من الضروري ألا يتأخر تاريخ كتابة وإمضاء الدستور الدائم للسودان، خاصة بعد انتهاء صلاحية الدستور الانتقالي 2005م، بانتهاء آجاله باستفتاء انفصال الجنوب، بما يعني أهمية صياغة دستور لدولة السودان «ما بعد انفصال الجنوب» لدولة السوان الجديدة، كواجب ديني وأخلاقي وسياسي وقانوني واجتماعي بما يعجل بضرورة إعادة تعريف «الدولة» السودانية، وإعادة بناء الميثاق السياسي العام لها، فلا ينتهي الحال إلى تلاشي ما تبقي منها، إن لم نعمد كشعب وبسرعة إلى وضع دستور آخر، لاسيما وقد بدت إشكالية اغتراب الدولة والنظام السياسي في السودان وتأثيره السالب على علاقات النسيج المجتمعي السوداني ظاهرة للعيان، ولما لم يكن الدستور كياناً قانونياً جامداً فحسب، بل هو تجريد فلسفي وثقافي يعكس نمط عيش المجتمع السوداني المرغوب في الحياة، بوصفه تعبيراً عن أسلوب الحياة المجتمعية الذي يميز المجتمع السوداني السودانية من خلال نظامه الأخلاقي والاجتماعي والسياسي والقانوني...الخ، فإن في الإسراع إلى إمضائه، كأساس «للدولة» السودانية ما بعد الانفصال، فرصة تاريخية توسع من النظر إلي الدولة كمؤسسة رسمية الهدف منها تحقيق المقاصد الوظيفية المحددة، في الأمن والسلام والخدمة العامة ونحوها، إلى آفاق ممارسة وتجديد وإذاعة الأخلاق والفضيلة التي تعنى بالكمال الثقافي والخلقي للمجتمع السوداني، فضلاً عن الاهتمامات السياسية والأمنية والقانونية. أمام هذا السياق التاريخي فانه من المهم توجيه وتطوير استحقاق الانتخابات القادمة، وفقاً لأجلها المعلن، في نهاية العام 2014م نحو حل سياسي شامل، وذلك بمهر إعلان سياسي وطني عام ممهور من القوي السياسية الفاعلة، يشير إلى أن يكون البرلمان القادم هو برلمان "جمعية تأسيسية" للدستور القادم، تكون همهمتها الرئيسة هي كتابة وإجازة الدستور الدائم. على أن ينتهي أجل الجمعية التأسيسية للدستور بانتهاء الغاية منها بصياغة الدستور الدائم وإجازة سائر القوانين المنظمة للحياة السياسية الملازمة له: كقانون الأحزاب وقانون الانتخابات وقانون الإعلام والأمن ونحوها من قوانين منظمة للحياة السياسية العامة. ثم تجرى وعلى أساسه وبعد إجازته بالاستفتاء العام "الانتخابات الرئاسية والتشريعية العامة"، بعد فترة «تحول» انتقالية لبناء للثقة الوطنية يتفق عليها، تجديداً للمشروعية السياسية للنخبة الحاكمة أو نفيها، وتجديد الدماء والروح واستيعاب حالة الانفراد بالسلطة لفترات طويلة، فيكون احترام مبدأ الاحتكام إلى مبدأ الرضا الشعبي وتحقق إرادته، المبني بدوره على معاني العدالة وتكافؤ الفرص والشفافية والنزاهة، وليكون بعيداً عن ثقافة فرض الخيارات بالقوة العسكرية والإقصاء والعنف والاستقواء بالأجنبي. وهو المسار الذي يتطلب التزامات سياسية، أهمها: أولاً: التوافق على فترة انتقالية «أولية» لبناء الثقة كفترة زمنية تحضيرية أولية، تمكن القوى السياسية المختلفة، من تبيان رؤاها الخاصة للناخب السوداني، حول معاني ومبادئ ونظم الحكم الدستورية محل النقاش، "عام على الأقل". ثانياً: تكوين هيئة انتخابات عامة توافقية مستقلة لإدارة الملف الانتخابي للجمعية التأسيسية، على نحو توافقي لسائر الطيف الفاعل في البلاد، برئاسة من قضاة حاليين أو سابقين ممن يشهد لهم بالكفاءة والنزاهة. ثالثاً: التوافق على قانون أو لائحة انتخابات، يعين عدد الدوائر وتوزيعها، والأجدى أن يكون القانون قائماً على الجمع بين التمثيل المباشر والنسبي، ضماناً لحضور تمثيلي للقوي القومية الكبيرة في حضورها الشعبي وللأخرى الصغيرة الفاعلة على النطاق الوطني المحلي والإقليمي غير القومي العام. رابعاً: التوافق على فترة بناء ثقة انتقالية «ثانية» لفترة زمنية أخرى، "عام على الأكثر"، تمكن القوي السياسية المختلفة للدعوة لبرامجها الانتخابية العامة، منافسة على انتخابات عامة، تجري بموجب الدستور الذي تم إجازته بالاستفتاء عليه وعلى قوانينه السياسية المختلفة، من خلال الجمعية التأسيسية، سالفة الذكر، على أن تتولي القوى الفائزة فيها مهام حكم البلاد، بآجال الدستور المجاز ونظام حكمه، رئاسياً كان أو غيره. خامساً: التوافق على تكييف أخلاقي واجتماعي وسياسي وقانوني لفكرة العدالة الانتقالية، يضمن معاني المجازاة والمساءلة والتعافي والتصالح بين أبناء الشعب السوداني، ليكون أساساً لتصفية النفوس وإشاعة أجواء الثقة والتفاؤل بين السودانيين بالمستقبل. وفي كل الأحوال فإن الواجب هو أن كتابة الدستور السوداني المجتمعي التعاهدي من خلال «الجمعية المنتخبة» وإجراء «استفتاء عام» عليه، وبما يحويه من الالتزامات والصلاحيات الهامة التي تشرح وتقييد طبيعة نظام الحكم الملائم للسودان، سيكون مساراً سياسياً أساسيا للعبور بالبلاد من أزمتها السياسية المزمنة، كون مصدره الذي هو إجماع الشعب وثقافته السائدة، فيصبح عندئذٍ هو الوثيقة التعاهدية الارتضائية تفسير طبيعة السلطة العامة. وفي كل الأحوال فإنه لا يجب أن يؤول أمر وضع الدستور القادم إلى لجنة قومية تقترحها الأحزاب الحاكمة تهدي دستوراً إلى الشعب بوصفه في المعنى النهائي منحة من الحاكم، كما لا يعهد به إلى مؤتمر دستور تمثيلي لنخب السياسية السودانية، كما تري قوي المعارضة السودانية، بل يرهن إلى إرادة مجتمع السودان في مجموعه، فتمضي أمره «جمعية» «تأسيسية» «منتحبة» من مجموع الشعب، بوصفها جهة مشروعة تضع الدستور مستهديه بأدبيات الاستفتاء ومستوياته السابقة عند وضع مبادئ الدستور الموجهة والمتزامنة عند توضيح نظام حكمه واللاحقة عند بناء سائر عناصره ضماناً للتوافق المجتمعي الواسع عليه، بعد أن عجزت سائر النخب السودانية من تحصيل معاني التوافقية العامة على الدستور منذ فجر الاستقلال، لأن النخب المختلفة والمتعاقبة كانت تحاول فرضه بطرقها الأحادية بعيداً عن الإرادة العامة للشعب السوداني، وعندها نكون قد شرعنا فعلاً في الاستقلال الحقيقي لبلادنا السودان.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////