الإصلاح الفكري


دواعي الإصلاح الفكري
تأخذ مسألة إصلاح الفكر الديني الإسلامي، سلم الأوليات في مشروع الإصلاح والنهضة الإسلامي المنشود، ويتمثل ذلك - إلي جانب إصلاحات أخرى – بضرورة إعادة النظر في النماذج الفقهية في الفكر الإسلامي، ومن جهة الرغبة في تجديدها بمنهج علمي قادر على إرشاد الواقع المعاصر وهدايته بهداية القران، كون المجتمعات الإنسانية تنصلح في مجموعها، عندما توظف إيجاباً الطاقة العقلية الكبيرة التي أودعها الخالق تعالى في الإنسان، عندما تتغذي المجتمعات معرفياً وفلسفياً وتتنمي طرائقها الفكرية أدواتياً وتدفع بتطلعات أصاحبها روحياً، فيكون الرهان الإصلاحي قائم على إصلاح البنية الفكرية وإثراء الدوافع النفسية الروحية للإنسان كبيراً، حتى لا تبقي الحياة على ما كانت عليه في الماضي ولا على ما عليه في الحاضر، بل تكون الحياة المستقبلية متماهية وقوانين الإصلاح للإنسان والمجتمعات، فتتجدد أنماط الحياة الإنسانية في الثقافة والتاريخ والاقتصاد والسياسة والفنون والطبيعيات ...الخ. بما يجعل هذا المجال من مجالات الإصلاح احد أهم الاهتمامات الإصلاحية في مجتمعاتنا الإسلامية والسودانية على وجه الخصوص.
ودلالة ذلك إن معنى مشروع الإصلاح الفكري ، يقصد إلى ذلك الجهد العقلي الذي يتجه للإجابة عن التساؤلات والتحديات الفكرية، المتمثلة في إصلاح طرائق التفكير الإسلامي، وإنضاج سنن خياراتها الاجتهادية، من اجل بلورة رؤية منهجية مشروعه النهضوي، فهو بهذا المعنى تأهيل وتطوير وانتقال بوعي الإنسان المسلم من الجمود إلى الحركة ومن الانغلاق إلى الانفتاح ومن الانقطاع إلى التواصل ومن الانشغال بالماضي والتراث إلى الانشغال بالحاضر والمستقبل، فتنمو عندئذ ملكة إدراك قوانين وسنن الحاضر والانفتاح على قضاياه التي أشكلت على الفكر الإسلامي المعاصر، ومن هنا يكون داعي الإصلاح الفكري، داع شديد الأهمية والتداخل، فمن غير الإصلاح الفكري لا يمكن للفكر الإسلامي أن يبني معاصرته ويمارسها كفعل وتأثير وحضور وشهود حضاري.
والواقع إن الفكر الإسلامي ظل مدعواً وباستمرار، للاهتمام بمساراته النقدية والتأسيسية في آن، بالنظر في فقه أصوله للإسلام، وعندها تظهر حاجة الفكر الإسلامي المتجددة لمواجه ذاته، وامتحان أطروحاته، وتجريب نماذجه، بالنظر التحليلي لرؤاه وطرائقه ومنهجياته، فينتقل بطرائق تفكيره من المثالية إلى المثالية والواقعية معاً، ومن التنظير إلى التنظير والتجريب معاً، ومن الاطلاقات إلى الإطلاقات والنسبيات معاً، ومن الإجماليات إلى الاجماليات والتفصيلات معاً، ومن التراث إلى استئناف التراث والانخراط في المعاصرة معاً، ومن الماضي إلى الحاضر والمستقبل معاً, وهي التحولات والانتقالات والمألات، التي لا يمكن أن يلتفت إليها الفكر الإسلامي، أو أن يتقدم نحوها، في ظل الروي السلفية المنكفئة والمنقطعة عن الحاضر في الماضي كما هو الحال منذ قرون وقرون.
وبغير ذلك تصبح النهضة حلماً غامضاً يصعب الإمساك بها، أو تتحول تجلياتها التاريخية إلى تيارات دينية هامشية تهرج خارج الواقع وخارج التاريخ، وتعجز عن الإجابة على تساؤلات العصر، وبالنتيجة تتحول إلى كارثة على الإسلام والمسلمين، وبالنتيجة يتوقف مشروع الإصلاح والنهضة، عندما يتم اغتيال العقل والاجتهاد في الخطاب القرآني أو الكون، بالانغلاق السلفي في التاريخ وتأويلاته لرؤية هي بطبعتها مطلقة ومتجاوزة ومتعالية، فينتهي الاجتهاد في تأويل كتاب الله إلى متابعة النصوص الثواني أو متابعة الشروحات والحواشي، وأقوال الفقهاء وأئمة المذاهب، أو عندما يتحول التأويل إلى معني صوفي عرفاني فرداني خيالي بلا هداية من خطاب أو قواعد عقلية أو وقائع مادية، فبدون إعادة الاعتبار لاجتهاد العقل وحكمته وقدرته على تحصيل المعرفة، فان النتيجة الحتمية هي التخلف والركود والانحطاط...ويا اسفي .
ودلالة ذلك إن مسالة التجديد الأساسية في الفكر الإسلامي اليوم، رهينة وعلى المستوي الروحي والعلمي والعملي، تكمن في الاعتراف العملي لا النظري، بأصالة القرآن واعتباره الخطاب المؤسس، وهذا معناه ضرورة أن يكون الفعل الروحي والمعرفي للخطاب القرآني في حياة المسلمين اكبر من أي فعل آخر بما في ذلك الخطاب التابع - الحديث النبوي-، لان أصالة الوحي القرآني وصدارته ليست معرفية فحسب، كما هو الحال في التصور العلمي السائد عموماً، بل هي صدارة على المستوي الوجودي والروحي والتاريخي والسياسي ... الخ، بمعنى إن حياة المسلمين وهي تباشر النهضة والإصلاح، مطالبة في مسيرتها وحركاتها وسكناتها بالاستهداء بسياقات القرآن - أولاً وقبل كل شيء- لتكون المشاركة القرآنية الوجودية والأخلاقية والعلمية والروحية مشاركة تحظى بالنصيب النهائي، أما الاعتقاد بصدارة الوحي القرآني وأولويته في المجال المعرفي على أي نص آخر، مع تحريك الخطاب الثاني (الحديث وآراء السلف ومذهب الصحابي ... الخ)، عمليا لواقع المسلمين بدرجة اكبر من الوحي القرآني الأول، فهذا نوع من الشرك في الرؤية التوحيدية، وهذا ما يستدعي إحضارا تربوياً واجتماعياً للقرآن الكريم يتناسب ودرجته المعرفية ومستوى حضوره في تشكيل البني والمفاهيم، وهذه هي الاستجابة العملية للسياق النظري المكون للقرآن.
والحق انه يستحيل القيام بفعل التجديد علي المستوى المعرفي في الفكر الإسلامي المعاصر، ما لم يحدث تجديد علي مستوي المنهجية التي تشرح العلاقة بين دلالة الخطاب وآليات فقه الواقع، باعتبار أن الجهد الجليل الذي قدمه الأسلاف والقدماء قد انصرف نحو قضايا لغوية كلامية، أو باطنية إشارية، أو روائية فقهية ...الخ، فالمحاولات العديدة التي قام بها فقهاء وفلاسفة ومتصوفة في الفكر الإسلامي بهدف تجديده، وتأويله للإجابة على تساؤلات الواقع التاريخي، كتلك المحاولات التجديدية في علم أصول الفقه، أو تجديد علم الكلام، أو التجديد الفلسفي في مباحث الإلهيات، وقضايا الفلسفة والتصوف الإسلامي ونحو ذلك.
نجدها دراسات لم تبين مركز كلي واحد متفق عليه، تنطلق منه الفروع المعرفية، عندئذ ضاعت الفرصة لتعيين رؤية مركزية في الدراسات القرآنية والإسلامية، توضح الدلالة الأم للدين في قاعدة كلية شاملة، مما أدى إلى تفرع الدراسات الإسلامية تفرعاً شديداً أحدث انقساماً اجتماعياً وعقائدياً كبيراً في المجتمعات الإسلامية لا تزال آثاره باقية إلى اليوم، هذا القول لا يعني أن الرؤية الإسلامية من حيث هي رؤية قد خلت من مثل ذلك المركز وتلك القاعدة، إنما يعني إن اهتمامات الفكر الإسلامي التراثي في مجموعها تاهت بانشغالها بالفروع المعنية، ولم تولي تلك القاعدة الأصولية الكلية الشاملة العناية اللازمة، مع إن الإسلام وقبل كل شيء هو دين توحد وتجمع لا تفرع وتعدد. وهو الأمر الذي يعني ضرورة إصلاح المنظومة المعرفية لبناء الأحكام في الفكر الإسلامي، تلك التي عادت مجرد منظومة "تاريخانية" جامدة قديمة المعاني والقيم، لا تستجيب أحكامها واجتهادات أصحابها الكرام مع الواقع المعاصر جزئياً أو كلياً، لأنها فقدت صلتها بالحاضر وأصبحت غير قادرة على استيعاب مستجداته الراهنة.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.