معرض الدفعة 67
حرية الخيال من أوضار الذاكرة
كلية الفنون التشكلية
الاثنين 5 مايو 2014م


(الجزء الثاني)


تمثال فتاة في حالة حيرة، وقلق:

فتاة حزينة، تلصق فخذيها "حتى في الحزن، لا تنسى العرف، لتوسمه في عقلها الباطني)، سارحة، ولو وقفت أمام أرنبة أنفها، لما رأتك، تراقب شريط حزين، وقائع جرت في ذاكرتها، ما أقوى العين الداخلية، حين تشغل بقضايا النفس، أيها المتفرج الذي لم تراك، ولن تراك، الهم عزلة، ولو كنت في قلب القطيع، قلب الخرطوم، يعزلك الهم، كالألم، عن الشعور بما حولك، لما فيك من أسى.

نحات موهوب، بلا أدنى شك، رغم أن حزن تمثاله معدي، حزن فتاة خسرت عشيقا، أو في حال خواطر حزينة لغد قاس، تمنيت أن تكون حزن نبيل، أي وجه يشع بقين أن هناك جمال يقود الحياة، رغم ما وقع فيها قدرها من نحس، وكبد، ولكن يد الفنان حرة، قد يكون مر بتجارب كثيرة، جعلته قادر على استلال هذه الاسارير الصعبة من وجه الفتاة، ومن حجر، بأزميله السحري، المحب لسلخ الجلد على الصخر، وأحالته، لفتاة تجلس، وتضع يديها على حنكها، سارحة فيما كان، أكثر فيما سيكون، هكذا تنطق ملامحها، والله أعلم، ولكنه نحات حزين، هل ستجري منحوتاته، كلها في هذا الدرب، الحيرة والإرتباك، حتى أصابع قدميها الخمس، بل العشر، كان الحزن يشع منها، كضوء غروب راحل، تضع بقية الفستان بين فخذيها، فيبدو كنهر جف، ماتت أعشابه، وفرت طيوره، لفخذ أكثر،  ينزلق الفستان من الفخذ الأيمن، ثم يعلو للآخر، كموجه من دموع، لا أثر للفتنة، رغم جمال الفتاة البرئ، احسب الحزن النبيل، يغطي اشتهاءات الغريزة، ولو تعرت الفتاة، أو لباس التقوى، ذلك المضمور في القلوب، كما حدث بن رابعة العدوية، وذنون المصري، ولم تتغطى، إلا حين رأت عيون تبصر بالغريزة، لا الإطلاق، وتجلي جماله في المرأة.


أحسبني اسأت الظن به، وجدت على مقربة من الفتاة الحزينة، طفل بااااااسم، لذات الأزميل، وكأنك، أيها المشاهد، والمتفرج، تحمل في عينيك حلوة، فإبتسم لها الطفل، أو رأى فيك، أبا، أخا، بسمة تعادي الخواطر بمرحها، طيبتها، خدودة مكورة، تكاد تنفجر في كل لحظة، فتاتا من حجرا، أو دم (من يأمن أنامل الفنان؟ ألم تكن أنامل المسيح ماهرة، حين خلقت من الطين كهيئة الطير).

هناك تماثيل، صغيرة، أخرى، لأكثر من نحات، أكثرهن نساء عاريات، ذوات أثداء ضخمة، وأرداف أكبر، لم؟ يسرح طرفي في التأويل، ولم هن حزينات، مثل نساء غوغان؟ رغم العري، والحرية، في حزيرة هايتي، خاطري يربط بينهما، ويسرح في أي قت هن الآن؟ في خلوة حمام؟ أم بعد ممارسة باهته، قتلت في أعماقهم سطوة اللذة الأم؟ يقال لكل حواء آدم، والجسد لا يجامل، أحسبه ذكيا، أقف كثيرا، كي ألملم خواطري المبعثرة في التأويل، أتعجب من قدرة الثدي، في أن لا يشغله شأن عن شأن، سوى في فم رضيع، أو لحظ ابي القاسم الشابي، (كل شئ موقع فيك) أو غرسه في ظلمة الرحم،  كي ينمو بعد حين، بصورة جعلت (ياسوناري)، في رائعة (الجميلات النائمات)، أن أفضل شكل هو النهد، في الدنيا، أي شكل يتحدى الملل، مثل كمثرى سمراء.

يعود خيالي للتأويل، فلم الأراف الضخمة؟ والحزن النبيل؟ أتفرسهن أكثر، أنه حزن نبيل، من يسبر أغوار المرأة؟ هناك نشوة في مسرات الحزن، كأنهن جلسن من زمن عاد، حتى عادت الاراداف وسادة، الجسم ذكي، ويتكيف بما تمليه البيئة المحطية، والبيئة الداخلية، ااستراحة محاربة عظيمة، تلوك خواطر ألف خاطرة في قلب العشب، أو أنين النمل، أو همس الفراش، همس الحياة، همس القلوب، لحيظات فوق الوصف، تلحظ بالحس، وتصنع جوى في أعماق النفس، بلغتها الأم، لغة الإحساسيس الدفينة، كأنه جذع شجرة، تبدو الأرداف، ملت المشي، والأن يمص الحس بالرمل التي تجلس عليه، وبالحياة التي تدب الآن في كل كائن حي، أو سيكون، وقع خطو الحياة، برمتها، يبدو في الجسم العاري، والأرداف الضخمة، والوجه الحزين، السارح.

أمضي في تأويلي، الفرجة شأن فردي، لذا نحب الفنون، لا قطيع يساق بسوط لحقل معين وإن كان أخضرا، أتعجب أكثر، لا، لم تكن تلك مبرارت الحزن والعري بين النحات، يد الخالق، أحاول أن أقرأ ماذا يدور بخلده، حين نحت ما نحت؟ كأنه ينسف ما بين السيرة والسريرة، ذلك الإنفصام الشعبي، المرض العضال، الطويل، والفنان كالطفل، لم يدجن في سجن عرف، وحبس تقليد، براءة الخيال، هي هي، كما يحكي الطفل عن أهله، وتهورهم، لكل فرد يقابله يحسن الظن فيه (بإنه إنسان)، كذلك هذه الأنامل المبدعة، أم جرى تأويلي في شطح؟ ولم؟ ربما خاطب المنظر، الناظر، بما لا يقال، كما قال النفري؟ ولكن الحياة لا تزال تبحث عن هويتها، وإلا لم يخلق الزمن راكضا، ساعيا، بل هاربا من قبح الذاكرة، ومحن الحاضر، للغد الباسل (وما الغد؟)، أنه في قلب الحاضر، والفنان من يسترق السمع للحاضر الاصيل، بعيدا عن وعي الأمس، مهما سمى.

أنكر، تأويلي، لم لم يخطر الكسل ببالي؟ أحسبه مديحا للكسل، لنشوة التأمل، حين تضع النفس أوزار العجلة، والجزع، وترى وقتها "الداخلي"، يسعى مع وقت الدهر، وهنا تكون الفرجة على شريط الحياة، بل نهر الحياة الجار امامك، وبك، أعظم الأعمال (حسبي بأنك حيرتي، قد ضل من هو غير حائر)، جلسة دعه، لقلب المرأة المترع بالحنو على أي نمل حية تسعى قربها، أو حب بين فراشة ووردة، أو عقلها الغني بالتجارب، الغني بإحياء الأفكار كأجنة، وأمشاج، وليس تأملات جافة، في صرامة قوانين الفيزياء، بل أفكار تحس، وتلمس وتنبيض، في أبهى مديح للكسل، كانت التماثيل الصغيرة، لنساء عاريات، لاتحرك فيك لذة غريزة، أو تأنيب فقه مبيت.

ما أصعب التأويل، حين تصير كل الأشياء رموز، وكنايات، ولكنه الوعي البشري المحدود، يدرك جزء، ويغيب الأكثر في طوايا العقل الباطن، لكل فرد، قد يبرز في وقت ما، في مكان ما، أكثر صدقا، وقربا من الحقيقة، ولكن الحقيقة كالإطلاق، نسبية، من قلب آخر، ومن عقل لأخر، فطوبى للغرباء.

أعود بكم، للغرفة الصغيرة قرب الباب الكبير للدخول في صحن الجامعة، قيل بأنها وكر للجان محاكمة للزي،  محاكم تفتيش للخصر، والنحر، والساقين، محاكمة على مرأى، ومسمع الطلاب والشارع، إهانة يومية لحرية الزي، محاكمة للمرأة السودانية المثقفة والمسئولة، من شريحة ضالة، جاهلة، تدرس بناتها في أغنى جامعات الغرب، مكرمات، ولو كن شبه عاريات، يبتسم لهم الجميع، وتذل هنا، بنات بلادي، على مرأى من الزملاء، أنه سجن باستيل صغير، قرب الباب، قرب قلب الجامعة، فقل لي كيف تمضي لتحصيل دورس، وقد تم إذلالك عمدا، من بنات أمن، يتم اختيارها بعناية فائقة،  لجهلها، وعنفها، وهوسها، وطمعها.

هل تكن تلكم الفتاة السارحة، وتمثالها الحزين، قد تعرضت لإذلال عند باب جامعتها؟ باب حلمها، ومكنون عقلها وقلبها، فبدت حزينة دوما؟ في التمثال، والواقع؟.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.