الأصل في كون الرؤية الدينية, هي المكون الثقافة المهم في الحالة السودانية والإنسانية على وجه العموم, قدرتها على إنشاء كافة الروابط الإنسانية في المجتمع على أساس من هدي مصدر خارجي ومتعال على المجتمع الإنساني, فلا تثار الحفيظة الثقافية لمجموعة بشرية على الأخرى تلك التي تنتج الثقافة محل النظر, فالثقافة الإسلامية تتنزل من تصور متعالي على الظاهرة الاجتماعية, يحتوى تمام الإيمان بإله متعال قادر ومدبر لأمر الكون ويحوى وجوب الاعتقاد بيوم المعاد, وإن هناك جنة عرضها السماوات والأرض تشكل مقصداً مشتركاً لأفراد المجتمع المؤمنين بالرؤية الإسلامية, كما إن هناك ناراً تشكل هاجس المستقبل الذي يسعون للنجاة منه, فيكون المجتمع, أية مجتمع هو مجتمع له مقصد وغاية إيمانية لا بوصفه غريزة إنسانية كما في المفهوم اليوناني عند "أفلاطون" و"أرسطو" فحسب, بل بوصفه فريضة دينية قصوى, هذا المفهوم للمجتمع يجد الفرد فيه نفسه أكثر حياة وأكثر اتصالاً بالله تعالى.
ودلالة ذلك إن أساس الإصلاح الوطني للسودان الموحد طوعاً, يتطلب توضيح معالم المشروع الثقافي القادر على إصلاح أوضاعنا الفردية والاجتماعية, والذي يعد الإيمان بالله منطلقه اليقيني, بوصفه أقوى سمة من السمات الجاذبة في أصول الاجتماع البشري, كشكل من أشكال امتداد أصول المجتمع الإنساني، هو استناده النهائي على رابطة الإيمان، يقول تعالى:"وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ"{هود/88}، فالوضع الحياتي للإنسان يتضمن أنواعاً كثيرة من التناقضات والشكوك والحيرة التي تتطلب معالجتها المجدية تحقيق قدر معين من اليقين والثبات يكون حاكماً عند عجز المجتمع عن التعامل بطريقة عرفية مع تلك التناقضات، وعندها فإن الفكر الإسلامي يلجأ لتجاوزها عن طريق مفهوم "الرؤية" الكونية الذي يعني أن جميع البشر، لهم خالق واحد ومرجع واحد هو الله بارئهم. باعتبار إن الرؤية الثقافية الدينية, تراهن على معني الإيمان والشعور الحاد والمستيقن بأن الله هو مصدر كل خير, وفي مقابل ذلك له الثناء والعبادة, وبهذا فان معاني الإيمان بالله الواحد, تهيئ لأطر ومفاهيم وأفكار وأحاسيس متجانسة وموحدة تخلق في المجتمع الإنساني حالة من التوحد والتقوى والشكر, عندما تأخذ الرؤية الثقافية بمقصد الإيمان الذي يوحد ما بين الرسالة المنزلة من الوحي وما بين فعاليات المجتمع البشري وسلوكه الظرفي المطلوب القيام به, عندها يتحالف المجتمع وفقاً لعهد اجتماعي طوعي على مجموعة العهود والقيم والأفكار والالتزامات المتجانسة وعلى رأسها قيم "الإيمان", فينتج ذلك مجتمع الإيمان الحر المسئول ذو الطبيعة الأخلاقية الخاصة، يرشد أفراده إلى مجموعة قواعد كلية وخالدة تنظمهم وترتب أحوالهم وتكون فيها مهمة الرسالة هي الربط بين الله تعالى وبين المجتمع، فتنتظم على قرارها علاقات المجتمع والسياسة...الخ.
ودلالة ذلك إن الرؤية الدينية هي القاعدة الثقافية الكبرى التي تشرح أصول المجتمع والعلاقات, وهي التي الذي يجب أن يتلقى عنها الأوامر وتسن منها القوانين وتوضح بها العلاقات, أما إذا انحرف بعض الناس عن الدين الحق فإن علاقة الأفراد بالدين يجب أن تبعد عنهم حتى إن كان هؤلاء هم القبيلة والعشيرة, فعلاقات المجتمع السوي لا تؤسس على علاقات العرق أو النسب أو العنصر أو التراب, وإنما على المقصد والملة والأمة الواحدة بلا إكراه ثقافي أو قسر اجتماعي. وهكذا تظهر أهمية الثقافة الإسلامية, على صعيد صيانة العلاقات بين أفراد المجتمع ومن قبل ذلك تعريفها، فالرؤية الإصلاحية بتوجيهاته الهادية يجعل من دوافع الإيمان محور لكل النشاطات الإنسانية الصالحة, فالإيمان المشترك بين الأفراد العائلة والجيران والقرابة وأبناء الحي وأبناء المدينة وأبناء الملة الواحد والأمة الواحدة والإنسانية جمعاء ,هو أساس المجتمع المتماسك. والمجتمع الذي يطمئن الفرد فيه يرجع بالأساس إلى اطمئنانه على نفسه وماله وعرضه لا الكل في المجتمع يتصرف وفقاً لهدي الدين, كما أن الفرد يعلم إن العقوبة عند تعدي حدود الشريعة صارمة, تردعه وتردع الآخرين عن مجرد التفكير بالقيام بالانحراف, وهكذا فان تلك الأصول الاجتماعية المشتركة بين الأفراد تجعل المجتمع من أكثر المجتمعات الإنسانية أمناً وإنتاجاً وأكثرها إبداعاً ,لان مفاهيم الأمن والحرية الحقيقيتين, لا يمنحها إلا الإيمان الحقيقي بالله تعالى, فأية حرية أعظم من اطمئنان الفرد على نفسه وماله وعرضه ينتقل متى شاء, ويعتقد ما شاء، ويستثمر الفرد أنى شاء, وهو يعلم انه لا يخاف على مال يسرق أو نفس تقتل أو عرض يهتك, أو رأي يحجر...الخ. وبهذا المعني فإن الرؤية الإصلاحية الإسلامية, يقصد إلى رعاية الحرمات الإنسانية، بطريق التزكية الأخلاقية للوجدان الإنساني بوساطة من تجزير ثقافة الإيمان بالله والتصديق باليوم الآخر مما يرفع من مستوي حساسية الفطرة, بواسطة من إقامة الشعائر والعبادات الدينية ...الخ, لإيجاد الصلة الدائمة والمستمرة بالله تعالى.
فضلا على إن الرؤية الدينية توضح الأطر العملية فبتنوع أنساقها وأطرها الفكرية ومعطياتها الواقعية والمحمولة وسيكون من بين أهدافها بطبيعة الحال توحيد المجتمع السوداني على كلمة سواء. عندما يطبع العلاقات والعهود الاجتماعية لتنمو وتزدهر التفاعلات التعاونية الحرة بين الأفراد، فيغرس ويجزر فيهم ثقافة التوحد والخير وأخلاق السلام وحب العمل والحق والمحبة، وتمكين أعراف وتقاليد الغيرية والإيثار والتضحية والشهادة فيهم, وهو ما يمكن أن نسميه إجمالاً بثقافة الإيمان بالله، بوصفها الثقافة الهادية لسلوكيات الأفراد في المجتمع على نحو يؤمن أقصى قدر ممكن من التوحد والتآلف والتكامل والترابط وإحقاق الحقوق, فضلاً على عملها على إدارة التدافع والتنافس والصراع الاجتماعي بينهم على نحو يؤمن سلامة وتماسك المجتمع وصيانة أسباب بقائه واستمراريته.
وبذلك يكون المشروع الثقافي الديني, هو المكون الأهم من بين المكونات الثقافية الأخرى, كاللغة والعرق والمصير المشترك ...الخ, عند توضيح مشروع الإصلاح الثقافي السوداني, بوصفه يعمد إلى توضيح الرؤية النهائية بما يعني إصلاح طرائق التفكير المنظم في مختلف الأشياء والقضايا ومحاولة اكتشاف الرؤية والقوانين التي تحكم الوجود الاجتماعي وتسيره, ومن ثم فهو يمكن الإنسان السوداني – وكل إنسان آخر- من فهم كل ما يدور من حوله ووضع التصورات والتحليلات والتفسيرات المقنعة لتعليل الظواهر والخروج من ذلك كله بمعرفة من شأنها أن تمنح المجتمع القابلية على التطور والارتقاء في سلم الحضارة. والمعني إن المشروع الثقافي المطلوب طوعا لبناء المجتمع السوداني المتماسك, يجب أن يتماهي وماهية الثقافة الإسلامية ولا يكون كذلك إلا إذا كان الفرد السوداني مؤمناً متديناً, وبالتالي لا يمكن تصور مجتمع سوداني "صالح" لا تنتظم قواعده على أساس الدين, ويستعبد في ذات الوقت أية تشريع يعتبر العادات والتقاليد المحلية القبلية الخاصة مصدراً له وغاية, فالإنسان الصالح أو إنسان الفطرة حسب القرآن هو الإنسان المطابق لماهية الدين المستقيم, بيد انه الإنسان القادر - بواسطة الثقافة الدينية- على استعادة الفطرة في كل حين ولحظة, باعتبار أن الفطرة السليمة هي الأقدر على الإيمان بوحدانية الله تعالى, كمدخل راشد عن النظر في المسألة الثقافية والاجتماعية. فلا نتصور صلاح المجتمع السوداني وكيانه العام وانتظام علاقاته إلا على أساس فكرة التزام الطوعي الناس بـ"الدين" مكونين بذلك طوعاً مجتمع المؤمنين المتوحد, يقول تعالى: وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ {هود 118/119}.
وهكذا فإن مشروع الإصلاح الثقافي في السودان، نظرياً وعملياً، يجد مرجعيته في معني الالتزام الديني، ويعد هو غاية الإستراتيجية الثقافية المنشودة في هذه الرسالة, عندما تسري روح التدين في كل جوانب الحياة والمعارف ويكون المفهوم الصحيح للثقافة, ويكون بناء الشخصية السودانية بالصورة التي تمكنها من حمل رسالة الاستخلاف في الأرض بالعبادة والتعمير, باعتباره المنهج الذي يستهدف إصلاح كيان الإنسان السوداني في كليته, عقله وروحه، جسده ونفسه, ولأجل ذلك لا يكون الإنسان جديراً بهذه التسمية إلا بالإصلاح الثقافي، لما كان هو إتباع للأصول في القيم والعادات والأحكام والحِكم والتعاليم، بوصفها المبادئ الحقيقية التي تأخذ بيد الإنسان إلى أعلى مراتب القيم الحميدة والحياة الطيبة. فيكون مشروع الإصلاح الثقافي, بهذا المعنى إنما هو غرس للثقافة والمبادئ والقيم والأخلاق الدينية في شخصية السوداني السوية، من حق وصدق وإخلاص، لتُسقَى بماء التعارف والتواصل والتراحم بين الناس فتؤتي أكلها وثمارها سلاماً ووئاماً وتعاوناً في المجتمع, فيكون قوام الأمة وأساسها هو الإصلاح الثقافي وهي العملية التي يتناولها الخطاب القرآني تحت معني "التزكية", بل ويجعلها من وظائف الرسل الكرام, يقول تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا {الشمس/ 9-10}, ويقول: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ {البقرة /129}, ويقول: لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ {آل عمران/164}, يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ {النور/21}, ولذلك فتطهير النفس وتزكيتها من الرذائل والخصال وتحليها بالفضائل إنما هو شرط جوهري لإحداث الإصلاح الاجتماعي والسياسي والاقتصادي...الخ, المنوط به نهضة بلاد السودان.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////