أحزان حقيبة سفر!!!

2005م

(تجربة أسفار)


بقلم: عبدالغني كرم الله



ارتب في الحقيبة، حقيبة سعيدة، في بطنها بعض قمصان وبناطلين، وأخرى لا تنزال تنتظر، مبعثرة فوق السرير، والمقاعد، هدايا، ووصايا، قطفتهما وأنا راجع لوطني، كما يقطف المحب ورود العشق، من هنا، وهناك، وأنا أتجول في الأسواق، والصيدليات، نشيطا، سعيدا، (ماتنسى تجيب لحبوبتك جزال)، (أنا دايرة عروووسة ياعمي غني) أنها سرووو ، طلب أمي الوحيد دوما (تجبي أنت بالسلامة) مهما ألحيت عليها (أرؤيتي هدية عظيمة؟).

بفرح غامر امتلئت ضلوع الحقيبة السوداء، (هذا سألبسه للسفر، وهذا لعرس سوسن، وهذه الكورة لمدثر، وهذه السماعة لجدي)، سمعة ضعيف، أصرت أختي عليها، أما هو فلا يبالي، يسمع صوت الذكريات القديمة، وكفى، يراها بعيونه الصغيرة، الحانية، أجمل ما يكون، لا يفرق بينها، وبين ما يراقبه  من وقع حياة الدار، حاضر منسوج في قلب الماضي، يسرحا معا، بين ضلوعه النحفية.

كانت الشنطة، عند ركن الغرفة، مليئة، منتفخة، مثل بطن أنثى حامل، حامل بعشرات الهدايا، بل مئات، سلع وكرات وبندول، وفساتين، سلع كانت ميتة في الرفوف هنا، ستنفخ فيها الروح هناك، أعجب ما تكون في قريتي، حتى مدثر، وهو يقفز فرحا، سعيدا، بتسجيل (قووووون، بين شعب الراكوبة)، أراه الآن، من الكرة التي نفختها هنا، هو عجول، ينتظر فتح الشنطة، قبيل أن أصافح أمي وأخواتي، هذا الفستان، سيكون جلدا حي، هو الآخر، لبنت خالي، وهي ترقص سعيدة في أي حفل في القرية، الطبل جالون شل، والمناسبة لا شئ، سوى طلوع قمر السبوع على سماء القرية الآسر.

جسمي هنا، وقلبي هناك، حتى حشرت آخر الأمانات، والرسائل والأدوية، في جيوب الحقيبة الجميلة، المباركة، السعيدة، أنتفخت جدا، بأرجلي عفصتها، وأحكمت أقفالها، وودعت آخر المودعين مع غبشة الفجر، مع وصياهم الشفهية، والمكتوبة، ونمت كالصاح، أو صحوت كالنائم، وأنا أحلم بأهلي، وقريتي، وبلادي، وذكرياتي، أقسم بأني لا أدري، هل هي أحلام يقظة، أم أحلام نوم.

حتى صحوت الفجر، صحوت من يقظة، لم أنم، مضيت للمطار، وألف وسواس ينتابني، هل سأصل؟ أتتأخر الرحلة؟ أيحدث أمر طارئ، أين كانت هذه الوسواس؟ ولم الآن؟ اللهم اسألك السلامة، باسم الله مجراها ومسرها، حتى أقعلت الطائرة، ورفعت رأسها، وتركت مؤخرتها الثقيلة، تلحق بها، فشدتنا الجاذبية لظهور المقاعد، فأسترحنا بعمق، من وعثاء الوداع، والتسوق، ووسواس السفر، الذي ينتاب الجميع، بلا فرز، حتى بدت المدينة تحتي، يا لعجب الحضارة، خدعت كل الحواس، صحراء على مدى الأفق، وفي طويتها مدينة صغيرة، حديثة، متعالية البنيان، كأنها وشم، أو شامة وسط براءة الرمال.

كأني أرى تحتي خيمة جرير، أو ابي العلاء، هي هي، لا شئ تغير، سوى تلك المدن الصغيرة، كأنها هي الكلمة الشاذة، في قلب الصحراء الواسعة، سريالية حاضر صاخب، في قلب الماضي، مطاعم ماكدونالدز، مولات أمريكية، ناطحات سحاب تضج بثرثرة ولغط رأسمالية أسطورية، عمال، أبواب أتوماتكية، وسلالم، موظفين، خادمات، لا يعرفن أي دولاب يلف بهن، وبهم، ولأي غرض تئن الألات، وتحط الطائرات، وإلى أي جيب تصب شلالات ربح هذه الشركات الضخمة، كأنها عوالم كافكا، الشهيرة في نقد الوظيفة، والجلوس في طابق قرب السحب، مسرنم، تأتيك أوراق لا تدري من أين، تصححها، ولا تدري إلي أين تمضي، أنها انماط الحياة المعاصرة، تحس بأنك ابكم، أصم، أعمى، أين المشاركة في العمل البدائية؟ وجنى الثمرات معا؟ أين؟.

ويسرح الطرف في الحكومات،  والرأسمالي الطفيلي، الخبئ، الماكر، وراء هذا الصخب من التعاملات العابرة للقارات، كل هذه الإحاسيس يثيرها "التحليق كصقر"، والمدن تحت، تلم ضلوعها على مستشفى، وسجن، ومصحة، وطرق، ومدراس، فتدعوك بلطف للتفكير، كفيلسوف وشاعر وتاجر، بلا حول منك، أو قوى، سوى بركات التلحيق، بعيدا، قريبا،  من المدينة، وبني آدم، وطقوس حياتهم، مكره اخيك لا بطل، في التأمل، والتدبر.

وطئت أرجل الطائرة تراب بلادي، وأنا أقرأ في رواية صغيرة، موجزة، أسمها "أمس"، فقد عيل صبري، من النظر تحتي، للبحر الأحمر، وجباله.

ولكن!! ولكن!!..
مرت الإجازة كبرق، شهور كما لم تكن،  كبرق شق ظلام الملل، وكعادته، وكغريزته، تلاشى عجولاً، بعد أن أضاء سماء أهلي، وصحبي، وقريتي، بضياء الحنين.

أرتب في ذات الحقيبة،  الحزينة،  هذه المرة، كي تغادر عيوني محاجرها،  قدر ما، يدفعني بعيدا عن سمت الأم، ورائحة الدار، ولغط الصبية قرب الحوش، ودفء السماء في بلادي، حتى النجوم الوضيئة هنا، تحرمني من أنسها في ليالي الغربة، كأن السماء ليست واحدة، وهناك سماوات، فوق كل بلاد، كما هناك بلاد، تحت كل سماء.

كعادة المناخ في بلدي، جور حكام، وفساد ولاة، وأستغلال بسطاء، مناخ  يقسو على البذرة، كي تهاجر أوراقها، وزهورها، وثمرتها، إلى فجاج عميقة، وتبقى ساق عجفاء، بلا شعر أخضر، أو ثمار متوهجة، أنا من تراب هذه الحقول، جسدي يعرف أنه من هنا، وهناك يشعر بغربته، قبل عقلي وقلبي، أحس في قرارة نفسي بغربة عصية الوصف (أهي حنين الجسد لمناخ، وحاذبية شق منها؟ كما يقول أبن خلدون، أن الجسد أبن الارض، التي نبت منها، فهي أولى به، كرحم، وحجر، فوقي شمس نيرة، جافة، وتحتي رمل وحصى وجاذبية أرضية وصفحات من طبقات جيولوجية، مثل كتاب تعرف طبعي، وحلمي)، يقال بأن الأرض تشتهي أنسها، بل تتوق أن يدفن فيها، أي عود لها، كرحم وليس قبر (ألم يقال بأن سرة الأرض أخرجت المعصوم؟) للأرض سرة؟.

أمي وأخواتي، وعشيرتي، ظلال طفولتي،  أموت في قبر المسافات، أدفن في ضريح البعاد، الموت غياب، والغياب موت، ولو إلى حين؟ (كم اشتهي أن اشرب الشاي مع أختي علوية، ومحاسن، وحسين وعبد العظيم، معا معاً معاً)، دعاء بسيط، ساذج، مستحيل، فلم شمل أسرتي، صعب، كأن تعود أوراق صفراء، شتتتها الرياح بعيدا، تعود إلى أغصانها، والرياح لا تزال تولول، مضخمة ساديتها، وتخضر بعشرة الغصون، والجذر الحنون، يمص لها الحكايات، وتسمع الأذن (كيف حالك ياود كرم)،  حرم بكرة معزوم شاي مغربية، قبالة المشروع الزراعي، دراهم هناك، ليس عمي، ولكن كل  القرية أعمامي، وأهلي،  أجلس على محراث حديدي قديم، معهم، تحت شجرة عجوز طيبة،  ونراقب الغروب عند النيل الأزرق، دراهم نهاية الحلة، قبالة المشروع والنيل، والنساء البسيطات، كأنهن حلم، قادمات من النهر، وعلى رؤوسهن القش، والقصب، والحليب، غبار عظيم، تصنعه حوافر المعاعز والخراف، أمامهن، فيبدو المشهد مع ذهب الغروب، كأنه حلم، وزد عليه رائحة البرسيم العظمية، وبلل ندى النهر، العالق في الجو، مع دفء كباية الشاي المقنن، في الفم، ولغط النساء في الدار، وخوار  ثور راضي، وديك نعس.

تمر قربنا، تسلم بطيبة آسرة، فتاة صغيرة، غبشاء، نقية، ضامرة، تركب الحمار، شعاع الغروب يلمع مع عرق عنقها، وأنفها، كأنها من حور سليمان، كأنها لم تكن، وكانت، كأنها ملاك، كأنها مع رائحة البرسيم والطمي، وسرب طيور بيضاء خلفها، كأنها خيال وحلم وذاكرة معا.

أتحشر هذا الوقائع في الحقيبة؟
أم أمضي حافيا، عاريا، كسيرا، دون نيل، ووجوه سمر؟.
أيتها الأستحالة، أيها الأكسير الخفي، أدخلي بيدك العجيبة، الطيبة، هذا الوقائع كلها في بطن حقيبتي الحزينة، حتى الغبار، ووقع حافر حمار تلكم الصبية، وبلل عرقها أريد أن أحمله في غربتي، وأتجمل به في سويعات الحزن، والحنين العظيم.

أعود للدار، ليلا،  غدا مسافر، أحدق بإمعان في كل شئ نفيس حولي، بعر المعاعز، رماله مليئة ببعر الجمال، معزة تحك جلدها بحائط دكان طيفور، سماء تلامس شعري بفتنها، نجوم لا تشع إلا هنا، غريق يتمسك بالعلل، ألا تحدث معجزة؟ يارب المعجزات؟ حياتي كلها أنتظر معجزة، لا من مجيب، أدعوك بحالي، ومقالي أن تجيب، بالقبول، لا الرفض، ياواسع الكرم.

شنطة سوداء، (لا تحاكي عيون الحبيبة، ولا صوت أمي الملي بالحداد فقط )،  بل تحاكي أي غد، تجري ساعاته، ولحظاته، بعيدة عن شمس وطني، ونبضه الفريد...

(ما في داعي للمكوة) هكذا قلت لندى، بنت أختي (فتاة مرهفة جداً، حياتها معجزة، مثل لهب شمعة يرقص واهنا، رغم أصرار الريح الصرصر على ابتلاعه)، فهي مرهفة، بشكل يهدد حياتها، بالموت، أو الجنون، تأسيا بإدريس جماع...(داير شنو تشيلو معاك، فول نبق، ويكة؟) سؤال خالتي فتحية التقليدي، رائحة المكوة، تعم المكان مع الحزن، ملابس مبعثرة في السرير، كجثث لغارة جوية يومية... قمصان جميلة، كفن جميل لجسد سيفارق روحه، بنات خالي جئن للمساعدة، كعادتهن، في السراء، و(الضراء)، الجدران تبكي، المكوة تدوس على كرمشة الكم، بحرقة، كي تسويها،  .. تضغط سوسن الصغيرة على الكم بقوة، ثم ترشه من فمها، من منقارها، من لسان يشق صمت حوشنا كل صباح (كيف أصبحتو ياخلاتي علوية)، أنا غريق، غريق، اتمسك بكل شئ من حكاوي أهلي، أيتها القابلة ارجعيني لرحم أمي، فصرختي الأولى لم تتوقف، ولن تتوقف، بل تفاقمت، إلى أنين وبكاء وجنون.

(قاسي قلبك علي ليه) خرجت موسيقى الأغنية من موبايل (إشراقة)، رنين لمكالمة من أخيها كرم الله، ردت عليه بعبرة وحشرجة (كرم عامل كيف... عبد الغني مسافر الليلة)، ثم أجشهت السحب والأغنام معها، في بكاء كوى قلبي بنار كالجحيم.

دخلت القصمان الحقيبة، كما يدخل السجين الزنزانة، فهذا آخر عهد لها بالإيدي الآدمية الحنونة، وبالطشت، أيدي تغسل الكم واللياقة بإحساس من يغسل طفل، أو يتحسس حنايا الحبيب، ثم تعلق القمصان، كالعصافير على الحبل، كي تنزف ماء الوطن، قطرة قطرة، وتجف من أوساخ وطني وغباره المبارك...

الحقيبة صغيرة، وسأحمل بداخلها نهر النيل، سألفه بدقة، حتى لاتضيع منه موجة واحدة، أو تغرق مركب، أو تختنق سمكة، والقباب لو طأطأت قمتها الشامخة، كي أحشرها مع كتاب الإنداية، وديوان ابن الفارض، وشرائط لسيد خليفة (عند الغرووووب)، لحنه يسكرني، أو لحنها يسكرني، أي الاغنية، ولكنه يمزقني أحيانا في الغربة فلا أطيق سماع بقيته.

مدثر الصغير يلتصق بي، رغم الإغراء الكبير (أمشي جيب صلصة وزيت وشيل الباقي كلو)... أولاد أختي، بل أخواتي، في الغرفة المجاورة، يتحدثون في مواضيع عادية، عادية، (غير عادية، ستحتل مكانها لهجات أخرى، هندية وسريلانكية وشامية) تشعرني بأنني نبات صيفي، ذرع في عز الشتاء....

الحزن كالهواء، يملأ رئة  المنزل، حتى سمية (ذات الثلاث شهور)، حديثة عهد هي الأخرى بفراق جنة الرحم، تحس بي، كانت تبكي بحرقة، ثلاث ساعات لم يتحدث أحد، أمي تخرج وتدخل، للمرة الثامنة، دون أن تلفظ كلمة واحدة، السكون الذي يسبق البكاء، تذكر أمي أخي عبد العزيز، المسافر في تخوم السماء، مع أي سفر لي، سوسن يوجف قلبها، سنة كاملة لن تراني، وهي لن تصحو على مطر بارد جدا، يسقط على رأسها كل صباح، مطر يسقط من كوز، (والله ما بنسمع عثمان حسين إلا معاك)، ثم تمضي مغنية بصوتها العادي (والله كل ما نسمع عثمان حسين نذكر رقدتك و....)، قالت كلمة (والله) بأسى وكبير،  وكأنني قد سافرت، في خيالها، ب(بالفعل) ولي سبع شهور...

دخلت أمي مرة تاسعة، جسمها ملئ بالعرق، خاصة ظهرها، فهو يقابل فتحة في الراكوبة، يكتوي ظهرها بنار الشمس، ونور الحب دوماً، أحس بأني عاق، (بكرة حا أصلح "قد" الراكوبة دي)، وهل يأتي بكرة خالي الوفاض، عزائم، ودعوات، أو كسل، ولكن ليست بأهمية ظهر أمي المكتوي.

طوال الإجازة، أصحو في العاشرة، وفي هذه الفترة، تكون فاطمة بت عبد الله، الصغيرة، قد باعت أكثر من خمس أدوار كارو، وحضر خالي من الحقل متعباً، طيباً، أما أمي، فهي دوما تسبق عباد الشمس، في يقظته الحتمية، كي تعد اللبن للأطفال، ثم تجمع الجرائد، والتي قرأ اخي عثمان صفحاتها السياسية، والرياضية، ومعه قرأت صفحتها الثقافية، فتدسها أمي في فرن الكانون، محاطة بالأحفاد من كل جانب، (في انتظار ان تفور الليبينة)، فتصحو رشا، فتأخذ المقشاشة من ركن الأوطة، وفي انحناءة واحدة، تكنس ما يعادل نصف ملعب كرة قدم.

لا أقوى، بل لن اقدر على وصف لحيظات الفراق، فإذا اتسعت الرؤية ضاقت العبارة، أتجمل بصبر غريب، كل دماء كربلاء سالت من قلبي الصابر.

خرجت من الدار، كان هناك طفل وأمه في فسحة أمام الدار، الخريف زخرفها بما يشاء من إبداعه السنوي الساحر، طفل يجري أمام أمه، ثم يعود لها، يفارقه سنتمرات صغيرة، فيشعر بالوحشة، (بكيت، بكيت، ما أقسى الفراق لو ملمتر عنك يا أمي، وبلدي، وسمائي)، تسمرت أمام المشهد، أنه آخر مشهد، طرف الثوب الأخير لطفل ينزع من أمه، لطفل يغرق في عتمة البعاد، الطفل يجري وراء امه، يمسك ثوبه، ثم تمضي امامه، أم وطفل ومسافة..


ليتني لم ألتفت خلفي، ليتني، رأيتهم كتلة من حزن، هناااك عند الباب الخشبي للدار، لم أفرق بين ثوب أمي، من ثوب خالاتي، وعماتي، وأخواتي، تشابه الحزن علي، من غشاوة الدموع الثقيلة، الغزيرة في العين،  وسرو اللصغيرة، تلوح لي ببطء بيدها، تبكي، وتلوح، كأني غريق، وليس مسافر، وضعت شنطتي (شنطتي المستفة بالحزن، والآلام)، وبكيت، بكيت، بكيت، ومعي ابن خالي بخيت، عباس، يهدهد فيني، وعينيه أكثر بكاء مني، كان أخي، وصديقي، ننام في عنقريب واحد، حتى منتصف الليل، ثم نفترق مع الفجر، أو ننام سويا، ونجتر أيام الطفولة، والدراسة، والمشروع، والمسيد، والاعراس والاتراح.

في البص الوحيد، الأصفر، أتعزى ببعض أحاديث نبوية، عن الرزق، والصبر، آيات قرآنية، أحاديث الصالحين، (رزقك زي ضلك لو خليتو، ما بخليك،) أتذكر في طفولتي، كنا نهرب من الظل، فيهرب معنا، مربوط بأقوى حبل على أرجلنا، كل محاولتنا في أن نفكه، نسبقه، نقطعه، باءت بالفشل،  أهم بالرجوع أدراجي، لأهلي، وقريتي، أن الرزق ظلا، فضوليا، "لميطا"، ولكن توسوس لي الرغبات، والطمع، والاحلام، سفينتي حائرة، وبغته تجرفها أشرعة الرغبات والطمع والأحلام..

أحس بأن الغاية، لم تحترم وسيلتها، كيف تكون الأحزان، والحنين، طريقا للثروة، ووسيلة للعرس، وبناء الدار، وحج الأم؟..

أراقب من نافذة البص أشجار السنط، تسرع، وتسرع،  جماعات، ووحدانا، كلها، نحو قريتي، تجري بشوق، وعجلة، وأنا الوحيد، أسبح عكس التيار، تيار أشجار سنط، نقيضها تماما، أسرع للخرطوم، للمطار.

*******

ركبت الطائرة متجها نحو قبري، تركت ورائي بساطة، تهز أركان الحياة الصناعية الصخابة، المتكلفة، الجافة، العمياء، كنت بطل المسرح، شئ عزيز، تنتظرني إخواتي آخر الليل، تمر أمي على سريري  سبع مرات، وأكثر، وأنا نائم، كي تغطي أي سنتمتر انزلقت منه الملاءة، وتتمتم (أحرسه بجناح جبرين) جسمي هنا، والبرد في قلب أمي، وحين أصحو في العاشرة صباحا، أجد كل شئ أمامي، البسمات، والشوق،  كأني نمت ثلاثمائة عام، مثل أهل الكهف، وأزيد، وليس سويعات، شوق حاااار بعودتي للصحو،.. الشاي واللقيمات والبخور حولي سريري، أصحو في العاشرة ، أو كما يحلو لي، وليس على صوت قنبلة المنبه، في غربتي، وهي تفرقع في الخامسة صباحاً، عابسة، كالطريق إلى العمل، كالزملاء، كالزمن السلحفائي، وهو يحبو نحو إجازة سنوية أخرى، بعيدة.
في شوارع الغربة، لا يأبه بي احد، أين أنا من "أرويتي أعظم هدية؟"، تفرح بي الحوائط، والأغنام، والظلال قبل أمي.

تمثلت ضلوعي الحزينة، بيت المتنبي، أعن هذا يسار إلى الطعان، أعمق ما يكون، فقد كانت لها تجربة غربة مثله، وجرى الحزن لأول آدم، حين سن الطرد من الجنان، أبوكم آدم سن المعاصي، وعلمكم مفارقة السودان، ومدني، والنيل، وصحراء العتمور، ونخيل الباوقة، وحلقات امضبان، وشوارع الموردة، وجبال الدلنج، وحمى ضريح السيد الحسن، وبرد سنكات.
مفارقة، الجنان.

أخرجني، من حزني، حزن أخر،  موسيقى حبشية حزينة، تنبعث من هاتف فتاة صغيرة، حبشية، مؤلفها لاشك، ذاق مرارة الفراق، نغماتها اشبه بسيوف ناعمة، ينزف القلب بسماعها، حين تطعنه سيوفها، وهي تلجه عبر الأذن، عبر الحزن.

دمع قلبي للموسيقى الحزينة، وللفتاة الغريبة، ولي، ولبني آدم، المغترب بعيدا عن جنته الموعودة، وللشعراء، الأكثر منا حزنا.



هامش:
كتب هذا النص بحياة أمي، 2005م، وسافرت هي لتخوم السماء 2009م، وكلما اقرأه، أبكي بحرقة، كأني لم أكتبه أنا، وأتذكر أحزانها حين اسافر، أو يسافر أحد أخواني، محبتي، للجميع، اعتذر إن أثار لأحزان، لكن الدموع يسوع سائل، يلطف القلب، والعظام، فأبكوا، أو تبكاوا، كما قال المعصوم، عليه المحبة، والسلام، والصلاة..


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////