كيف للفرد المؤمن الباحث عن الحقيقة أن يطمئن لهذه المناهج، وكيف يضمن سلامة تحصيله المعرفي، بل كيف يمكن أن يتسم برجاحة التفكير والقدرة على تحليل الواقع والخلوص لنتائج منطقية، وهو في ذاته نتاج معرفة تلقينيه داجنة؛ تخاصم مناهج التحليل المادي التي عبرها يستطيع الفرد إدراك بعض اليقين.

(7)
الإيمان الحق للفرد قائما على المعرفة، وطرق امتلاك المعرفة الحقيقية أعمق وأشمل من نهج الانكفاء والحصرية، وأبعد من روح التربية التلقينية التي تزعزع إيمان الإنسان في قدراته حين تخص قلة من العقول -التي خلقها الله متساوية-بـ(التفكير) وتلزم الغالبية بـ(الاتباع) الأعمى ولو ظلوا طوال العمر نهباً لهواجس الشك وعدم اليقين.

(8)
واقع الكدح الفكروي الإسلاموي السودانوي الحالي ينطلق من أجواء كئيبة ومناخ إحباط شديد الوطأة على أصحابه، وهم يتجرعون مرارةَ سقوط المشروع الذي أفنى البعض العمرَ في التأسيس له والدفاع عنه، فإذا بمحصلة مخرجاته بعد أكثر من ربع قرنٍ من الممارسة تتسبب في دمار وطني شاملٍ، وغير مسبوق، رَاكَمَ من غضب الشعبِ السوداني على التجربة، وهز قناعاته في جدوي وصلاحية الدولة الدينية وقد اسهم النظام الباغي الذي اوكل اليه أمر التنفيذ بحمق وسوء سياساته إلى تأكيد عدم الجدوى والصلاحية تلك وأدَّى بطشه المفرط مع معارضيه، وسفه لغة خطاب قياداته لتراكم الغبن الاجتماعي، وضيَّق مساحة العفو في وجدان إنسان السودان المتسامح.

(9)
هذا الواقع دون شك قد وضع منسوبي الجماعة وسدنة مشروعها في دوامة كوابيس فزع عظيم وخوف مقيم من انتقام الخصوم حال زول سلطانهم، وقد سيطرت هذه المخاوف واستلبت العقل الجمعي لتيارات الإسلام السياسي، المدركة لفداحة الذنب، وفظاعة ما ارتكب من جُرم وأثم شاركوا فيها جميعا بدرجات متفاوتة ضد معارضي مشروع الدولة الثيوقراطية، لذلك أخفقت جميع تجارب تحالفات بعضهم الهشة التي عقدوها ذات صحوة ضمير مع قوى التغيير.

(10)
لقد وغر في صدر منسوبي الحركة الإسلامية قناعة راسخة بأن الانتقام والقصاص القادم لا محال، لن يميز وإن معارضيهم الذين اكتوى بنيران بطشهم الفاجر سيصبون جَامَ غضبهم على رأس جمعهم دون فرزٍ، وهذا تفكير ساذجٌ فرضه الخوفُ الذي يغشي الأبصارَ، ويعمي البصائرَ؛ لذا ترى حتى النفر القليل من معتزلة المشروع الإسلاموي الذين قفزوا من سفينته عاجزين حتى اليوم عن السمو فوق تلك المخاوف، والاندماج الفعلي في الحراك الهادف لإسقاط النظام. لا زالوا (يقدموا رجلا ويؤخروا أخرى) ويعيدوا اجترار مراجعات صورية مفرغة من أي نزعة تغيير راديكالية، تراوح بين مزدوجي (التلتيق) و(الإصلاح) الشكلي الذي تجاوزته الأحداث.

(11)
إن لم يتخلص معتزلة المشروع (الحضاري) من مشاعر الفزع المطبق من المحاسبة ويخلعوا (درع القنفذ) المطبق على أنفاس البصيرة النقدية؛ لتتحرر من الأوهام وتخبرهم بأن القوى المعارضة واعية بأهداف نضالها النبيل ولا تحركها الضغائن أو الثارات؛ وهي تسعى بعقل مفتوح، ورشد سياسي لتخليص الوطن من براثن الظلم، وإرساء دعائم دولة العدل والقانون، وتعي أهمية المحافظة على هياكل الدولة السودانية، وسلامة أفراد شعبها؛ لن يتمكنوا من تقديم أطروحة فكرية جادة ذات قيمة، وستظل مراجعاتهم تتنكب منافذ الطوارئ ، وتضيع الوقت سدى في انتظار وهم استيقاظ (الخلية النائمة)، وغيرها من الأساطير، حتى إذا ما سبق السيف العذل وهم فيما هم فيه، وعليه اليوم، فقد يوضع بالفعل كل البيض وعلى تفاوت فساده في سلة واحدة، ليلقي به الشعب في مزبلة التاريخ.

(12)
لخروج هؤلاء من دوامة المخاوف المسيطرة يكفي أن يسأل جمعهم النفس، ويجيب بصدق ودون أوهام عن الأسباب التي تمنع الأحزاب المعارضة التي أرهقها بطش السلطة الطويل، وتتحفظ أجهزتها الأمنية حاليا على قياداتها في المعتقلات (كرهائن باعتراف مدير الجهاز) من أن تبادل عنف السلطة بعنف مضاد، وتنتقل من المقاومة السلمية لطرق أخرى تتقنها، وليست عاجزة عنها ولا يعوز كادرها المصادم الشجاعة؟؟!! والاجابة المنطقية الوحيدة هي وعي تلك الأحزاب بخطورة تعقيدات وهشاشة الوضع الأمني في ظل مدن وارياف باتت متخمة بشتى أنواع الأسلحة والعتاد المنفلت نتيجة لسياسات النظام الطائشة؛ أن رشد والتزامات أحزاب المعارضة الأخلاقية والسياسية وإحساسها بعظم مسؤوليتها تجاه توفير الحماية للشعب وجماهيرها، وعدم تعريضهم لمزيد من الماسي والمحن على يد نظام غير مسؤول، هو المانع الحقيقي، وليس العجز كما يروج (الإخوان) ومن يفهم غير هذا هو أحمق ناقص عقل ووطنية دون ريب.

(13)
من واجبنا كأحزاب سياسية وتيارات فكرية وقوي شبابية معارضة ترنو للتغيير وانتشال الوطن من وهدته، أن نطمئن المجموعات التي فارقت نهج السلطة الفاسدة ومشروعها الساقط، ونوضح لهم بأن لن يؤخذ أحد بجريرة آخر، وأن القضاء السوداني النزيه وحده هو من سيحدد حجم الجرم والمجرم، وهو من سيقتص ويسترد حقوق الضحايا، وهذه إحدى أهداف حراك التغيير الرئيسة.

(14)
من المجدي لكي تتكامل حلقات الحراك الثوري أن تظل أبواب المشاركة في تحمل المسؤولية الوطنية الثقيلة مشرعة في وجه جميع المخلصين لقضية التغيير؛ فإعادة التوازن والاستقرار للدولة السودانية ونسيجها الاجتماعي، مسؤولية كل سوداني وطني غيور وعلى جماعات الإسلام السياسي التي تدعي كفرها بنهجها القديم، وتريد المساهمة في التغيير أن تخرج أولا من (درع القنفذ)، وتعمل أكثر من غيرها لاستعادة الديمقراطية، ولو من باب التكفير عن الذنب والمحافظة على الوجود مستقبلا.

(15)
كما إن من واجب النخب الفكرية الإسلاموية تقديم مراجعات حقيقية، تتقاطع مع ثوابت المشروع الساقط، وتمضي في أَعْلَى مبدأ الولاء للوطن والشعب عمليا، وتغادر محطة التبرير والتشهي والرغائب، وتركل نهج الانحياز الصوري للحق بلسان جهور يتكسب العامة، وفعلٌ يتكسب الجماعة، فهذا النهج الانتهازي لم يعد مجدي، ولن يؤخر قدر زوال هذا النظام المحتوم. ولن يستطيعوا بالطبع اقناع الجماهير بصدق توجهاتهم الجديدة بسهولة -فالنفوس مترعة بالآلام التجربة القاسية-ولن يستطيعوا كذلك الانحياز الحقيقي لحراك التغيير بحدب وجد ما لم يحبون (السودان وأهله) بأكثر من حبهم (لقيصر وسلطته).

** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.

تيسير حسن إدريس 17/03/2018


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.