عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.





بقلم، عبدالغني كرم الله

الكرة تجري من قدم أردليس، صديقه في الجوقة، نحوه، تفرد أجنحتها بشاشة به،  سحبها إليه، كأنها غابت عن مكر قدميه شهرا، وليس ثوان، شوق وتوق فطري، بينهما، لم تكن كرة جلدية!!، لم تكن ريشة فنان، كانت أكثر، وأعمق، ولم تكن قدمه، سوى عقلا، وخيالا، سكنت "كدارة بلاستيكة".

الفتى ديغو مارادونا، في خلوة وصال معها، قيس وليلى، هدأ من روعها، ضمها بحنو لقدمه، استكانت وادعة، واثقة،  ستحقق كل ما تحلم به، وتريده غرائزها الباطنة!!.

مضى بها، هي تحته، وبين ضلوعه، معا، كأنه وحده في الملعب، أمير في عرش النجيلة الخضراء،  خطوات نبيلة، ثملة، قدمه اليسرى، تنقرها كوتر، كثدي تداعبها ، دخل الناس حوله، في حلم، وهم في بركات الصحو، من عجب توغله في أرض الشعر، أرض الخصم، حين تكون المعجزة واقعا، متوقعا..

انتشت الكرة، تجري بلا نعل، سعيدة، مطيعة كبخور أمامه، تنفس عن مكبوتها للمجد، والرقص، استحالت بين قدميه إلى جوهرة، كائن حي،  مكور، يمتلئ جوفه بالروح، والمكر، والهواء، (كرة جلدية، أم جوهرة جلدية بين قدميه الحالمة؟)..، وشائج عشق غريبة بينهما، يحبها، وتحبه، تبدئ مفاتنها، وتظهر روحه الشاعرية، تتحرك تحته كنغم موسيقى، لا أقل، ولا أكثر، ، مزامير، وحلم ، ونجوى تعزف بقدميه.

الكرة الأرضية، الكوكب الطيني الضخم، يراقبه، على مدرج أمم متحدة حقيقي، بشرهم حدسهم بأن في الأمر أعجوبة،  أبن الأزقة الفقيرة، يجري بالكرة الجلدية، كتمت الكرة الطينية أنفاسها، هي الأخرى، لكرة جلدية صغيرة تحت قدمي شاعر عظيم، الكون كله ينظر الآن للكرة الجلدية، وحدة جود، وشعور لأفئدة بني آدم، تسر ابن العربي، وسربه، وحلمه بالإخاء الكوني، يركض بثقة تبوح بأسرار، تدرك بالحدس، بأن في الأمر أمثولة ستلد اليوم، بل بعد لحيظات، أمسكت شعوب الكوكب الأرضي، الغارق نصفه في الليل، والنصف الآخر في النهار، وأطرافه غروب ساحر وشروق جديد، انفاسهم، وهم يرون فتى احياء بونيس ايرس القذرة،  يسعى في الملعب، راع ونعجة حبيبة، طيعة، وحيدة، مكورة،  بلا قرون، أو ضرع، ولكنها تدر، أعظم حليب، يرشف بالعين، والقلب !!... 

لا صوت، بالمعلب، أو خارجه، 120 ألف متفرج، ومليارات المشاهدين، غرقوا في معاناة تأويل ما سيكون، لحظة إطراق كونية، في المدرجات وفي البيوت المسمرة على شاشة صغيرة، أو كبيرة، لأعجوبة، ستبوح بها قدميه الذهبية بعد قليل، نبأ عظيم، سيهز أفئدة الناس، فقد كان يجري في أرض أخرى، إرادة أخرى، خيال آخر، عصي الفهم، والاستعياب، حال من العشق، مقام من الموهبة الفريدة، جعلت الفرق بينه، وبين اللاعبين معه، أو ضده، كالثرى، والثريا، لا يعرف الشوق، إلا من يكابده، كائن آخر، ثملا بالموهبة، بالشعر، كان هنا، وكان هناااااك، في كل مكان، يخلق فيه الشعر، وصوره الذهبية، وبروق أثر ومضه في النفس، أيتها الكرة الجلدية أنت شاعرة عظيمة، بين قدمي ماردونا..

بؤرة الوجود، قلب الكون، في قهاوي القضارف، ومستشفيات الكنغو، وقطارات الأرجينتن، يزين شاشات التلفزيون، شاعر هندي عجوز يسكن إهاب الفتي، جده امبرتكو أكابال، الشاعر العظيم، أحال ملعب إستادو أزاتيكا في مدينة مكسيكو سيتي، إلى مسرح يوناني عتيق، حوار بين مواهب وعقول، وإرادة..

أمامه 60 مترا، رحلة حج، بين البدء والمنتهى، أنساب بحدس غريب، يتهكم من الخصم بطريقة سقراط، الكرة تحت قدميه، كاهنة دلفي  لاتعرف ما يخبئي الفتى الارجنتين الفقير، من مكر، ومرواغة، لا يؤمن بالمسلمات، يبتكر وهو في حجه الطويل نحو المرمى، أخيلة فريدة، وفهم شامل لمواقع النجوم في الملعب، والسماء، لا يشغله خصم عن فن، وسرعة عن أتقان، ووارد عن وسواس، جسد قوي، ماهر، لين، كما لو أنه خلق من الشعر، نسجت جوارحه من رشاقة الغزال، ومكر الثلعب، وسرعة الفهد، وقوة الأسد، وعين الصقر، وروح شاعر هندي أحمر، ورثها جسده الماهر، كي يجسد أعتى الخيالات، وأغربها، ومستحيلها..

يخطو كمفاجأة متجدد، وقوة، وإرادة، ومهارة، مسكونا بتلك اللحظيات التي تدرك أواصر القربى بين الفكر الازلي، والحادث، وأنوار الكواكب، وأيقاع الحياة، وحركة الارض، وقلوب البشر، ذلك الومض، الذي يشع في الجسد، ويرفعه من قبور العادة، لحياة النشوة، وجوهر الحياة، كوة تطل على الماضي البعيد، والغد الأبعد، مستلهما علاقة كل شئ، مع كل شئ، كائن بائن، يدس ذاكرته في الماض، وحلمه في الغد، ويراهم كنهر مسجي أمامه،  ويحيل جسده مجرد ذبذبة فكر، وعشق، يتضوع أكسيرا، وخاتم منى، وشفافية، وروعة، ودهشا...

بداخل الفانلة الزرقاء، وخلفها رقم "10"  أناء حي، بوتقة فكر، ومنارة وعي ساطعة، محتشدا بالذاكرة والخيال والإرادة والعاطفة، والتحدي، تغني روحه أحلام التحدي، والثأر الخلاق، بوعي لما يريد، ولما يرغب، بذهن حاد، يدرك اللحظة المقبلة، كسهم ذكي، جاء من وتر الماضي ، ويسعى لكبد الحقيقية، يريد أن يذل الانجليز، وينتقم لدماء فوكلاند، هذه، بتلك، أطوار الثأر الخلاق، الجنرال ماردونا، يهزم عسكر الانجليز المدنيين، لوحده..

أنطلق من نصف معلبه، سرت في  الكرة الطينية، ذلك الصمت الذي تسمع فيه حركة إبرة الساعة اليدوية، كأنه رعد، وضربات القلب، كأنها قنبلة أنفجرت، أمسك الناس انفاسهم، لا شهيق أو زفير، بل كرة تخضع لبهلوان ماكر، يفكر أسرع من الآخرين، بل أعمق، وأجمل، وينفذ ويمارس ما يبوح له خياله الكروي العجيب، مستلهما ما سمعه وورثه من حكايات واساطير الهنود الحمر العجيبة،  غارق كفنان فيما ترسمه ريشه قدمه بالكرة، يرسم خطط عسكرية مباغته، على ضوء تأمله لنيه العدو، ويباغته قبل أن يرمش له طرف، غزال أمام سلحفاة، وشاعر أمام عالم، إيها المنكح الثريا سهيلا؟!! بربك، كيف يلتقيان!!..

لا كاهن، أو عراف يقرأ خطواته المقبلة، يبتكر طريقه بجدة، لم يسبقه خيال عليه، أو ذاكرة، يرسل نفسه بعيدا عن ركام العادات والتقاليد الكروية، "أن يكون نفسه، وليس غيره،"، بارع، يحبس الأنفاس، بجدة متناهية، لم تلد، أو تولد سوى الآن، الآن!! ماثلة تخرس ملايين البشر، وكان سلامها توديعا، كبرق عجيب، يضئ حنايا الكوكب كله، بالمدهش، الذي لم يمور بخاطره، أو تجتره ذكرى...

الآن في نص الملعب، بل زد عليه قليلا، بشكله الكاركاتوري القصير، بارز الصدر، وأحدب، الصدر، يبدو جميلا، أمام عيني أمه،  أمه هؤلاء المتفرجين كلهم، في الملعب، أو شاشات التلفزيون، المحبة ترى جوهر الاشياء،   تزخرف كل شئ، سحب الكرة، ثم ربطها بحبل غير مرئي برجله، بنى قلعة خفية حولها، عين زرقاء اليمامة لن تبصرها، ثم مضى كملك، على سجاد أخضر حي، كعازف، كعبقري، كأنشتأين، "يدرك قوانين الضغط، والاحتكاك، والقوى ورد الفعل"، في زمن يخرج عن التصور..
امامه مساحة خالية، لا أدري ماهي اللغة التي يتفاهم بها مع الكرة، إنه من قبيل سليمان، ينقرها وهو مسرع نقرات عجاب، برفق وتأني، مع سرعته الفائقة، كأنه يقرفها، كعازف ينقر الوتر لخلق نغمة لا تزيد أو تنقص فتفسد اللحن، يضربها بظهر الحذاء، حيث السيور، كأنه يمسد ظهر حبيبة، أو يمرر على عنقها ريشة حمام وهي غافية، حالمة، يالها من علاقة عصية الوصف بين قدمه والكرة، سر بينه وبين الكرة،  لا يعرفه إنسان ليتوقعه، ولا خصم فيدركه، يدفرها امامه كراع ونعجة يتيمة، كشاعر وقصيدة، تحس برغبة الكرة في اللعب معه، تبدو كطفل يتشعلق على ظهر أبيه، تعرفها، يعرفها، يعرف جوهر حركتها، وقدرتها، ونبض قلبها المكور، ويعرف رغبتها في معانقة الشبابك، كما يرغب الأطفال في التهام الحلوى، أمام اب كريم، رحيم، وقادر، لا يرفض لهم طلبا..

هو والكرة، لا أحد معه، هو في واد، واللاعبين في واد آخر، كان في تلك الحالات  العجيبة من التجلي، حين تحس بأن الكون كله في راحة يدك، كما أمر المسيح البحر الهائج فسكن كطفل، (سلطان النور على الظلام، تلك الغريزة الفطرية للشمعة في دحض فلول غبشاء)،  جرى كإعصار مباغت،، واجهه لاعب انجليزي، طفل أمام حاوي يخرج الفيل من كمه، والأرانب من اذنيه، والخريف من رجليه، والسحب من كم قميصه، وفي آن واحد، تذبذبت عيناي اللاعب الانجليزي كفأر خائف، كل توقعات الطقس لا تنفع معه، تركه مذهولا، أمام معادلة في الفيزياء والخيال والقدرة، صعب فهمها أو هضمها، إلا بعد لحيظات من  حدوثها، (أين اختفى ماردونا)، هكذا ثارت خواطر اللاعب الانجليزي، لم يجده امامه!!، وحين نظر خلفه، وجد الإعصار تجاوز أكثر من ثلاث لاعبين أنجليز، وهو في طريقه لحارس حزين، شقي، رمى به القدر أمام الإعصار ، ومباغته الشعر والشعور البكر، السعيد، والمشرف على الموت،  لا يتفاهمان..

حاوي، غجري، يرقص في الحبل، وهم يترنحون في الطرق الوسيعة، بعيد تسجيل الهدف، والكرة في طريقها لمعانقة الشباك ، رفع ريشه رجله من الكرة، بعد أن أ كمل رسم لوحة الجوكندا، بأبتسامتها الساحرة ليوم الناس هذا، وتبختر عزا، ومجدا مع ملايين المعجبين،،!!..

كأنه استخدم وشم تشي جيافارا المرسوم على كتفه الأيسر، تعاويذ الهنود الحمر، قرأ في تلك اللحظة طالع النجم والأفلاك، أنها يأتمر بها الآن، بمواقع النجوم، فتشبه بالبخور، في رقته وسحره، كائن بلا عظم أو عمود فقري يسعى في الملعب، بخور يشم ولا يقبض، مضى كملك على سجاد أخضر حي، محروس بدعوات حواري ارجتنينا، وقلوب ذات غصة في جرح فوكلاند، يرتدي القميص ذو الخطوط الزرقاء والبيضاء، الماء واللبن، الفطرة والعلم...

لامست الكرة الشباك،  اشتعلت المشاعر،  وببساطة محكمة، نسخت أعتى الأعراف، والفوارق كأنها أكسير حر، أغرقت الكوكب كله في ثمالة الفرح، ما أغرب المشاعر، واحدة على اسارير البوذي، والمسلم والضال، تداعت النشوة، كأنها تصغي لحكاية "وحدة الوجود"، كمسلمة فكرية، وروحية، وإنسانية، صبي ميكانيكي في ساحل العاج، ومريض في مستشفى منتفيدو، ومسافرين في قهوة في طريق القضارف، كلهم قفزوا، للأعلى، تكاد تقسم بأن لحظة تسجيل الهدف، لم يكن أحد يمس الأرض، كلهم حلقوا في السماء، كالطيور، والشعراء، والعشاق، صار الكوكب روضة أطفال، أطفال بين سن السابعة والسبعين !!، 

إنها مجرد 60 متر، فقط، تجلت فيها قدرة الجسد الإنساني، وبكنوزه العجيبة (العقل والقلب)، خلق متعة، شعورية، تشئ، بمواهب الجسد العريقة في الرقص، والفكر، واللعب، واللهو، وسرب أخر، من صفات ثمان، واسماء حسان، كامنة فيه كمون النار في الحجر,,,

هاهي، كرة جلدية منقطة، كجلد فهد، تتهادى، كهدف ذكي، مرسوم، وكرة طينية، منقطة بطيف من شعوب، ثملة بالفرح،  تسعى في فلك لانهائي، بسحر فيزيائي، وفكري، وروحي لا يضاهى، ما أعذبهما..

شكرا ماردونا، شكرا ميسي، شكرا، لكل خيال فنان، في لبوس قدم، وكرة جلدية، طبتم عشاق كرة القدم الجميلة..