ويرزقكم من حيث لا تعلمون، بلى، أرسلت خاطرة، أظنها ثلاثة صفحات، عن دولاب أمي، كانت مجرد خاطرة عابرة، صغيرة،، والله أعلم بالغيوب، لحبيبي، محمد الربيع، قبيل سنوات، أتصل بي في جوف الليل، ثلثه الأخير،  "عب غني"، أنا ببكي، ببكي بحرقة، ياخي كيف حشرت الكون كله، في دولاب امك، قلب أمك الخشبي،، هذه رفوف جن، أنها رواية عجيبة.

للحق بكيت معه، في ذلك النواح الليلي، وفي الثلث يرق القلب فطرة، ولكني تعجبت من قولة (رواية)، ماذا يعني؟ هل استرق السمع،  هو الآخر، مع خواطري المحتشدة، المتحفزة، للتعبير عن نفسها، أن تشفي غليلها بأدق التفاصيل، عن مجرد دولاب خشبي، قلب خشبي، بسيط، كان ينبض في غرفة طينية، سقفها قنى، وأرضها رمل ناعم، في قرية، تصلي وتمدح كل مساء، قربها النيل الأزرق يتمدد، في سريره الأبدي، ودمه النقي، بلا لون، ترتع على ضفافه هادئة، راضية، ماعز قرى يهودية، ونعاج مسيحية، و نوق وثنية، وهو ينزلق من عل، عجولا، نحو المقرن، شقيقه النيل الأبيض، يسقيها كلها بلا تبرم.

هذا النيل، سقى الشجرة، العزيزة، الأبية، الذي قطعها النجار، بمنشاره، وصنع منها الدولاب، وضلفه، ورفوفه، وأدراجه الثلاثة، أسفله، فتعود الأمور، كلها، كما حكى قبل قرون، سيدي ابن العربي، لوحدة الوجود، فكأني أسمع خرير الماء في ضلافته، وكأني اسم وشيش الشجر، وحفيفه، في رفوفه، وكأني أشم الطمي في حماه، كل شئ عقد جوهر، في باطن الدولاب.

لم يخطر ببالي، أني أكتب في رواية طويلة نسبيا،  خاطرة كانت، مجرد حنين، ثار ببالي بغته، لدولاب خشبي، في غرفة، أوضة كبيرة، هل أثارته رائحة نشارة خشب، أو جملكة، مررت قربها؟ أوة عطر مكواة؟ أو أوراق رطبة؟ الغريب للغريب نسيب، الروائح تلم الروائح، ولو منذ عاد، للروائح ذكريات، كالعشاق، صنارة تصطاد من نهر الماضي، مهما غار، أطيب السمك، أطيب المسك، أطيب الذكريات، بغته وجدت نفسي طفلا، أحبو قرب جبل خشبي، يحجب الرؤية الرؤى، سوى عن ضلفاته الثلاثة، بلا مفاتيح، حينا تفتح ضلفاته اليمنى ريح الجنوب، وتفتح ضلفاته، اليسرى، تفتحه رياح الشمال الباردة، اليسرى، حين لم يكن في القرية لص، أو محتاج، أو فضولي، تندهني أمي في قلب الليل (يالمبروك قوم أقفل الدولاب)، لا أتواني، أقوم نعسا، بلا اعتراض، أتدرون لم؟ أمشي بخطى الذاكرة، مغمض العين، أقفله، واحشر ورقة بين الضلفة والأخرى، بعد أن ملأت جيبي من بلح في رف أمي، أتعجب وأنا راجع، كيف عرفت أنه مفتوح، وننحن ننام في قلب الحوش، لا يشاك أحدكم الشوكة، حتى أشعر بألمها في قدمي.

كان الدولاب  في عالم في طفولتي، هرما من خشب، شئيا اسطوري، أكبر شئ، بعد قلب أمي، تقع عليه عيني، وأنا احبو قربه، يكاد بصري الصغير لا يطال سقفه المحتشد بالجرادل، والشنط، والكراتين، كان سقفه السماء السابعة، التي ترهق الرسل، والعارفين، فيما ورائها، كان سدرة المنتهى، التي تخلف عنها حتى جبريل، يكاد يلمس سقف البيت ومروقه المصنوعة من جذوع النخيل، وسعفه.

أعضيه، حين أعجز، في صعوده، أقضم من أطرافه بسنوني اللبنية، فأشم روحه، أتذوق جلده الخشبي، أحلم ماذا يأوي في احشائه؟ كان فيلا، كان حوتا أزرق، يسبح في أرضية الغرفة الطينية، في الجدار الغربي، والذي يكاد يملأه كله، سوى حيز ضيق، كأنه مسرح، مسرحية تشاهدها الغرفة، في صمتها، ولغطها، تشاهده الكراسي والعناقريب، مسرح صامت، مسرح الرجل الواحد، العملاق الواحد، مسرح الذكي بالإشارة يفهم.

هل بكيتم من رؤية دولاب؟، وبحرقة كالأطفال؟ كالشعراء؟، أقترب منه، حين كنت أمشي مثل عنزتنا، وقطتنا، على أربع، أرى نفسي في المرآة، ابتسم من هذا الملاك الصغير؟ صديق لي؟ وحينا أغير منه، ألطمه على وجه، فألطم المرآة، وأترك أثار كفي واصابعي عليها، كأني أبصم على صورتي المجهولة، ويظل أثار يدي على المرآة، لاتمسحه أمي، حين تنظف المرأة، كما غطت السيدة زينب، أثار قدم السيد الحسن بكورية الطلس، ليوم الناس هذا، أهرب من طفل ينافسي، أحبو بعيدا عن المرأة ألتفت إليها، أجد يهرب، أرى صلبه العاري، فأضحك عليه، أظنه خاف مني، أو غار أن أنافسه أيضا.

من قال بأن الشمس حين تطلع من الغرب سيكون من إشراط يوم القيامة،  كم أشرقت الشمس من الغرب، في دارنا، تطلع من مرآة الدولاب، ويعم الضياء الغرفة، والبرندة، تدخل الشمس عنق ضوئها من النافذة في الشتاء، فليطم الضوء المرآة الكبيرة، فتشرق في الغرفة ثلاثة شموس نيرة، أحلى ما يكون، شمس من عند الشرق، وشمس من عند الغرب، وشمس من ضلوع أمي، فيعم ضياء الحب البيت، ونرى حتى الخواطر، والأنغام، والعطور، نور على نور على نور، ولم تكن القيامة، سوى قيامة الأحياء والأشياء من سباتها، وركودها، فتلعب ذرات الغبار الماكرة في ضوء الشمس المتسلل من شقاق الشباك، تهرب، وتلف، كنجوم في فلك، دون أن تصطدم، كأن هناك ألف شرطي مرور غير مرئي، بين ذرة وأخرى، في ذلك الحيز، الأضيق من العدم.

كنت أحب شمس الدولاب، أكثر من شمس الأفق، لانها تدخل بيتنا، وتدفئ الدار، كانت هي بطانيتنا، المنسوجة من أعظم قطن في الدنى، أشعة غراء، هي بطانيتنا الأدفأ في العالم، ننام  عراة في قلب الشتاء، ليلا، ويظل الدفء، الذي استودعته شمس الدولاب حوائطنا الطينية، ينفث زفيره الطيب الدافئي، في جلودنا الناعمة، فتقر عيونا، حتى أحلامنا، يرقص فيها لهب الشمس، ظلمات ثلاث، عبرتها شمس الدولاب الغربية، الليل، والحلم، والخواطر.

عيون الطفولة، حكيمة،  ترى الاستحالة، الحبة قبة، لا تبخس للأشياء قدرها،  عيون تتعجب من كل شئ، وتوقره، تشعره بذاته، قيل بأن التواضع، والحكمة، (أن تشعر كل ذات بنفهسا)،  أذن أهناك حكمة أعظم من عيون الأطفال، المندهشة دوما، من كل شئ، كل شئ في نظرها غريب وجديد، العناقريب، أرجلها السمينة، مثل أرجل الفيل،، والحبل، والدولاب الضخم، أضخم كائن في البيت، فيل البيت، بل حوت البيت الازرق، ظله، ضلفاته أشبه بدكاكين، ورفوفه ألف دكان.

تصور طفلا، صغيرا، قزما يقف بخشوع أمام جبل، جبل خشبي، جبل أشم في قبة سماء الغرفة، التي كنت أرها أوسع من قلب العارفين، تلكم القلوب التي وصفها البسطامي ( لو أن الكون، وعشره أمثاله، في ركن من أركان قلب العارف لما أحس به)، تلكم غرفتنا، وذاك دولابنا البني، الأشم، كاتم الأسرار.

كتبته ، كخاطرة، خاطرة باغتني، في مقعد وثير بسيط، هادئ في نادي الجسرة، وأنا انتظر صديقي الغالي، تأخر،كان يركض في الكورنيش، عادة له، قلت فلأشغل نفسي بشئ جميل، وفرض الدولاب نفسه، ولم يكن معي دفتر، بل كتاب، فسطرت الوحي الذي باغتني في الكتاب، بدأت بالصفحات الفاضية الاولى، ثم الغلاف الخلفي، ثم كل صفحة فاضية، أو ربع فاضية، ووصل المدى ان كتبت في كل صفحات الكتاب، وبترقيم غريب، عكس ترقيم الكتاب الحقيقي، فقد تكون الصفحة الخامسة في الصفحة مائة وخمسين في الكتاب، وقد تكون الصفحة المائة، قبل الخامسة، مثل كتاب بورخيس السحري، الذي لا نهاية له، وبداية

كان نادي الجسرة هادئا، إلا من شيوخ كبار، وهو كذلك دوما، الحضور قليل جدا، تقرفصت في احد المقاعد الوثيرة، الحمراء، وشرعت أصغى لصوت الذكريات الأقوى من رعد، وأنبل همس حنون، علو غير مؤذي لطبل القلب، فأصغيت واستمعت، وأرهفت السمع لها، حتى اني لم اسمع صوت هامس (معليش تأخرت عليك)، همس الغالي صديق، صديقب الحبيب، وقد جلس قربي، وقرب دولابي، فأخرجت ليه غيار من الدولاب، ملابس كوتها امي قبل عقود، فقد وصل متعرقا، ومتعبا، من تمارينه اليومية.

تلكم هي الطفولة، وقد تلبسني، ثم سرح الطرف في الدولاب، وأنا اشاهد الذكريات، مثل فيلم قوي الألوان، والأنوار، والروائح، يعرض في سينماء خواطري، أجمل ما يكون..

لم يكن في بالي أني أكتب رواية، مجرد خاطر عابر، قوي، لدولاب قديم، علقنا عليه صور الدحيش والنقر، وسعاد حسني، كل ضلفة تحكي زمن، وفترة، وأحلام، وأدراج أسفله فيها العجيب من أدوات البيت، مفك، شاكوش،  مسمامير، حلق، كتب أدعية صغيرة، والمنجيات، كان قلبا، يطوي حب غير عادي للبيت كله، ملابسنا، المسامير، دهب أمي، ثم صورة أشعتها وقلبها الابيض (حتى في الصور) سرح الطرف في عالم الدولاب، أكثر من سبع فصول، يا حارسنا، ويا فارسنا، ويابيتنا، وملابسنا.

أتمنى أن تجدوا دولابي مرتبا، مجرد فتح ضلافته، تباغتكم رائحة البخور، واشيائكم العزيزة في انتظاركم على أحر من الجمر، فستان يحن لجلد حسناء، ورقص حفل، فانلة تحن لكرة قدم، وقلم رصاص، وبينسة صغيرة، منسية، وعطر، وصورة حبيب، وأم، ممتلكاتنا الصغيرة، الكبيرة، وأن يكون دولابكم جميعا، أسرة واحدة، نضع فيه ملابسنا، وأسرارنا، وتفاصيلنا الصغيرة الكبيرة، أسرة واحدة، الأب آدم، والأم حواء، فإن كان في أصلنا شئا نفاخر به، فالطين والماء.

وان تقفوا عند مرآته الكبيرة، والتي لو حكت، لحكت لكم جنون أخواتي، وبنات خالي، حين يخلو البيت، ورقصهن أممها، وما أصابهن من غرور، وخيلاء، وهن يشاهدن نفوسهن، الباسمة، وأجسادهن الرشيقة في أجمل شاشة عرض، في أجمل فيلم حي، ومباشر، هي مرآة الدولاب.

الجسم، أي جسم، هو دولاب من لحم، تمتلئ رفوفه بالذكريات، والاحلام والغرائز، ليته دولاب مرتب، نظيف، معطر، تعثر النفس فيه على ما تريد دون عنت، أو تأخير، هو دولاب سحري، بداخله الاستحالة، والأكسير، وخاتم المنى، مطبقة ومكوية في رف الحب، رف الجسم كله.

إلى الحبيب، محمد الربيع، الذي يعيش في المستقبل، ويأتي من هناك، ويعرف ما ستؤل له الأشياء، هناك، دوما يسخر من صغائر الحروب الآنية، التي تحاكي غبار الماضي، وليس بريق المستقبل، الذي يسكنه، فقد رأى الرواية، قرأها، هناك،  حين كنت أحسبها خاطرة، ليس إلا، ربما سألني (ستجد وثيقة الارض في؟)، ربما قال لي، ربما..

وإلى الغالي، الغالي الصديق، الذي كان انتظاره مدعاة للتذكر، والكتابة..

أهدي هذه المحاولة، في الحب، ليتني أكون صادقا، فأعظم جرم، أن لا تصدق في الحب، والصدق أن تصدق في مواطن، لا ينجيك منها إلا الكذب، كما قال شيخي الجنيد، منذ قرون، وهدية الحب، هي الحب نفسه، أن تحب، تلك هي أعظم هبة في الحياة.

وأن تجدوا في رف القلب، أعظم فستان للحب، تلبسونه لوقائع الحياة المغنية دوما، في عرسها اليومي، الغريب، عرس الحاضر، والمستقبل، المتجدد، في كل آن، بما لذ وطاب، وعجب.


هامش:
مقدمة رواية ستنشر قريبا، بعنوان: (دولاب أمي)، من سبع فصول، دار أوراق، مصر،  تأليف عبدالغني كرم الله
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.