فـلسـفـة الـزوجيـة فـي الإسلام دراسة في أصول الاجتماع الإنساني وقـضـايـا المـرأة المعاصرة (1/10)



إن كل ما عُرض من أطروحات في الفكر الاجتماعي الغربي ،حول "الزوجية" لم يكن ضمن إطار أخلاقي وفلسفي شامل ومتكامل وقابل للتصديق، بل كان مجرد افتراضات منفصلة مفكّكة تعبّر عن مشكلات اجتماعية منفردة أو عمليات تحليلية وصفية تغلب عليها النظرة الجزئية. وحتى إن الأفكار الغربية التي نهضت إلى مستوى النظريات كانت تحتوي الكثير من النواقص والفجوات المعرفية، بل التناقض والاضطراب، إذ لم تستطع تستجمع عناصر لنظرية اجتماعية شاملة ومتكاملة تهتمّ بتمييز حقوق الفرد والجماعة. فكانت أغلبها وصفية تحليلية أكثر من كونها نظريات تأسيسية فلسفية إلزامية. فعلى سبيل المثال فان الاعتراف بأن المؤسسات الاجتماعية توفيقية لا يقدّم لنا محتوى إلزامياً يشرح هيكلية تلك المؤسسات ودورها في أقامة نظام الحقوق والمسئوليات الزوجية. إذ كيف يتم إلزام الزوج بالنفقة والصداق والسكني وكيف يتم توزيع الثروة "الميراث" في مؤسسة الأهل ؟ ومن الذي يضمن ويحدد طبيعة انتقال الإرث من جيل لآخر في الأسرة الواحدة ؟ ومن الذي يتولى القوامة في الزوجية ومن ثم يتولي الولاية الشرعية للأبناء ؟ وكيف يتم تحديد دور المرأة كزوجة أو كأخت أو كبنت أو كأم في المؤسسة الأهلية ؟ كل تلك الأسئلة ونحوها كثير ،لم تجب عليها أياً من النظريات الاجتماعية الوضعية بصورة نهائية والتي يلاحظ ضيقها وعدم استيعابها لمشاكل الحياة الإنسانية في الزمان والمكان.
ولا يستثني من ذلك حتى الاتفاقية الأخيرة الصادرة من الأمم المتحدة حول القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، CEDAW  ، فقد جاءت المادة الأولى من الاتفاقية لتعطي تعريفاً للتمييز ينطبق على نصوص الاتفاقية جميعاً، حيث يشمل التمييز ضد النساء كل تفرقة أو اختلاف في المعاملة، أو استبعاد، أو تقييد يتم على أساس الجنس، ويكون من آثاره أو أغراضه النيلُ من الاعتراف للمرأة، على قدم المساواة مع الرجل، بالحقوق الإنسانية، أو التأثير على تمتعها بالحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية وأية حقوق أخرى، أو يكون من شأنه أن يمنع النساء من ممارسة الحقوق والحريات الأساسية، بغضِّ النظر عن الحالة الزوجية. والمعني إن هذه الاتفاقية التي هي من أجل مكافحة التمييز ضد المرأة والمؤلفة من مواد تهدف إلى اتخاذ تدابير خاصة بغية إيجاد مجتمع عالمي، تتمتع فيه المرأة بالمساواة مع الرجال مساواة فعلية، إضافة إلى المساواة القانونية في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية والثقافية والأسرية، في الحياة العامة والخاصة، مجتمع يُزال فيه التمييز القائم على أساس الجنس؛ كما تطالب الدولَ الأطراف أن تعترف بإسهام المرأة الاقتصادي والاجتماعي في الأسرة، وتشدد على أن التمييز سيعوق النمو الاقتصادي والرخاء، وتؤكد على ضرورة حدوث تغيير في المواقف من خلال توعية الرجال والنساء على السواء بقبول المساواة في الحقوق والواجبات، والتغلب على الآراء المسبقة والممارسات القائمة على أدوار جامدة لا تتغير.
إلا إنها اتفاقية تفتقر إلى منظومة أخلاقية وفلسفية تشرح أبعادها وتعطيها سلامتها المنطقية وإلزاميتها الأخلاقية فضلاً عن القانونية مما يضعف كثيراً من القيمة العملية للاتفاقية ،وهو التقرير عينه الذي انتهت إليه ديباجة الاتفاقية فعلى على الرغم من الجهود التي بذلتها الأمم المتحدة نفسها من أجل مساواة المرأة بالرجل فإنه لا يزال هناك تمييز واسع النطاق ضدها، وأن هذا التمييز يشكل انتهاكاً لمبادئ المساواة في الحقوق واحترام كرامة الإنسان وعقبة أمام مشاركة النساء على قدم المساواة مع الرجال في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية في دولهن، ويعيق نمو ورخاء المجتمع والأسرة.هذا على الصعيد العملي أما على الصعيد الفلسفي فان سقف الاتفاقية منخفض جداً حيث لا يطمح إلى ما وراء "المساواة" الصورية والشكلية بين الزوجين ولكنها لم ترق إلى التأسيس المتماسك للواجبات والحقوق داخل مؤسسة الزوجية كحق النفقة والسكني والحماية والصداق والميراث ...الخ ،فضلاً عن تمسكها بغير ميدان للفاحشة الذي يفسد الحياة الإنسانية.فهي بهذا المعني اتفاقية ظالمة للمرأة في أهم بنودها،بالمقارنة بما جاء به التصور الإسلامي من نظام للحقوق والواجبات الزوجية.
من هذا المنظور فإن تدشين التصور الإسلامي للزوجية، وما يتضمنه من مشروع إنساني، مستوعب ومتجاوز للمشروع الوضعي ونموذجه الاجتماعي - أمر لا بد له أن يتم من خارج الإطار المعرفي الغربي نفسه، وأدواته في التحليل والتصور والتصديق. كما لا بد أن يتم منعتقاً من ثقل الواقع المنحط الذي تعيشه الأمة الإسلامية اليوم ، واقع التبعية والتخلف وسيادة العقلانية المادية ، الواقع الذي ينقطع فيه الفكر والواقع عن دلالة القران والعناية أكثر بآراء التاريخ والمذاهب الفقهية.ولذلك فإن الصياغة النظرية عندنا لفلسفة الزوجية - تتم بواسطة توظيف المفاهيم التي يطرحها الخطاب القرآني عند النظر في قضايا الزوجية. فهي بكونها مفاهيم واقعية فإن لها القدرة على شرح المتطلبات الاجتماعية، ولكنها في ذات الوقت متجاوزة للحظة الاجتماعية؛ مما يمكن مستخدمها من استشراف المستقبل ، وهنا نقطة الخلاف الجذري مع الفلسفات الاجتماعية الوضعية ، التي لا تتجاوز رؤيتها معطيات المرحلة التاريخية.
بعبارة أخرى إن التصور الإسلامي لعلاقات "الزوجية" ليس تصوراً وليداً لعمليات استقرائية،على عكس نظريات علم الاجتماع المعاصر التي تفترض أن نمو وتطور وترشيد المجتمع المادي له القابلية لتقديم نظرية اجتماعية عامة وشاملة من خلال استقراء عناصر المجتمع المادي وبنياته المكونة له؛ فمن خلالها وبالاستعانة بالإحصائيات والتجارب العملية والأرقام والبيانات المتوفرة حول المشاكل الاجتماعية فان يمكن الظفر بالنظرية الاجتماعية "العلمية"؛ إلاّ إنّ هذا المنحى يفتح الباب واسعاً للاضطراب الفكري وغياب الرؤية الفلسفية للعالم والإنسان في النظرية الوضعية لعلم الاجتماع لأنه يقوم على فكرة التفكيك لا التوحيد في نظرته للواقع الاجتماعي .ينتهي معها الباحث إلى مفاهيم تجريبية جزئية تنتهي هي الأخرى إلى نسبية حادة في تصويرها للحقائق الاجتماعية ؛وبالنتيجة فان نتاج هذا الجهد لا يرقي ليكون نظرية "علمية" عامة وشاملة ؛لان النظرية هي جملة من الأفكار المترابطة والشاملة والتي لها معان وصفية تفسّر وتتنبأ بمصائر العلاقات الداخلة في تلك النظرية. وهذا ما تدعيه النظرية الاجتماعية في التصور الإسلامي؛عندما تهتمّ بالعلاقات "الزوجية" ، في سياق نظري يشتمل على عناصر أساسية مكملة لمفهوم الزوجية كمفاهيم:الزواج، والطلاق، والنفقة الشرعية، والولاية الشرعية، والقيمومة، والتمكين، والإرث، والوصية...الخ كما سيأتي؛والتي هي في مجموعها تشكل منظومة مفاهيمية متكاملة ومترابطة نظرياً ؛مع العلم أن هذه الأفكار ليست نتيجة عمليات تجريبية أو استقرائية، بل إنها هي وليدة عملية تأويلية لهداية مرجعية إلهية خارجية مطلقة ومتعالية وكلية وواقعية تُلزم جميع الأفراد عند تطبيقها.
وعلى هذا فان مؤسسة الزواج في التصور الإسلامي، لا ينظر إليها كوسيلة لإشباع الشهوة الجنسية الكامنة في الجبلة الإنسانية فحسب،كما نظرت إليها غالب النظريات المادية، بوصف الزواج طريق للتنظيم الاجتماعي للشهوة الجنسية. إنما ينظر التصور الإسلامي لعلاقات الزواج نظرة متقدمة فالعلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة هي علاقة لها مقاصد أخرى كمقصد بناء أهل جدد وإيجاد جيل جديد صالح آخر، كما إن الزوجة لا تستخدم كخادمة لزوجها وأولادها؛ بل هي سيدة بيتها ومربية أولادها، والزوجية فوق هذا وذاك باب من أبواب التقرب إلى الله تعالى.فنحن حين نقول : بأن التصور الإسلامي لا يجعل الدافع نحو الزواج هو الشهوة الجنسية وحدها فإننا لا نعني بذلك أن التصور الإسلامي ينفي أثرها تماماً في هكذا نوع العلاقات ، إنما نعني بذلك أن الشهوة لا يجب أن تكون هي الدافع الوحيد الذي يدفع الإنسان نحو الزواج وتكوين الزوجية. لأنه يمكن تلبية نداء الغرائز بطرق أخري ،وعندئذ تنتفي حاجة الإنسان إلى تكوين الزوجية وتحمل مسؤولياتها فيما لو انتفت تلك الغريزة أو أشبعت بطريقة ما. وعندئذ لا بد من مقصد اسمي وأكمل هو مقصد "التقوى" كمقصد أخير للعلاقات الزوجية ،وهو المقصد الذي تؤمن عليه الكثير من آيات الخطاب القرآني عند تناولها لشان من شؤون الزوجية .يقول تعالى: نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ {البقرة /223}. ويقول : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا {النساء /1}.والمعني إن التصور الإسلامي يجعل من الشهوة الجنسية عامل يسير يشكل مع غيره من العوامل سبباً في للجري وراء معاهدة الزوجية وبما أن هذا المقصد ليس مقصداً مؤقتاً ينتهي بأمر معين، إنما يراد له الدوام والاستمرار ولذلك فان الحياة الزوجية لابد وأن ترتبط بمقصد دائم وابدي إذا أريد للزوجية نفسها الاستمرار والدوام.وهكذا فإن التصور الإسلامي لا يريد للشهوة أن تكون عاملاً حاسماً في الاندفاع نحو الزواج، بل يريد الإسلام لهذه الغريزة أن تكون عامل مع عوامل أخري من قبيل السعي نحو حفظ النسل، وإشباع غريزة الأمومة والأبوية من جانب  الأب الأم ؛وعامل إعادة بناء الفرد ؛فضلاً عن العوامل التي تلتقي لتعمل لأجل تقوي الله ،يقول الله تعالى: وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ {النحل /72}.
وإذا كان ذلك كذلك فان مقاصد الزوجية في التصور الإسلامي،تختلف عن مقصدها في ظل الفلسفات غير الإسلامية، وذلك لاختلاف الرؤية لله والعالم والتاريخ الذي جاء من أجلها من المفهوم الإسلامي إزاء غيره من النظريات والفلسفات الاجتماعية؛ فالزوجية في المفهوم الإسلامي تتكفل بمقصد الحفاظ على النسل البشري ،وتتسع لتشمل تهيئة البيئة الصالحة التي من شأنها أن تكون بيئة صالحة لاحتضان الأولاد مما يؤثر إيجاباً في تنشئتهم وتزكيتهم بالصلاة وعبادة الله،فضلاً عن انخراط أفراد الأهل في بناء حياة الأمة والتعرف على قيمها وعاداتها، كما تمدهم بالوسائل العلم والمعرفة التي تهيئ لهم بناء ذواتهم داخل الأمة ...الخ من مقاصد نتناولها بتفصيل لاحقاً.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.