متعة قراءة (عرس الزين)



بدء لابد منه:
اعترف، بأني أحببت عوالم الطيب صالح، لانه أشعرني، بصدق، وحكمة، أن جاري، أي جار، هو بطل، ومن الممكن استلال الحكمة، والدراما، والدهش من وقائع حياته اليومية، كما أشعرني بأن قريتي، التي لا تعرف حكمة اليونان، وجدل باريس السياسي القديم، وتصوف بغداد، كما لا توجد أي إشارة لها في خرائط الأطلس، وكتب التاريخ، والمواقع السياحية، التي يمكن زيارتها، هذه القرية يمكن أن تكون مسرحا، لعمل عظيم، تراجيدي، أو فلسفي، أو شاعري، وصوفي إنساني، كما حدث لدومة ود حامد، وكما جرى لشخصية الزين، التي تكتظ بها قريتي، فخط قلمه العبقري أنشودة للحب، والحكمة، والجمال، لقرية بين غموض النيل، وسر الصحراء، وهي ذات قريتي.

هنا أسطر بعد حروف، عن تلك المتعة المعتقة، متعة القراءة، حين أطلعت على العرس، أو قل دخلت عوالم قريتي في كتاب، فما أعجب الامر، حتى أنبهم الأمر علي، مثل "فراشة"، بورخيس، (التي حلمت بأنها رجل، أو رجل حلم بأنه فراشة)، فهل أنا في العرس؟ أم قريتي، كثيرا ما أكون في قلب عرس في قريتي، وأعرض، وأبشر، فتأتي أمي لتخرجني من القراءة لكوب شاي، فأعجب من الشبه العظيم، وحينا أكون في قلب عرس الزين، ذات عشمانة الطرشة، وموسى الأعرج، ولكن لا أحد يوقظني من حلم القراءة، فأجد أن قريتي عرسا واقعيا، أبديا.

قريتي، التي كنا نحدق في الفصل الإبتدائي، في المدن الصغيرة والريف في خرائط الأطلس، كي نعثر عليها، تلتصق أنوفنا بخريطة السودان والوطن العربي، وأفريقيا، عسى ولعل نجد ولو نقطة صغيرة على النيل الأزرق، مسطور عليها أسم قريتنا الحبيب، ولكن نخفق دوما، نحس بالهوان، فأين (اينما تولي فثمة وجه الله)، أليس فينا؟ (وأنك بأعيينا)، أين خالي الصبور، ويوسف صاحب الكرامات التي تعجز مخيلة ماركيز، فأبنه جرى في مطرة ذكية لم تلمس جسده حتى عاد، وإلى أين أرسله جده؟ إلى المقابر، كي يسأل ميت مدفون،  عن أمانة أودعها أبيه الراحل، فجرى الطفل من المقابر، إلى خور رملي، وحفر، ثم أخرج بقجة، بها دهب، ريالات فضية، وبعض أوراق ثبويته، حتى الأمطار، التي تتخلل الرمل، لم تبل أطرافها، تسكن المعجزة قربنا، وتتقرفص مثل المعاعز الراضية، وهي تهز ذيلها، وتنظر لأطفال (أي الماعز)، أرضعتهم أكثر من الأم، تفطم الأم الطفل بعد عامين، وتظل أمنا المعزة، ترضعنا لبنها، حتى حافة القصر، قصر القبر (الموت في قريتي ميلاد)، حتى جد سعد، لا يزال يرضع من أمه المعزة..

الطيب أشعرني بثراء أي فرد، على البقيعة، على الأرض، وهناك تكمن عبقرية من يعرف كفاءات الناس، ويستلها، كما استلها فتى قريش من الحبشي بلال، وسلمان، وعمر، وكما استلها بوذا، ويسوع من بطرس، وسمعان، وكما استلتها الثورات الشعبية المعاصرة، من شعوب بسيطة، أخرجت نجيب، وكافكا، والطيب، وسرب من طاقات كانت كامنة، لولا نضال نفر، عبر التاريخ، من أجل الإنسان، مطلق إنسان..

إليكم  محاولة، تذكر متعة، قراءة عرس الزين، في قراءته الأولى، في قرية بسيطة، جميلة، غامضة.

(1)

صبح الجمعة، وأنا راقد فوق العنقريب، سحبت البطانية حتى موضع سرتي، فالوقت شتاء، عدلت المخدة، بل أثنيتها، كي يرتفع رأسي قليلا، ويطلع على حديقة فوق صدري، إنها "عرس الزين"، أخرجت زغردوة عشمانة الطرشاء من تحت مخدتي، بدأت قراءته مساء الأمس، الخميس، وبقايا خمره لاتزال في قاع كياني، يدي اليمنى أمسكت الانشودة من طرفها، واليسرى وضعتها تحت رأسي، كي تحرسه من الخطف، والجذب، وتحمله من ثقل متعة أصيلة، تلعب بالرؤوس، كالمخمر المعتق، متعة القراءة!.


أحسست بملمس البطانية ناعما، كالشعر، كنت رائق المزاج، بخمر القراءة، وغبطتها الغامضة، سرت نعومة البطانية من أصابع قدمي وحتى أدق خواطري، النعومة شاعر خفي، والحرير ينظم أعظم القصائد الملموسة..

حتى البطانية، تكاثر فضلها، دفء، ونعومة، وطعم، كلها تموجت في بالي، كبخور ونسيم، يلعبان بصمت وقدسية في معابد روحي، "بخور ونسيم"، "قارئ وكتاب"، في صالون طيني، ذو شبابيك خضراء، قديمة، تصفر شقوق ضلفه بموسيقى حزينة، نبيلة، كما نصفر للحمير، عند النهر، أو الترعة، كي نغريها بالشراب، والري، كالحداء للعيس، فاللحن يغري بالري، أي ري، اللحن الصامت، الساكن، لحن القراءة، فإنه يرش دواخلك بالحنين، بالخيال، بالجمال، بالعاطفة، فتشم رائحة طمي غريب، هي ذاتك المغيبة، في ضجيج المجتمع، وجولان الفكر، بين ماض، وآت!!..

كانت الزغرودة في الكتاب، وفي أذني هي هي، بحاء، خرقاء، لأمرأة طرشاء سعيدة بعرس الزين، صديقها الاصيل والوحيد، وسعيدة بقارئ، طروب يسمع زغرودتها، كما يسمعها أهل ود حامد، في ذلك العرس الاسطوري، والذي تحدثت عنه قرى افريقيا واوربا واسيا، وليوم الناس هذا، فالقراءة للطيب صالح ليس صور ذهنية تخلقها السطور في وعيك، ولكنها حياة حقيقية، يعيش القارى في عوالمه، كما يعيش السمك في الماء،..

كتيب صغير، خفيف الحمل، مسبوك، كلامه بسيط، وعميق، كما تضمر هوية الماء بين الرقة والسطوة، تنعش، وتغرق متى ما تريد، يرق الماء فيشكل سحبا بيضاء، وديعة، تتبختر في فوق المأذن والجبال، والعمارات والشجر، وتغري الحقول بالخصب والنما، ويثور الماء كفيضان، وسيل لا يذر، يجرف الصخور العاتية كقطع الفلين، رقة وسطوة كامنة فيه، أو يتجمد الماء كثلج ضخم، يغرق (تاتينيك)، كهذا العرس الذي يجري أمامي، على مسرح صفحات ورقية، من القطع الصغيرة، 12X13 سم2، "عرس"، عدد صفحاته لا تتجاوز المائة والعشرين، بل بالأدق 112 صفحة، توقفت القصة حين توقف البوح الداخلي له، والتسامر بين الروائي وشخوصه، لم يزد عليه، أو ينقص منه قليلا، ويخون الأمانه، بل سلمها لنا كما هي، كما تسلم القابلة الطفل لأمه، سواء كان قبيحا أو جميلا، معاق، أو سليم، هو هو، تقطع الحبل السري، الحبر السري الذي كتب به، وتسلمه للأم، للقارئ كي تقر عينهما، معا..

وهذا هو الصدق الفني عينه، وقلبه، لا أكثر، ولا أقل، كقشرة الموز، مفصلة على فصها الأبيض، الطاعم، بإتقان غريزي، كامن في بذرة الموز، ما أتقن الأيدي الخفية، والظاهرة في خفائها!!..

(2)


الخوف من رتابة الحياة ما يدعوني للقراءة، الخوف من عالم يحيط بي، كقشرة الموز، عالم يتغير بالعقل، بإملاء العقل، لا القلب، عالم فقد نضارته، وبهائه، وخلق تروس من البشر، تنتج، وتنتج، الأغلبية، وتنعم الأقلية، عالم مرضت حتى مناهجه الدراسية، والفكرية، وحلق بجناح العقل، وترك جناح القلب مكسورا، فبدأ كطائر مكسور الجناح، يتخبط في الطيران، ويلف ويهوي، ويعلو، بلا هدف، أو طريق..

وصار العزاء في الشعر، في الشعر، وبعض الكتب العظيمة، كعرس الزين!!

أقرأ، خوفا من البيئة، وطمعا في عالم حالم، وفطري، كعوالم عرس الزين، وعشمانة الطرشا، والحنين، ونعمة، (اليسوعة السمراء، يسوع في لبوس أثنى، سمرا، بت الحاج إبراهيم..) تلكم الفتاة التي تزوجت فارسها الزين..

3))

يابت وينو أخوك:
سألت أمي أختي محاسن، فردت عليها، وهي تهز حواجبها تعجبا:

مشيت ليهو في الصالون، كوركت بطول حسي:
(تعال اشرب الشالي، قالوا ليك تعال اشرب الشاي)
ولا جاب لي خبر، عاينت ليهو، لقيتو قاعد يقرأ، وشو كأنو ود النعمة، لمن يسوق اللوري في منحدر الترعة، مركز شديييييد، ، شايل كتاب صغير، مكتوب عليهو "عرس الزين"، ومرات يخت الكتاب، ويمسد شعره برأسه وهو سارح، وخته الكتاب في صدرو، وكأنو براقب في سحابة تحت السقف، انا ما شايفها، (ياربي طرش)، ولمن قربت منو، لقيتو بكلم نفسو، (يالله، يال الله،)، ومرات يعاين للسقف قناية قناية، كأنو أو مرة يشوفو.. ياربي جنى،، كوراكي ده كلو ما سمعو، أجي أخوي طرش، استغفر الله.. وجنى، ياود بدر من الفقر...

ردت أمي: كان تهيزي من كرعينو..
هزيتو يمة..
سجمي مالو؟
ردد أختي، بهدوء، ما قاعد يقرأ..
هزت أمي رأسها..
خلاص ودي ليهو الشاي في الصالون...
وضعت أختي الشاي في الصالون، وهزت رأسها، دون أن تتفوه بكلمة، وخرجت وهي مبوزة،...

(4)


ما أعذب القراءة..
أكملت فصل، وضعت الكتاب برفق تحت المخدة، رفعت طرف المخدة قليلا، كي لا يختنق، لويت ظهري، يسارا، يمينا، للخلف، سمعت طقطقة كل فقرة، أحسست ببأنني غريب عن نفسي، أصوات القرية، ولغط خالتي في البرندة كأني اسمعه للمرة الأولى، ضحكات خالتي زينة، وتلحين الشمة لمايدور بين نسائبها وبناتها واحفادها..

خرجت للفسحة..

فسحة بلا شكل، أمام البيت..تمتد حتى... حتى انحدار الأرض نحو تشاد، ومالي، والمغرب، أحسست بأني صغير، بل أصغر، وأصغر، مع كل نظرة، وحين ختمتها برؤية قبة السماء اللانهائية، أحسست بأني أتلاشى، لا شئ، سكر ذاب في الكوب، غاب شكله، وتبقى هويته الطاعمه ذائبة في الكون..

رأيت مؤخرة بقرة حمراء داكنة، ثم ذيلها وهي تختفي أحد الطرق البعيدة..
لم؟
هذا المشهد المبتور، مؤخرة بقرة، ثم ذيل مضطرب، ما جدوى رؤيته؟ أم "إنها الحياة والسلام"..

تنفست بعمق، وكياني غارق في النشوة، وهمست لنفسي، بصوت سمعته أختي (كم رائع منظر القرية بعد القراءة)، هزت رأسها وجرت، رقصت ضفيرتها كذيل البقرة المجهولة ..

حاولت أن أجد في ذخيرتي اللغوية كلمة تليق بالفسحة (دائرية، لا... مستطيلة لا... بيضاوية لا... مبعجة، برضو لا)، أحسست بهوان اللغة، وهوان التعبير، حتى الحب، والشوق، والخوف، هي معاني غريبة، نتكلم عنها، زورا، وبهتانا، مثل الطيور، والزازير، تخال خيال المأتة، شخصا، حقيقي، فتفر منه، خوفا من أن ينحني، ويمسك حصى، ويقذفها بها، ما أكثر الأكاذيب في الحياة، ما أحط التصورات.

الشمس آلت للغروب، متى وصل نهر اليوم للغروب، لقد مكرت بي القراءة، كما مكر النوم بأهل الكف، الوقت أما أن تغرق فيه، أو تراقبه، وشتان بينهما، (لا أمس من عمر الزمان)..أحسست بحنين للضوء، وسفره الأبدي، متى يضع عصا الترحل، تذكرت الزين، والحنين، متى يضعا عصا الترحال، وبادرني بيت قديم لابي تمام، ذكرني بالارض، وهي الأخرى، تجري بسرعة 30 كلم حول الشمس يقول شطر البيت الاخير (فظهور العيس أوطاني)..

ياله من ترحال للجبال ومقابر البكري، والنيل، وهي تمضي ظهر الارض العجول، وهي تسعى لأجل مسمى، من سماه؟ ولم؟ ومن اختار لها هذه السرعة (30كم ثانية)، ..

ماهذه الغبطة التي تخلقها القراءة في المرء،
في القرية
في أصوات أهلي..

رثيت لأبي تمام، (ظهور العيس وطنه)، بل غبطته، في دنيا (تتغير، ودنيا أدمنت عشق الثوابت)..

هل أنا داخل الرواية، أم خارجها، لست أدري..


(5)


ترك!! كلية العلوم بعد أن أكتشف أن اجتياز السنة الأولى المؤهلة لكلية الزراعة يتطلب تشريح حيوانات!! التجارب..

(عن الطيب صالح)
مجلة المجلة "عدد 1516"
(6)

(قصة بسيطة، كتبتها ببساطة شديدة "جدا"، وهي تعبير عن "حنين" للبيئة، ومحاولة لاستحضارها)..

فقرة من حديث للطيب صالح، وهو يتكلم عن أول قصة كتبها، عام 1953، عام غربته الأولى، عن قصته الأولى(نخلة على الجدول)

(7)

حتى إذا مخض الله السنين لها *** مخض الحليبة كانت زُبدة الحقب
بُصرت بالراحة الكبرى فلم ترها *** تُنال إلا على جسر من التعب
أبي تمام

وكذا كان يكتب الطيب، بمهل، وصدق، وجسر من تعب، كي يهب نبيذ فعله على دن الكتب.

(8)


(في أمريكا، كنا نلتقي سويا في شقة صديقنا الفاتح إبراهيم نسمع أشعار السودان وأغانيه، ومدائحه، ونضحك كثيرا، ونبكي أحيانا، وقد دفعنا الحنين يوما أن غنينا أغنية سودانية لحسن عطية، في المركز العربي بواشنطن، وعجب الناس أن يروا مؤلف "موسم الهجرة إلى الشمال"، يغني بصوته الجهوري المميز، وقد نسى نفسه، يغني بصوت منطلق وفي محبة غامرة وقد نسى نفسه والعالم حوله، حتى وقف الناس يهللون ويصفقون)



إبراهيم الشوش(لعبة الموت مع الطيب صالح)، مجلة المجلة، بعد رحيل صديقه..



عبدالغني كرم الله
فقرات من ورقة قدمت في ورشة لأدب الطيب صالح
الدوحة/قطر، الحي الثقافي




عبدالغني كرم الله [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
///////////