شعرت برضى، وأسى، وفرح، ثالوث أنفعال نقيض أعترى بالي، وأنا أتفرس بعين قلبي، وجوه فتيان، فتيات، تقلب طرفها، في سؤال الوجود، لم خلقت؟ خواطر هامسة لنفسها، بعدم رضى، من نفسها، وقد حالت التربية، وأنماط العيش وضروراتها، ومناهج الدرس، بينهم، وبين ذواتهم، بل سعت في طمس ذواتهم، حتى عادوا غرباء، عن أنفسهم، وتلك أصعب غربة، رغم أن جنان الفرح، أقرب إليهم، من حبل الوريد، (أي هناك موهبة فطرية، قدت في ذواتهم من ازلا، فهي بين جنبيهم ترقد وتئن من النسيان) ولكن املاءات الجهل، والعيش، والكسب، جرت بالمجتمع، لغرس هذه البذور، في غير حقولها، فنمت براعمها شاحبة، وثمارها صفراء، كما جرى لنا جميعا، فأنت تدرس، وتغرس في غير حقلك، وينتهي مصيرك سجينا "فيما لاتحب، ولا ترغب"، وتسعى بمفردك، في أصقاع طفولتك "كي تعرف الموهبة الأم، التي جبلت عليها"،  كي تعثر على طرف من حقيقتك "التي تحسها تهزوء منك، لم تخلق لهذا أو ذاك، بل لأمر ما"، تلكم الحيرة الجماعية، التي تهمس في كل ثانية من عمرنا، بل حتى في أحلامنا "من أنت؟ وهل تشابه نشاط يدك، وحرفتك، مع غائر حياتك؟. لانك لا تستمتع بعملك، كأنه أغنية، ولو كان شاقا، فأي عمل (لو كان حقلك الحقيقي)، ستنشر أزهار حواسك، وترسل عطر مواهبك، في كل الأفاق، وترفع عنقك لحياة الإبداع فيك، كما تمد زهرة عباد الشمس، وجهها البديع، في وجه الشمس، فتصير حياتك كلها، عزفا على أوتار مواهبك، وحواسك، فتسعد نفسك، ومن حولك، بجميل الغناء، وتجني ثمار الرضى، التي تعتري قلبك، كأعرق سعادة، والرضى جنة، لا تنال سوى برضى السيرة، عن السريرة فيك.

أسارير الوجه، تعبر عن حالة القلب، بدون أي لغة، وتعبير، ولكل ذات بشرية، فراسة، تدرك وتقرأ تلكم الحالة، بلا تعب، وعنت، شباب ذكي، يناقش في الفكر والادب، ولكن جرت بهم أقدار الدارسة، لمصائر غريبة، مؤذية، لا علاقة لها، بما قد فيهم من مواهب فطرية، كان الأجدر بالمناهج، والتربية، رعايتها، وسقيها، حتى تنبت من كل زوج بهيج، ولكنا دوما، في دولتنا التي لم تتشكل بعد، نضر الحياة، بما نحسبه خيرا، بما نضعه من سياسات، وفلسفة حكم، لا ترعى لبعض المهن حقها "مثل مأساة بهنس"، فهل الشعر ترفا؟ أن قصيدة من لوركا، تشعل الحماس في ألف جبان، فيغدو  الواحد، منهم كألف عنترة، كما أن الشعر قوت القلب، مثل الشعير والذرة، بل أعمق، فليس بالخبز وحده يحي الإنسان، كما أن النجار، يخدم الحياة مثل الطبيب، بل هناك أمراض في الظهر، وتسلق السلم، وأسرة، النوم، لو وجد نجارا ماهرا، لم تفشت في الحياة، وصارت رزقا لطبيب ما، كما أن العيون، وهي أعذب الحواس، لو رأت كرسيا جميلا، ودولابا قويا، مزخرفا، ومسندا طيبا، لاستراح جسدها، ووجدانها، فاطربت الكون بما يترع في خواطرها، وما ينسل من مواهبها، للنجار المجهول نصيب الأسد، كأن أن النجار نفسه، وهو مستغرق كالاولياء في الصلاة، قد وحد بنيته، من عقل وقلب ويد، في وقت شغله، مما ينفعه مشاعره، ويرقي وجدانه، حتى يشعر بدبيب الخواطر في قاع ذاته، أجمل ما يكون، لا أظن الحياة تنسى أحدا من موهبة، طالما الزمار المطلق، نفخ في جسد، روحه، فهي تغني، دوما، ولكنا نحن الصم، البكم، عن رؤية ذلك الغناء، للأجرام البشرية، برمتها.

علينا ان نراجع أنفسنا، نحن في دول العالم الثالث، كما يسمى "بل حتى دول العالم الأول"، مجازا، فنحن  هنا، تم تشويهنا عمدا، عبر مناهج ضارة، وعبر مجتمع لا يزال خاملا، ومؤذي في رأيه العام، ويحتاج لنبراس كي يضئ لنا الطريق، ونعرف من نحن، هناك اطباء، وهناك تجار، وهناك مهندسين، وكلهم ضلوا الطريق لأنفسهم، حين وضعت العربة أمام الحصان، لأن معيشة الناس، تتطلب استثمار الأبن، في وظائف تعين الأسرة، وهي غلطة سياسية مالية، تعلي بعض الوظائف، لجهل في الخطة العامة، لخلق مجتمع سوى، يشارك في بنائه العازف، والنجار، والمفكر والشاعر، كل له ذات القيمة، والاحترام، والراتب الشهري، الذي يحترم كرامته، ويطلق الحبيس من مواهبة التي منعها الفقر، والإهماء والاستهزاء، من التعبير عن الحياة، وتخصيبها.

ذات الجرم، وقعت فيه على المستوى الشخصي، درست أمرا لا علاقة لها بما احب وأرغب، فأنا درست جيولوجيا، وعشت أرسم، وأنتهى به مصيري "بعد عقود"، إلى كاتب، وأشعر بأني عثرت على طرف من حقيقتي، لاني استمتع بالكتابة، وأفكر بها، وأشعر، ولكن بعد فوات سنوات في طريق مسدود، وسبقنا الكثير، من فقدوا، أو نسوا مواهبهم الأصيلة "في جب غائر، فإين السيارة"، كي يخرجوا يوسف موهبتك الجميلة، ولو بثمن زهيد، توني مريسون، كتبت بعد سن الاربعين، ابي تمام، كتب بعد الخمسين، ريمارك كان حفارا للقبور، ثم سطر أعظم الروايات، ولكن بعد فوات عقود من موهبة غائرة، تحن لنفسها..

الحياة فينا، كاملة، ولكن كيف تستل؟ تلكم هي موعظة لنا، كي نتدبر رسم حياة عبقرية، تعنى بأجنة كل رحم، وقلب، وكيف تربيهما، وتعنى بهما، لخلافة الأرض، وهذا ما يتطلب أن تصاغ الحياة السياسية، والاجتماعية، والفكرية، بل حتى الرأي العام "وحينها لاشك سيكون وليد هذه الصياغة، كي ترفد الحياة بأعظم كائن غشى الحياة، وهو الإنسان، ومواهبه الطبيعة، القلب والعقل والجسد، ولكن.. نواااااصل .....
ونواصل..



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.