قرن من الفرجة في بلادي!!

21 - 27 يناير 2014م

(حنبينه، البنحلم بيه يوماتي..

مكان السجن مستشفى..

مكان الطلقة عصفورة، تحلق فوق نافورة

وتداعب شفع الروضة)

الشاعر الشعبي الكبير محجوب شريف


مثل الأعرابي، الذي حكى عنه المخرج السوداني الراحل، جاد الله جبارة، في كتابه التوثيقي "حياتي في السينما"، حين عرضوا فيلما متجولا، على شاشة دمور، في قرية نائية، عند ضفة النهر، تقرفص الناس على الرمل، مبهورين بقماشة عليها صور وحياة وصوت، جاء الأعرابي متأخرا، من خلف الشاشة، ولأنها من قماسة دمور فقد رأى أسدا يزأر يتجه نحوه، فقذف الأسد بحربته الماهرة، بكل ما يملك من قوة، فثقب الشاشة، فهرب الجمهور، من الأسد، ومن الحربة التي داهمتهم من حيث لا يحتسبون، ولسان حالهم يسأل، أسد يزأر وحراب تخرج من شاشة دمور؟؟ ولكن في ظرف خمسة دقائق، تم خياطة الشاشة، ورتقها، وعاد الجمهور للفرجة ومسراتها المثملة بلا عتاب وتجريم.


لكن من يخيط ثقبها الآن، تلكم الفتوق التي أصابت الشاشة السودانية برمتها، سوا كانت من قماش دمور، أو حائط أسمنت أبيض، فلم تكن حربة من ثقبت الشاشة السودانية العريقة، هذه المرة، والتي ظلت تعرض حيواتها لأكثر من قرن، (بالتمام والكمال، ليس مجازا) ولكنها جرافة "بلدزور"، الإهمال، والرقابة، والأنظمة الشمولية، من حطم أغلب دور وصالات العرض بالخرطوم، فصارت اطلالا، تؤذي رؤيتها، كل من يراها من عشاق الفن السابع النبيل، فكلما ما أمر بسينما كلزيوم العتيقة (أفتتحت صيف 1937م)، والتي سميت على "الكلزيوم القديم، تيمنا بجدتها في روما القديمة" وهي تقع في شارع القصر، أدير وجهي عنها، كي لا أرى بطل مصلوب، وعزيز قوم ذل، ينكأ جرحا عميقا في نفسي، ففي هذا الصالة تعرفت على أناس في اصقاع الأرض، لهم طبائع أخرى، على جدة تشرب البيرة، مع أحفادها، وهي تلبس جنيز ضيييق، وعلى فتاة يقبلها حبيبها على الملأ، وعلى تسريحة شعر، من بطل مغمور في الفليم، لكنه كان مثار اعجابي، فما اعظم بركات المشاهدة، فأنا أسرح "أمشط"، ما تبقى من شعري الشائب، مثله ليوم الناس هذا.

يمكنك أن تقسم بأن الكائنات الحية التي انقرضت، هي السينما، والديناصورات، وثويت في قبور بلادي، ففي الخرطوم العاصمة، وأخواتها، لا عروض، منذ ربع قرن، وهل بقيت حتى الدور من الهدم؟ كأحجار، وأطلال لزمان ولى، عاشته الخرطوم، (كي نقبل ذا الجدار وذا الجدار؟ وما حب الجدار شغفن قلبي، ولكن حب من سكن الجدار؟ وما أكثر ساكنيه من الحسان، تحية زروق، والسندريلا سعاد حسني، وصوفيا لورين، وشويكار، وليلى علوى، وجوليا روبورتس، حسان من كل طيف، وأخريات، يزخرفن الذاكرة ، بل ومملكة  النسيان، فهناك محمو على عجل، لطمس ذاكرة الأمس، من أجل رسم طريق آخر (تجد متونها أقلامها)، ولكن ظلت الأفلام، رغم جبروت المحو، في الأذهان، كأحلى ذكريات، وأجلى تلاقح عن بعد، بين أفكار، وأناس، وثقافات.


كانت جرائد الخرطوم كلها، تسأل في صفحتها الدخلية، أي قارئ لها "أين تسهر هذا المساء؟" ثم تدرج أكثر من ثلاثونا عرضا مغريا للسهر في دور السينما (هل تسهر في سينما الوطنية؟ أم كليزويوم، أم بانت؟ أم سينما النيلين؟ أم أفضل لك سينما الحلفاية؟، أم العرضة".. أم.؟ أم؟!!)، آآه يازمن الوصل، آآه، ولكل سينما نكهة وجمور ومناخ، ونمط معمار مختلف، يلمس روح المتفرج، ويخط أثره في نسيج الذاكرة، أبد الدهر (هناك من يتسلق اشجار النيم الضخمة، خارج أسوار السينما، ويشاهد معك الفيلم، في سينما بانت بأمدر)، و(هناك من يضع سريره، ومعه اسرته فوق سقف البيت في سينما مدني)، فرجة مجانية، من سقوف البيوت، وأغصان الأشجار، واضواء الفيلم تتراقص على وجووههم في تلكم الظلمة أقوى ما يكون، فيمتد أثر الفيلم، ويتداعى للبيوت المجاورة، التي ترقص على انغام الاغاني الهندية في الفيلم، فكأنه عرسا للحى "الفريج،" بأكلمه، وليس مجموع النظارة في الصالة المظلمة، والمضيئة في القلوب والعيون.

كل قارئ يستعرض الافلام الثلاثون المعروضة في الدور، ويختار كيفما يشاء، حين كانت للطبقة الوسطى مكانة، وقوت يكفيها مطالبها، وكماليتها، وهوايتها (أيااااام يا عوض دكام)، وهي اغنية شهيرة، لطبيب اسنان ساخر، تقال للتعجب عما مضىى، وفات من فرح ومجد، (أيااام ياعوض دكام)، أيام غراء عاشتها الخرطوم "ياعوض دكام"، حيث تتهندم الأسر السودانية، من قبط ومسلمين وجاليات كثيرة، هندية، ويونانية، وسورية، ومصرية، كل مساء، وتتعطر لليل سعيد، تأومهم شاشة عرضها السموات والأرض، خير إمام، تعرض مالذ وطاب من افلام هندية، وأمريكية، ورومانية، وروسية (حسب نمط العلاقات السياسية الخارجية)، والثقافية، والرغبات (وإملاءات شباك التذاكر)..

لكن  أيموت هوى السينما؟ أم ينام؟ طويلا كحكاية الأميرة المسحورة؟ حتى تصحو بأكسير عجيب، يصنعه الفتى الذكي، فقد جاء بوستر جماعة السينما قبل ثلاثة سنوات من الآن، بذات البلسم، للسينما النائمة،  ببوستر موحي، حالم ( ضل "ظل"، ولا بندفن) وكان هذا شعار جماعة الاحتفال بمئوية السينما السودانية، حيث عرض اول فيلم في السودان عام 1910، وكانت عروس الرمال، مدينة الأبيض، هي مسقط رأس تلكم الفيلم، وبعد قرن وأربعة سنوات تأكد (بأن الظل/الضل، ما بندفن)، مهما حاولت الرقابة، والأهمال، والكسب التجاري دفنه، فقد برزت فكرة المهرجان لجماعة من الشباب الطموح، تهتم، وتحب، ودرست عوالم الإخراج والتصوير، مسكونة بالموهبة، وتطمح في بناء سينما سودانية مستقلة، على رأسهم السينمائي، والمصور، الشاب الطموح "طلال عفيفي" والذي قال في كتيب (مهرجان السينما السودانية المستقلة، الأول)، في مقال بعنوان " الشعب يريد مشاهدة السينما" أفق جديد : (هدف "سودان فلم فاكتوري"، إنتاج سينما سودانية مستقلة، وبديلة، لا ترتهن لموجهات السوق، والذوق التجاري، بل بحال مشاهدها، بقضايا الحياة والاجتماع التي تلح في بلادنا، سينما شاغلها الإنسان، تعبر عنه كصاحب قضية، وموقف ورؤية).


أضاف البيان أيضا: (سينما تتصدى للوعي، نسعى لتطوير الوعي والجهد الجماعي، نتوسل إليها بمفاهيم جديدة لصناعة الافلام ومحاورة الجمهور، ونروض حسابتها بالترشيد والإبتكار، وتعمل مبادرتنا على تطوير الصلة بين الفنون، لسنا في هذا الخصوص في عزلة، بل نعول على تجارب السينما المستقلة، في افريقيا، والعالم كمصدر إليهام ومعرفة وشركاء تعاون وحوار).


من أجل هذا الهدف الطموح، بدأت سودان فيلم فاكتوري بخطوات عملية، مدروسة منذ ثلاث سنوات، بأقامة العديد من الدورات التدريبة، والسمنارات، والحوارات السينمائية، من أجل تشخيص داء السينماء، والمعضلات التي تواجه صناعة السينما، (غير معضلات الرقابة، وشح الإمكانيات وضعف البنية التحتية، وتحدي البحث عن مفاهيم جمالية، وبصرية، طازجة لا تحاكي أحدا، ولا تحاول التماهي مع أي من الأنماط الجاهزة، في هذا الخصوص ننقب في فلم فاكتوري، عن طرائق جديدة للتعبير تحاور عناصر الثقافة والاجتماع في السودان الممتدد عبر الصحراء والسافنا، إلى مدراج خط الأستواء).


حكى البيان، عن الطموح "السعيد"، :(أن عملية التدريب وتطوير المعارف السينمائية المفاهمية والمهنية ستظل مسألة أساسية في خطتنا المستقبلية، فوق ذلك نطمح أن تكون سودان فاكتوري، مركز عمليات سينمائي، وملتقي سينمائين، ومكتبة بصرية، وأرشيف للسينما السودانية والافريقية وساحة للعرض، بكلمات قليلة مدرسة للإبداع فاتحة على الشارع)..وبالفعل، كانت فاتحة على الشارع والجمهور من خلال العروض السنيمائة التي انتظمت أكثر من خمس مراكز، ومدرسة جنوب الخرطوم.


ساهرت الخرطوم، بعد بيات طويل، في صالات العرض المتناثرة في الخرطوم، والخرطوم بحري، حيث عرضت أكثر من 22 فيلم، بمشاركة كل من مصر وكينيا وإثيوبيا. بينها 14 فيلما سودانيا، وتنوعت المشاركات بين أفلام روائية وتسجيلية وأخرى قصيرة، بين مدد تمتد من "خمس دقائق"، فيلم "فيفتي"، حتى ساعة ونصف، وخمسة دقائق (كما في فيلم يهود مصر 95 دقيقة).

كان الافتتاح جميلا، بجمهور غفير، تم عرض (فيلم هاجي، فيصل هاجّي غرب)، وهو  يحكي قصة عائلة سودانية هاجرت إلى أمريكا بحثاً عن حياة أفضل وتحديات الإختلاف الكبير، في نمط الحياة برمتها، الذي واجههم في تفاصيل كثيرة، مترعة بالضحك، والحزن والمرارة، بين  الحياة بين امريكا والسودان، ومرارة أن تفارق بلادك قسرا، وأنتهى الفيلم "ببكاء البطل وأبيه"، أهناك بديلا للوطن؟ لا ورب السينما والسماء، وطالما امريكا ارتقت، (وهي التي جرت فيها احداث "كوخ العم توم"، فلم لا نقيم دولة مثلهم، وأعظم؟ أنهرب من واقع (من أجل جنسية تعب قوم في بنائها، ونجني ثمارهم؟ ثمار نظام وحرية وتطور وتقنية" لا ورب الجمال، بلى فنتعلم منهم، ونصقل التجارب، ونحج لحضن وطن يحتاجنا، ولو أن نمشي على أرضه حفاة، ونستنشق غباره، فالأوطان تبنى بالسواد، لا بالرحيل المر، وذلك خطاب الفيلم للجميع (إياك أقصد)..


جاء المهرجان، قطاف لسنوات من العمل الدوؤب لخلق سينما سودانية، بعيدة عن إملااءت (تجار السينما)، أعداء الوعي، فكان الذكاء واضحا في الأفلام المعروضة، فهي خواطر هؤلاء الشباب الطموح، في لبوس سينما، بل هناك فيلم لا يتعدى (خمس دقائق)، ولكنه يترك اثرا عظيما في خيالك، وهو فيلم (خمسين، fifty)، لإبراهيم مرسال، وهو يتحدث عن (رحلة عملة حديدية ذات الخمسين قرش)، وكذلك فيلم (استديو)، لأمجد ابوالعلا، والذي يصور رجل وحيد، يمضي لمصعور، كي يصوره ومعه أسرة وهمية، يقطعها له المصور من هنا، وهناك، ويخرج الرجل وبيده إطار صورة أسرية، هو في قلبها، وكذلك فليم (لعبة)، لمروة الزين، الفيلم القصير، ثمان دقائق من المتعة مع طفلة تحاكي أمها، ومن غرابة الحياة، تعلمت الأم من الأبنة، وكأنها مرآة صادقة، أدركت بعدها كم كانت قاسية،وجافة، ولا مبالية، و"تدخن السيجار"، فمجرد أن استلت الطفلة السجار، نهرتها الأم، فقالت الطفلة ببراءة (مش أنا بحاكي فيك ياماما)، وضجت القاعة بالتصفيق.


كما عرضت أفلام متنوعة، (اليهود في مصر)، سألني جاري في المقعد متعجبا، (ديل زينا طيب)، أي اليهود، حين رقصوا على ايقاع ام كلثوم، ودرويش، وتحدثوا بحنين بالغ لأيام القاهرة، والاسكندرية، من المهجر الأوربي، كما عرض فيلم الخروج للنهار، وفيلم بركة الشيخ، للمخرج الكبير جاد الله جبارة.

هل أخبرتكم بأني اصلح سيارتي دوما، عن "دينجانقو"، أنه ميكانكي مشهور، ولكن ليس لحاذقته، (هو بارع في ذلك)، لكن لأنه يلبس طاقية مضفورة من القش مثل الرعاة المكسيكين، وينظر لك من تحتها، مثل (ديناجو) تماما، وهو يقسم بانه حضر كل أفلام بطله المحبوب ويحق له أن يكتب سيرة ديناجنو السينمائية، دون تزيف أو تزوير، لو قيض له أن يكتبها (لأنه سيحكي لك لا محال، وأنت تصلح السيارة، حكاوي عن بطله)، حتى لا تشعر بالممل، وتضاعف له الاجر، وسيودعك، وأنت تراه من مرأة السيارة الداخلية (ديناجنو حقيقي)، يقف خلفك بطوله الفاره، وتلكم "الكسكتة"، الطاقية من السعف.


سأختم الحكي السينمائي، بحكي شخصي، (ألا نفرح لأننا أبطال حين نشاهد السينما ونفرح ونبكي معهم؟؟)، عن أختي محاسن (في طفولتها)،، والأن ابنتها الكبرى "لم ترى في حياتها شئ يسمى السينما"، بينما هي صرخت ملء فهما، (دايرة مووووزة)، حين ظهرت موزة ضخمة، اصرت الكاميرا ان تقترب من الموزة، حتى صارت أكبر من قارب نوبي، فضجكت القاعة بالضحك من الطفلة الصغيرة، التي سال لعابها.


كما ان أخي (عبدالواحد)، حين كان طفلا (والآن هو مرشد تربوي)، ولى الأدبار في سينما الدويم (رحمها الله)،حين خرج قطار عن قضيبه، وهم بصدم المشاهدين، (وهل يخرج القطار من الشاشة؟)، ولكنها مكر السينما، وسحرها، فأدر أخي الظهر للشاشة، وولى هاربا، حتى وصل (اللوج)، بلكونات درجة أولى، وتنفس الصعداء، وشاهد بقية الفيلم من هناك.


تبسلمت في بدء المقال، بقصيدة شعبية شهيرة للشاعر الشعبي محجوب شريف، وليته قال (مكان السجن سينما)، فقد هدمت أغلبها، وتحولت لموضة الرأسمالية العاليمة، مطاعم وبوتيكات، مكان سينما الوطنية بحري، وتلاشت سينما العرضة امدرمان، أما سينما النيل الأزرق، فقد صارت إذاعة، للمارشات، وفي سويعات من اليوم، وهي كانت سينما النخبة في بلادي، لقربها من جامعة الخرطوم العريقة..


آآآآه، من ازمان الفرجة، أثارها المهرجان المبارك، وأظن ذلك سر السينما، الانتصار على الزمان، ثلاثة ساعات، كأنها ثوان، كأنها لا شئ، وبعدها تسرح الذكريات للماضي، وللسمتقبل كخيال جميل.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.