أن يلطخ الناس جباههم بالرمل الذهبي الناعم، كنت أحسبه أجمل طقس من طقوس العيد، وهم مقبلين للقرية، من كل فج، بشرى به، بعد صلاة العيد الجماعية، تحت الشجرة البعيدة عن دارنا، قرب النيل.

أمشي مثل معزتنا، على أربع، عمري دون الثالثة، ولكن حين اشتد عودي، وصرت ذو سبع سنين، قربت الشجرة من الدار كثيرا، كما صار النيل على مرمى حجر من كفي، كل شئ يدنو من بيتنا الطيني، حتى الموج والظلال والنجوم، من أفشى لها السر، أن بيتنا قلب المجرة؟.

تحت شجرة الجميز، التي تمد غصونها حبا، لاقصى مدى، فضل من الله، الذي سخر الشمس والقمر والشجر والموز، بنية خضراء، كي تظلل القرية كلها، على ضفاف النيل الازرق، نصلي على الرمل، تتزخرف كل الجباه، بسعد القرب من الله، بالرمل الذهبي، في الركعة الأولى، وفي الركعة الثانية، وقد نز العرق، بالشمس الوليدة، المبتهجة أكثر منا، يزيد وشم الرمل على جباه البنات والأطفال والجدات والرجال.

حسبته في طفولتي طقسا، من طقوس صلاة العيد، وأنا أتلفت أثناء الصلاة، لأخوالي وأهلي، على مدى الصفوف الطويلة حولي، ولا استطيع السجود، فجيبي ملئ بالحلوى، والبلح، و"طرادة، وسبع وثلاثين قرش"، محشورة فيه، جيبي منتفخ، كخد سعيد، مكور ببرتقالة بين ضروسه، (أحسبها كل دقيقة من يأمن مكر محاسن؟)، ولا محال ستهوي ثروتي، إن سجدت، وتختفها أختي، طريدتي محاسن، وتفر كالصقر، فهل أقطع صلاتي، واركض خلفها؟ فكنت أكتفي بالركوع فقط، وبحرص عظيم على جيبي، كم حكيم هو الخياط، أن وضع الجيب لصق القلب، في جلبابي، نبضي يهدهد الجيب، كي يغريه بشراء ما أريد ويرغب.

رسخ في قلبي الصغير، أن العيد هو جردل الخبيز، فوق دولاب أمي، وأن تلبس الجديد، بمكوة المصنع، وتتوضأ، وتزخرف جبهتك برمل ذهبي ناعم، من الخلاء في الجنوب الشرقي للقرية، أسعدني ذلك، لأن جدتي لن تستطيع أن تعيرني مرة أخرى، حين اتسخ، بالرمل والطين، كلنا أطفال في العيد، الرمل يعلو الحاجب، رغم أنف حلم العين، التي لن تعلوه، أبدا.

اكتم ضحكتي، "الخشوع وااااجب في الصلاة"، حين أنظر خلفي لجدتي، وأجدها دون كل المصلين، رسمت خطوط بالرمل على جبهتها، تحاكي موج النيل قربنا، وتركت الحفر بين التجاعيد فارغة، مثل فؤاد أم موسى، كم تعددت رسومات الرمل على الجباه، كالغيم فوق السماء، وكي لا افسد مراسم العيد، وقد حرمت جبهتي من السجود، خوفا على ثروتي، كنت أمد يدي، واقبض حفنة رمل، وأدعك بها جبهتي، وشم العيد.

ما نخلعه، من ملابس رثة، كي نرتدي ثياب العيد الجديدة، هي ملابس العيد الفائت، خير خلف، لخير سلف، زهاد كالنبي، عليه السلام، وسقراط (ما أكثر الاشياء التي لا نحتاجها)، ولو تركوني وشأني، فأجمل قميص لبسته في حياتي، هو جلدي، لكنهم يتدخلون في كل شئ في حياتي، حتى شكل أنفي، وملمس شعري، فرضته علي جيناتهم.

أشم رائحة القطن، وكي المصنع، وكثيرا ما يطعنني دبوس في جسمي النحيف، لأني عجول في لبس ملابسي، لا أقوى على الصبر مطلقا، مطلقا، قبل إفراد القميص واستخراج الدبابيس، التي تلوي أكمام قميصي الجديد، على ظهره، مثل سجين خطير، مقيده يديه خلفه.

كثيرا ما يناديني أخي الأكبر، وأنا أركب الدراجة، (مزلط الركب، مغبر الثياب) وقد أبت أن تمضي مستقيمة، لأني أقسمت لصاحب الدراجات بأني أجيد سواقة الدراجة (أظنني من أنصار افلاطون، العلم كامن في النفس)، فتهوي بي ذات اليمين، وذات الشمال في كل متر أعبره، (أظنني نسيت السواقة، كما ينسى احدنا أمور كثيرة يعرفها)، إن لم أبرر لنفسي، فلمن؟ اقترب من أخي، يقفز جانبا، كدت أصدمه، كي يستخرج قصديرة من (لياقتي)، كانت تشدها للأعلى، كي تستدرج الشاري، بأن "اللياقة قوية"، وهي ألين من ماء، وهو يهمهم "العجلة من الشيطان"، أخطف القصديرة، تشبه الهلال، وبها ثقوب مثل أفلام السينما، ألعب بها كسلاح، أهدد به أختي، واحرس ثروتي.

الويل لأمي ان وصلت ملابسي الجديدة قبيل العيد بيوم، كل ثانية اسألها "متى يأتي العيد؟"، فترد بكرة، أن شاء الله، لا احب ان شاء الله هذه ابدا، أحسها كذبة، اريدها ان تقول "سيأتي بكرة"، لان الله بمقدوره أن لا يشاء، وبمقدوره أن يتأخر العيد بما لا اضيق، تتوالى اسئلة، متى؟ لم تأخر؟ هل جرى له شئ؟، أحس العيد تأخر قرنا ثم اغضب من العيد، لم يتأخر؟ ألم يعلم بأن ملابسي وصلت؟ وبأني أتوق أن ألبسها من أجلي، له؟ كنت اتصور العيد كائنا حيا، كنت مثل الشعراء العظام، أحس واتخيل أي شئ كائن حي، العيد، ورمضان، كلها كائنات حية، جميلة. يحال غضبي للعيد، أشتمه "أنت متأخر مالك؟"، أخاطبه، وأحسه يركب حمارة كسلاااانة، تقدم رجل وتأخر أخرى، فار غضبي، وقلت لأمي بصرامة، وبوز ممدوووود (العيد جااااااء)، وقف العيد قربي، في قلب الليل.

حين تشرق شمس العيد، تتعجب من فتى صغير، عاش عيده قبيل الناس، ينام بملابس العيد، وحذائه معه، ولعابه بلل جيبه، وحجره، ومن عجب يسير كل يومه حاف، وفي نومه لبس الحذاء، من يامن الأحلام؟ قد تخلق شوكا في كل مكان، فقد ألبستني لهم أمي ليلا، وكفى الله المؤمنين شر القتال، والعناد.

تساهر القرية، كلها، في الكنس، والرش، والغسيل، وأنوار فوانيس الترزية (الخياطين)، في سهر مع النجوم، فوزية، حسن ود أحمد، أمنة بت حواء، تساهر فوانيسهم حتى الصبح، و"رتينة" حسن تبدو كشمس صغيرة، تتعجب منها الاغنام، والقطط، شمس في منتصف الليل؟ هل قامت القيامة؟ ويتعجب الدجاج لم طال النهار؟ وهي التي تنوم عند الغروب، متعبة، من صحو الفجر، وحوامة عن رزق وقمح، تجري هنا، وهناك، برسن حدسها، الذي لا يخيب، في نواحي البيت الكبير، كل بيوت أخوالي وأعمامي، بيتنا، تتلاصق كالكتف والرقبة والصدر، والدجاجة تعرفها كلها، رغم ان دروبها تتلوى أكثر من الامعاء الدقيقة.
(أين العيد؟ كنت ابحث عنه بين أهلي، والبيوت النظيفة، والحيشان، أين العيد؟)
لم يكن العيد، سوى وجه امي، وقلبها، عيد أبدي في الدار، أمي قلب البيت، وبيتنا قلب المجرة، حنان أمي أفشى السر، لا محال، في الأصقاع التي حتى الخيال لا يطالها، إن بيتنا الصغير، الطيني، البسيط، المغمور، هو قلب المجرة، فألتصقت به، كعتود، لصق أمه...

ما اسعدني، العيد في الدار، لا يفارقها، العيد الأحلى، الأسمر، أمي، عيد دائم، عيد حولنا، وفينا، لم تكن بالقرية كهرباء، نور وجه أمي يضئ في سابع الظلمات، ما اكثر الاشياء التي لا نحتاجها، على نوره أحصى ثروتي، كل ساعة، جيب منتفخ بالقروش، ومصيرها المحتوم، ما سيكون من سعد، ومن نبق، وحلوى، وتمر، وحلاوة لكوم، وركوب الدراجة الوحيدة في القرية، وما جوارها من قرى.
ملاحظات:
حلاوة لكوم، حلاوة شعبية، تصنع من النشاء والفراولة والسكر، وتغطى كلها بسكر ناعم، مطحون "تترك اثارها على الشفاة السعيدة"، كي لاننكر لاقراننا التهاهما"..
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.