حوار مع مهند الدابي:
من هو الروائي؟
(الجزء الثالث من الحوار).


لم كتبت آلام ظهر حادة:

(أنا زوج حذاء رجالي، مقاس 42. مشكلتي بدأت مساء الأحد الموافق الأول من ابريل1987 أي قبل ثلاثة أعوام، كنت قبل هذا التاريخ، ممتلئ الوجنات، ولين البطن والظهر، وتمشط شعري سيور جميلة، واقطن فترينة هادئة، في شارع الجمهورية، يحرسني زجاج قوي مصقول من فضول بني آدم وتوقهم لاسترقاقي،  ولمس جسمي الناعم) ...
.
تلك، كانت الفقرة الاولى من حكاية
آلام ظهر حادة

***
.
.
أحكي لكم "المختصر المفيد؟ بعضا من وقائع الحكاية، الرواية:

    كان يما كان، هناك حذاء غال، ونفيس، مسجون في فترينة،  يحكي بصغية الماضي، فلاشك باك، ويعود ويتقهقر، بين الماضي والمستقبل المجهول،  كما يريد، حر فيما يقول ويحكي، بعد، أن رأى الظلم يقع عليه، منذ أول خطوة لبني البشر، وهو تحته..
.
    لا يعرف لم خلق، ومن اختار مقاسه 42، وهل لهذا الطول أثر في حياته؟  لو نقص أو زاد؟ هل ستختلف حياته؟

كان يبحلق في الناس، حوله، في متجر في شارع الجمهورية، وكاشفة تجهر وجهه، وقربه كتب بخط كبير (السعر 250 ألف)، ولكنه للاسف، لم يجد حذاء يوضع على الرأس، لا أحد يحمل حذاء في يديه، أو يضعه على كتفه؟ وبغته كاد يغمي عليه، حين رأى حذاء قديم يئن، تحت أقدام رجل أسمن من فيل، وأدرك أن مصير الحذاء أن يوطأ، تعرق جلده داخل الفترينة، من مصيره البائس، ومن الحبس، هربت كل احلامه الجميله، من خلال زجاج الفترينة، ولا أثر لثقب، وتبقى حلم وحيد، (بعد أن أدرك قدره)، ان يشتريه رجل نحيف، أنحف من مسواك، او خيط بخور، حلم حتمي، "حتى الحلم؟!..

    في المساء، اغلق المتجر، وأظلم المكان، فسرح يفكر في طفولته، قبل أن تنغرس فيه شوكة، أو مسمار، كان جلدا، لبقرة سمينة، سعيدة، ترعى في حقول الانقسنا الطيبة، كانت هناك قرون تحرسه، وذيل ذكي، يضرب أي ذبابه، أو باعوضة تهدده، كما كان يحس ويشقشعر ويقف صوفه، حين تشرب أمه، أو تأكل، أو تداعبه بلسانها الطويل الاحمر.
    
    كان سعيدا بالتجوال بين الحقول والغابات والنهر، أربع ارجل قوية، تمضي به، هنا، وهناك، مزخرف بصوف جميل، ابيض واسود واحمر،  وخوار يرن كالموسيقى، في أذن أكبر من الموزة، ولكن ما ينقص فرحي كان صراع الألوان بين الأبقار، أنا اجمل منك، تقول السوداء، فترد الحمراء بل أنا، فتتناطح حتى تدمي جلدنا.

    بعد سبع سنوات ثمان، ضربت البلاد موجه من قحط، فساق الراعي البقرة، لسوق أمضبان، وتم بيعها، وذبحها، وسلخ جلدي من أمي، وأرسلنا قطعة بلا حركة، أو حس، لمدبغة الجديد الثورة، وحك ظهري، فصرت أملس من خد طفل، وتغير لوني من اسود واحمر وابيض، للون بني، صرت أضحك في سري من لوني، والأن صارت لي هوية أخرى؟ وقبيلة أخرى، قبيلة الجلود المدبوغة، أكل حقبه لي هوية؟.

    في المصنع، تم قطعنا، لقطع صغيرة، كثيرة، كان المقص يقص أشكال وملامح، وأطوال غريبة، لم نعي ما يقصد بها، مصيري أن كنت حذاء، والمزعة قربي كانت حقيبة جلدية نسائية، وأخرى كتاين ساعات، أو أحزمة، المقص يتحكم في مصائرنا؟ ومسراتنا وآلامنا؟ ولكن أهو المقص؟ أم اليد التي تمسكه؟ واليد أهي حرة؟ أم ملل النفس خلق كرة قدم من نفس جلد أمي؟ وخوف الشوك، خلقني؟  وحفظ المقتنيات والجمال خلقي "حقيبة اليد"؟، أين أجد العلة الأولى؟..

    في الصبح، أشعل نور المتجر، تلفت الحذاء حوله، فوجد أحذية جديدة، مختلفة الألوان والاشكال، سمع لغط مشكلة قربه، بين حذاء بنفسجي، وأخر أحمر "أنا أجمل منك"، بل آنا، قال الأحمر، سخر من نفسه، ومنهم، لونهما الآن، عمره شهور، سبقه لون أخر، حين كانا في البقرة، ثم لون ثان في المدبغة، وثالث الآن، متى تكف هذه العنصرية؟

بعد شهور من الحبس "في الفترينة"، تم شراء الحذاء، من قبل فتاة، أهدته لحبيبها، وعاش الحذاء في بيت كبيبر، ناعم، رغم معاناته تحت الارجل، تحت الأقدام، وعرف اسرار البيت، وعوالمه وجنون العشاق، وتعجب "حين يقابل حذاء نسائ ضامر، وتتلاقص وجوههم معا، يحس بخفة الرجل، كأنها ضوء، أهناك جاذبية سماوية في هذه الحالة؟ تمنى دوام ذلك، وواعد "هو أيضا"، الحذاء النسائي على موعد قريب، ولكن اجاب الحذاء النسائي، "وهو يشير للأعلى"، هم من يحدد اللقاء، (للأعلى)، من يصيغ الأقدار..

حتى دخل الدار لصا، وسرقه، وقايض به حداد، سمكر له عجلته، ومع الحداد بدأت أحزان، وآلام الحذاء، مع الامتطاء اليومي، وشرر اللحام، وبدال (الدراجة/العجلة)، التي كانت دون بلاستيك، فتسبب في آلام ظهر حادة له.

جرى لقاء أخوي، بين الحذاء، بطل الحكاية، وساردها، وبين أخته، وشقيقته من ذات البقرة، وكان اللقاء في قلب ملعب كرة قدم، وكانت شقيقته "كرة قدم"، مكورة، لا تشبهه من بعيد ولا قري، رغم (آدمهم واحد)، ولكن اختلفت الرسالة والدور والحس، والشعور والحياة.

    كانت شقيقة، من ذات الأم "البقرة" لا تشبهه على الإطلاق، لا في الشكل، ولا الدور، ولا نمط المعيشة؟ مسكين يبحث عن سر علاقته بها، ولا يجده، يحن لأصل مشترك قديم، وذكريات طفولة، حين كان جلدا يشعر ويحس، ولكن صارت الأخت "كرة قدم، وهو حذاء، وألتقى بها في ميدان كورة، وجرى حوار ما، بالحدس، ولكن ظلت الفوارق بعيدة، بل جرى عداء بغته "حين شات فاول"، ولطم أخته في خدها الجلدي، وهو لم يكن صاحب الخصام، بل "القدم البشرية"، أهي من تصيغ عدواتنا بمكر؟ بما يسمى قناع الغرائز؟ لا إجابة لي، الحذاء هو من يحكي، وهو لايزال في الكتاب كما هو، أما انا فقد مرت مياه ومياه، في شريان خواطري، ومن الصعب ان أعود لذلك المقام، مقام ما بعد الجامعة، ولكل مقام مقال (وهناك أشجع على الكتابة)، فكل مرحلة لها انفعالها، وخواطرها، (فالطفل يحب الحلوى، والشاب البنات"، والعجوز الفكر، والكهل التأمل"، لكل مرحلة، هم، وخواطر، ورؤى، ولا يزال الحج الكوني، يسعى، وفي المنتهى شد الرحال، فماذا يعجب أهل القبور؟ ألم يقل "خلوة القبر، أفضل الخلوات"، أحسها وقد تخلص الجسم من التنفس، والجاذبية، والقوت، سيتحرر كثيرا، كثيرا، في خلوة القبر، فأكتبوا، أكتبوا، فالكتابة توحيد بنية الجسد، في مقام، له مقال، كل حين.

تعجب الناس من طيفور "في تلكم المباراة"، فهو لاعب عادي، ولكنه في تكلم المباراة، كان فارسها الجوال، وهدافها، لأن الكرة كانت سعيدة بالحذاء، ولم تود مفارقته، ابدا، رغم اختلاف اللغة، هناك حدس مشترك، يفوق تعبير اللغة، ولغة الجسد، " اللغة الغائبة، الكاملة".

الحكاية طويلة، فقد تعرض "الحذاء"، للسكر، فقد انكسرت زجاجة "عرقي"، وانغرس الحذاء فيها، وحكى ما حكى، مما يعرفه عن سيرة وسريرة بني آدم، وكم رثى لحياتهم، أكاذيب، بطولات سيرة، وجبن سريرة.

كما شاهد الحذاء حمامات النساء، وخلق "عشة"، قبل ميلادها بعد تسعة اشهر، فحكى لها ميلادها "الأول"، وليس الثاني، بيد القابلة، هي ولدت بعد عام او بعض عام في بطن أمها، ولدت كبيرة، وعاشت احلى أيامها هناك، بلا هم وزرق، وكبد وجوع "لم تعرف الجوع؟ ما الجوع؟ حين جاعت، "خارج الرحم"، وكانت اللذة مصدر خلقها "بل لذة تفوق الخيال، هي من استل ملامح عشة من ألف تجربة، ومليار عاطفة، نسجت بمهمل على تقلب الاصلاب "شكرا للماضي، كله"، شكرا.

    اتعجب، الآن، كانت مجرد فكرة، مجرد فقرة في بالي، حذاء ما، ثم سطرت عنه حكاية، ثم صارت رواية، ومن عجب صارت مسرحية، إخراج طارق البحر، كيف تنمو الاشياء والوقائع فينا، كشجرة؟ فأين جذرها؟ ومن أي طين فينا تنمو وتنمو، حتى بلا علمنا "(للعقل الباطن شأن في الكتابة)، ما اعجب عوالم الكتابة فعلا، لم اكن اعلم باني سوف ازيد عن اسطر، أو على الأكثر عدة صفحات، ولكن لم يجري ببالي ان يصبح حكاية، ما اعجب الخيال فينا، نتفرج عليه، وهو ينسل من الخاطر، كسينما شخصية، لها شاشة واحدة، ومتفرج واحد، ومن عجب المتفرج، والشاشة، والفيلم، كلها في قلب رجل واحد، عجبي، للذات البشرية، أن تجلس في كرسي داخلك، وتشاهد شاشة داخلك، ومخرج داخلك، وتشاهد خيالك، وذكرياتك مخلوطة معا، بمزيج رائع من الفكر والشعور والوقائع، تلكم هي سنة (الأخيلة)، وبركاتها الاسطورية، بيدك، لا بيد جوليا روبتسن أو الفريد هتشكوك، أو جاد الله جبارة.

ويظل الخيال "معنى"، يبحث عن تجسيد، ويظل دوما يسوق الذاكرة "وهل تسبق الغزالة قرنيها"، يسوقها إلى حيث لا حيث، ولا ختام، بل رحلة سرمدية..

يظل سؤال من هو الروائي بلا إجابة مقنعة، كشأن الحياة، وتعريفها، كل وقت، أو قرن، لها إجابة تفند الأولى، وتفندها التالية، محو، وإثبات، ومحو، وإثبات، بلا أنتهاء كشأن الدهر، يمحو ويثبت، ويمحو، بلا انتهاء.

ما أجمل ذلك، ما اغرب ذلك، ما أعمق ذلك.

<عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.;