د/محمد المجذوب استاذ الفكر السياسي جامعة النيلين

https://www.facebook.com/muhammad.almajzoub
من الملاحظ إن النخب السودانية, بمختلف أيدلوجياتها قد راهنت على أهمية نظام الدولة الحديثة, كمرجع و"مثال" أساسي لإصلاح الأوضاع الاجتماعية والسياسية، بغية إحداث التنمية والنهضة الشاملة فيه, دون مراعاة للخصوصيات الاجتماعية والسياسية السودانية...الخ , فكان أن استلهمت النخب السودانية مؤسسة الدولة الحديثة كنظام عام للسياسة, بالمحاكاة للنماذج الغربية بفعل الاستعمار, وذلك بالرجوع الإجباري, إلى النماذج الغربية المنشأ المنبثقة عن التسوية السياسية للمجتمعات الصناعية الغربية ليتم بها تغليف انساق اقتصادية وسياسية كانت تحتاج إلى سياق "مسودن" من التنظيم السياسي, فنشأ عن ذلك نوع من الازدواجية والتناقض وعدم التجانس بين انساق الدولة السلطوية وحاجات المجتمعات السودانية.
فكان أن تمت عملية نقل بنية دولة الحديثة "دولة ما بعد الاستقلال" إلى المجتمع السوداني, والتي جاءت مرتبطة بالترتيبات الاستعمارية, التي تريد أن تجعل من المجتمع السوداني, تابعا للعالم الغربي المستعمر وربطه بالسوق العالمي, فهي أي الدولة , قد أنشئت لخدمة الدول الاستعمارية منذ البداية، والهدف منها هو ضبط المجتمع السوداني وتوجيهه, لصالح الخارج ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، فكان نتاج ذلك أن انحطت البني الداخلية, التي كانت تقوى وتوجه النشاط الاجتماعي والديني والتعليمي والخدمي لإفراد المجتمع السوداني, وإذا وضعنا في الاعتبار الانحطاط الناتج عن الضعف الثقافي الخاص به ما قبل الاستعمار, لهذا ولغيره نجد أن الكثير من المجتمعات السودانية, لجأت إلى هيكل الدولة ليتكفل بتوفير احتياجاتها, فتغيرت عندئذ وبصورة كاملة وظيفة السياسة وفلسفتها فبدلاً من قيامها بمهمة توجيه وهداية المجتمع السوداني وهدايته, انقلبت وظيفتها إلى إدارة وكفالة احتياجات الأفراد والجماعات, فأصبح الأفراد شيئاً فشيئاً عالة على جهاز الدولة, وتحولوا من عيال "الله", إلى عيال جهاز "الدولة" التنظيمي, الأمر الذي يجعل المصالح العامة للناس تترابط بشكل هرمي, يتحول معه المتنفذون في أطر الدولة إلى "معابد " يقصدها الناس لتمام مصالحهم, عندئذ غاب العدل ويختل نظامه, كما هو الحال مع دولة الإسلاميين في السودان, وبالمقابل فان بناية الدولة التي تكونت, أصبحت ذات نفع عظيم بالنسبة للشرائح والفئات, التي استطاعت وتستطيع الاندماج فيها وتنمو بداخلها, لاسيما الشرائح المتعلمة تعليماً "حديثاً" والتي شكلت المكون الأساسي لهيكل الدولة وللسلطات الحاكمة في المجتمع السوداني, مما أوجد أوضاعاً متناقضة ومختلة.
كما كانت نتيجة ذلك أيضاً, إن البنية السياسية والسياسية للمجتمع السوداني, والتي كانت تتجسد نظرياً في بني سياسية مرنه ومتنوعة وتقوم بالمطلوبات العامة, تحولت مع بنية الدولة السلطوية إلى شبكة رسمية من العلاقات تقوم على رأسها موظف ووظيفة, وذلك باتساع مجال علاقاتها الإدارية الرسمية على حساب العلاقات الدينية والروابط والمسؤوليات الاجتماعية لإفراد المجتمع. وما كانت توفره هذه الأخيرة من حماية وتعاضد وصلات بين الأفراد، فأصبح الأفراد والمجموعات أكثر فأكثر عالة على بنية الدولة بعد أن تفككت بنية المجتمع وصلاتها الداخلية بعامل الاستعمار وبعوامل الانحطاط السابقة له,
إن الملاحظ أن النظام السياسي في السودان, ومنذ الاستقلال وخاصة بعد تطبيق الحكم الاتحادي اللامركزي, إبان فترة الإنقاذ قد تضخم بصورة كبيرة, تفوق قدرة المجتمع على تحمل مطلوباته الفكرية والاقتصادية والسياسية, كما انه وبمرور الأيام والأعوام, فان النظام السياسي للدولة, تتحول إلى أداة سلطوية عملت على الهيمنة الكلية والشاملة على أوجه الحياة السودانية, وهو النظام الذي لم يأتي بطريقة مشرعة تعبر عن رضا الشعب بل وانتهي إلى مؤسسة منتجة للعنف ومحتكرة له ومتسلطة في النهاية على المجتمع في أحوال كثيرة، فتتعقد الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية أكثر ما تتبسط, فضلاً على إن النظام السياسي سرعان ما وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع القيم والقوي الاجتماعية المحلية الغريب عنها فلسفياً وقيمياً, وهي القوي التي جئ بالنظام السياسي ومؤسسته بغية إصلاحها ونهضتها. وإزاء هذه الأوضاع المعقدة فان ما يحدث هو إن الدولة الناشئة "تحت التأسيس", تبدأ في الاهتمام ببناء جهازها العسكري والأمني, بدعوى حيوية بقائها لضرورات حفظ الأمن والنظام ومواجهة القوة العسكرية المتربصة في الخارج والمتمردة في الداخل، وقضاء حوائج الناس, وهو أمر حيوي ولا شك, ولكن الجهاز الأمني والعسكري المتجدد بدلاً من أن يكون درعاً واقياً للمجتمع، فانه يتحول إلى قوة حماية لمؤسسات النخبة الحاكمة في مواجهة مجتمعها، التي هي بصدد حمايته, ويحرمها من ثم من الحرية والإرادة والإبداع, فتبدأ الكثير من القوي السياسية والاجتماعية في التذمر والشعور باتساع المسافة بينها وبين الدولة لاتساع المسافة بينها وبين النخب الحاكمة سلفاً, والتشكيك في مشروعية حكمها, فينتهي الحال إلى فقدان النظام السياسي نفسه للشرعية في نظر الكثير من تلك القوي السياسية والاجتماعية, وتغيب عندئذ فكرة الثوابت الوطنية العامة والخطوط الحمراء, ويرتمي بعضاً من أبناء الوطن في أحضان الأعداء والصهيونية العالمية, وتتحول علاقاته مع الدولة إلى صراع مدمر لا يبقي ولا يزر, وبالنتيجة تقع ردة الفعل برفض مؤسسة الدولة من أساسها، والدعوة إلى القطيعة معها والتمرد عليها، مما يعمق الصراع الاجتماعي والسياسي بين مكونات المجتمع، وبالنتيجة تتعطل وظيفة النظام السياسي ووظيفة المجتمع معاً.
وهكذا يكون النظام السياسي والصراع في السلطة عليه, احد أهم العوامل التي تعمل على تفكك الدولة السودانية, إن لم تكن العامل الرئيس, وهو الوضع الذي أوقع الواقع الحياة السياسية السودانية ويوقعها في إشكالية الحرية والنظام، والشورى والوحدة ومراحل الانتقال, وغياب العدل الاجتماعي, واكتساح القيم المادية في الصراع والأنانية والنفاق السياسي, وإقصاء الآخر...الخ. ويرجع ذلك في نظرنا إلى عدم الوعي المتكامل للنخب السياسية السودانية وفي مختلف ألوان طيفها السياسي والفكري بلا استثناء, للسياق الثقافي والاجتماعي للسودان وللظروف التي نشأت فيها الدولة الحديثة في الخبرة الغربية, فتم تبنيها بلا تحفظات مهمة. في حين أن علاقات السلطة ووظائفها يجب أن تكون مستصحبة للقيم التصورات السائدة ومجسدة للحاجات والابتلاءات السياسية والإنسانية للمجتمع السوداني, وبالتالي تتطابق حدودها مع هذه التصورات، بحيث تشكل كلاً واحداً منسجماً تماماً في جميع عناصر ومؤسساته الثقافية والاجتماعية والسياسة...الخ.