أيها البدر الأسمر؟

كيف درت حول نفسك؟ والارض؟ وقلوبنا في رمشة عين؟

هدف زين العابدين!!

طفل موهوب، بركلة كرة جلدية، يفرح شعب!!

.

بقلم: عبد الغني كرم الله

.

.

في الركن الأقصى للملعب، أظنه الشمال الشرقي، "كما يبدو لي في الشاشة، في ركنها اليمين الأدنى"، عرج الجناح الصغير، متوغلا كفارس نحو خط 18، لم يعد الوقت يكفي، ضيق حتى لبرق، كي يبدي ذاته العجولة، بين الغيوم، فكيف بحسم صراع فني، وخيالي، وإنساني، يتجلى خلف قناع كرة قدم؟ في وقت أقصر من رمشة عين؟.

.

الطفل المثابر، الباسل، يسابق الوقت، ألف سباق في قلبه الغض، المغلي بخضر الخواطر، والأحلام، والهواجس، (زحم سباقات كثر تراوده، وقت يجري للختام!!، وخوف يجري لحزن خسارة كبيرة!!، مؤلمة،!! وسباق تحدي خصم عتيد، عظيم!)، كلها، وأكثر، تفور بين ضلوع طفل دون العاشرة من عمره، يراهن على قهر الأستحالة، وفي أعماق باله، زغرودة خالته، وأمه، و"عرضة جارهم، صاحب الدكان"، كل النساء خالاته، في هذه البلاد الحنونة، وعماته (كل نخيلات الضفاف)، ماذا أنت فاعل؟ أيها الطفل الصغير؟! وقد رماك القدر في مواجهة الاستحالة، تكون؟ او لا تكون؟!.

.

.

قمز الكرة نحو قلب غاب من اللاعبين، لأخيه في جوقة العناد والتحدي الميمون، زين العابدين، الطفل الأسمر، كأن للكرة الف عين، كزرقاء اليمامة، وصلته، رغم زحم تلكم الأقدام الغزيرة، تمريرة كانها حبل سري، في ظلمة الغاب والرحم،تعرف (سرة) طفل موهوب "زين العابدين".

.

لماها برفق وعجل، في لا وقت، أعجل من برق أسمر، مؤقرا الوقت، "جاعلا من الثانية، دهرا حلوب"، كي يرسم بريشة قدمه لوحة حب خالدة.

.

لف كدرويش في حلق "مدني السني"، وارث للخيال واليقين، والإحسان، (وقدرات رجل بلقيس الذى أتى بعرشها قبل ان يرتد بصر سليمان)، دار حول نفسه، وحول أرجل خصوم تتربص به، وحول قلوب عشرة الف سوداني في الملعب، وسمر تفرقت بهم الحياة، أيدي سبأ، في أصقاع الكوكب، فمنهم من شاهده وهو في قلب الليل، وأخر في عز الظهيرة، في ذات الوقت.

.

دار دورة كاملة، (أيرقص؟ ولا هماني شئ؟)، كقمر حول الأرض، ثم ارسلها بهدوء حكيم، قوي، مثابر، في قلب العاصفةالسمراء من الأرجل، والعيون والتربص، فمضت الكرة، تشق بعناد غريب، عجيب، تلكم السوق الكثر، لا تبالي، في طريقها للعرين الأسمر، هو الأخر، جزر القمر.

كرة جلدية، في غاب أرجل سمراء،  مثل بسمة عبلة، في غبار الوغى "كبارق ثغرك المتبسم"، زاحفة، بلا علو مفرط، أو دنو مؤذي، أرض جو، أحبت الأرض، وتعلقت بالسماء، معا،  تسعى مباركة، تسر الناظرين، كانت الصافرة في طريقها لفم الحكم، والكرة في طريقها نحو الشباك، والقلوب، توأم درامي عظيم، صافرة الختام والهدف، وختامه مسك.

.

ما أوسع الثانية في قلب المحب، (ألا يقطع الضوء فيها 189 ألف ميلا؟)، يحسن فيها، ويحذق كأنها قرن من الزمان، وقت كاف للإتقان، الفكر أسرع من الضوء، فزرع نخلة على قلوب البلاد، بلا عجلة مهلكة، ولا بطء ممل، مسرف، لاتسبوا الدهر، فالدهر هو الله، ولو لمح ثانية، كان زين العابدين "نورا أسمر، تكفيه الثانية"، تماما لحذق لوحته، تكفيه وتزيد، وتفيض، "وقد برهن فعلا، أن الثانية قرنا، تحت ريشة قدمه المحبة" .

.

الطفل الصغير، زين العابدين، الذي يحمل على ظهره أحلام أطفال وشعب، والرقم (10)، أسعد أضرحة الجدود، في مدني السني، وأطرب بنات الجامعة، بصورة الباكية، على الهواتف والواتبساب، ورقص المساجين، في كوبر، رغم أنف سور بغيض، طويل، تسلل الهدف، رغم حذر الحراسة، وفرش سحره بين "عراريق الدمور، المبلولة، بالحرمان والدموع"، وجرى الهدف هنا، وهناك، لا يشغله شأن عن شأن، وصار بندول لنزلاء المستشفيات، وولج قلوب الأمهات، كلهن، والأباء، والشعراء، وكل طلاب المدراس، ولاعبي الأزقة الصغار، في أحياء البلاد الشعبية.

.

كرة جلدية، بركلة فنان، تسعد حتى الرواكيب والحيطان في بلادي، كل شئ حي، الضفة والقلوب والسعف، وكلها رقصت في عرس الأطفال، في الدوحة.

.

أيها البدر الأسمر، كيف درت حولنا، والمجرة، ونفسك، في رمشة عين؟

.

صاحبك، أيها الطفل، صاحب الهدف الأول، كيف كان خيط بخور وثور من الانقسنا؟ أم من كردفان؟ كيف نطح الكرة بقوة وإرادة، كي تهز "سعن الشباك"، أعلى غصون الحشى، وتخلق زبدة فرح في كل القلوب السمراء، في عرض البلاد وطولها، وباطنها، وسمائها؟.

كم فرح صاحب الدكان قربكم، "حلوته، ودومه، وطحنيته"، جزء من نشيد جسمك، والنجار، والحداد، هل حاكيت زخرفته لباب جيرانكم؟ واغنيات "مسجل"،سائق الرقشة؟ كلها تركت اثارها في عقلك الباطني، وتسللت، كلها في تلكم الركلة الرشيقة، الكبيرة، الماكرة.

.

لكم الله، يا أطفال بلادي، رقصت نساء بلادي الكمبلا، والجابودي، والعرضة، وهز الصدر كوزينة، وتلاثغ النيل، وطار الاطفال في الازقة، كأن الهدف كان بأرجلهم الغبشاء، بين طوبة وطوبة، كشأنهم اليومي، في شارعنا.

.

.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.