بين هيمنة جهاز الدولة وتعددية قوى المجتمع





إن من أهم النتائج والخلاصات والتوصيات التي انتهت إليها الرسالة، ضرورة إعادة النظر في توضيح طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، على المستوي النظري والفلسفي لتكون أساساً لرؤية استراتيجية نهائية للحل يعمل الجميع على إنجازها. وفي ذلك فإننا ننتهي إلى التوصيات التالية:
أولاً: إن أجواء وضع الدستور من خلال الجمعية التأسيسية لابد أن تلازمها أجواء تعزيز ثقافة الحوار لا ثقافة الإقصاء والكراهية والموقف السياسية المتشددة، بين مكونات المجتمع السوداني الفكرية والسياسية والثقافية، بوصفها تقوم بدورٍ هام وبدرجة عالية من الكفاءة والفعالية في تأدية وظيفة السياسة في المبادرة والتصدي لدرء الخلافات وتصفية النزاعات ومعالجة الصراعات، فهي وظيفة مطلوبة ومرغوبة باستمرار، بل ويزيد الإلحاح في طلبها مع تزايد وتكثف احتدام التنافس علي الثروة والسلطة في السودان، المتلازم مع التدهور الذي أصاب المجتمع السوداني على أكثر من وجه من أوجه حياته العامة، كما تزداد الحاجة للثقافة الحوارية لاسيما في سياق ضعف الثقة والاحترام المتبادل بين الدولة والكثير من الأفراد والشرائح والفئات والجماعات في المجتمع السوداني، بسب انحيازات النخب ومنذ الاستقلال غير المبررة وعدم جديتها وعجزها المستمر عن معالجة قضايا وأوضاع الحياة، بالطريقة الفعالة التي تنتهي إلى تجاوز النزاعات والخلافات المتجددة.
ثانياً: التأكيد على الدعوة بأن نظام الحكم لا بد وأن يقوم على مبادئ الحكم الراشد، بضمان تجدد مدة الانتخاب والمساءلة، والتداول السلمي للسلطة، وإنفاذ منظومة القيم والأخلاق السياسية في الحرية والاستقامة والعدالة واستقلال السلطة القضائية المنتخبة وحق المشاركة السياسية واحترام حقوق الناس وحرماتهم، لاسيما حق المرأة والشباب في المشاركة الإيجابية، مع التأكيد على تقييد حدود الولاية العامة وطبيعة وظيفتها، بالمقاربة مع حدود القوى والنظم المجتمعية الأخرى، فيعترف لها بالوجود المتباين في الخصائص: الثقافية والسياسية والمجتمعية، والعرقية، بما يجسد فكرة مبدأ الحوار والتثاقف السياسي ويفتح الأبواب أمام فرص تكامل وتضامن الأدوار والوظائف المتبادلة بين مؤسسة النظام السياسي ووظائف غيره من النظم والفئات المجتمعية والأهلية الفاعلة في الحياة السياسية.
ثالثاً: ضرورة إنشاء الحكم المحلي بتشريع ونصوص دستورية خاصة به، بحيث تكون له شخصيته الدستورية الموازية للمستويات الحكم الولائي والاتحادي، لها الاعتبار القانوني والمالي والإداري والسياسي...الخ، على أن يعاد تشكيل تقسيم المحليات في البلاد على معايير موضوعية، كعدد السكان ومطلوبات الإعمار ومتاح الموارد الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن توضيح واضح لعلاقته بمستويات الحكم الأخرى ووظائفها وصلاحياتها، بحيث يكون الحكم المحلي هو صاحب الحوزة الأولى من قسمة السلطة بالمقارنة بحظوظ الحكمين الولائي والاتحادي فيما يخص سلطات السياسة الداخلية، أما مالا يقوى عليها الحكم المحلي من الوظائف والاختصاصات فتحال إلى المستوى الولائي، المعني بالشؤون الاقتصادية والمالية والبشرية والخدمات والشئون الاجتماعية والدينية فضلاً عن الزراعة والثروة الحيوانية والتخطيط العمراني، دون أدني توسع في الأمور السيادية والرئاسية، التي تترك للمستوى الاتحادي في الحكم.
وبذلك أي بواسطة نقل أهم الاختصاصات نظام الحكم للحكم المحلي فإن الأنظار والتنافس على السلطة سيتركز حوله كونه محور التنمية السياسية والاقتصادية والثقافية...الخ، وسيقل الصراع نسبياً على هرم السلطة، وبإعادة دمج وتوسيع رقعة المحليات يقل الصرف على النظام السياسي وتوجه الموارد الأموال العامة نحو التنمية، أما مستوى الحكم الولائي فيقصر في أضيق الحدود كما أشرنا في حين تقتصر مهام الحكم الاتحادي على الوظائف السيادية في الأمن والعلاقات الخارجية والتخطيط الاقتصادي ...الخ. كل هذا لا يكون منتجاً إلا في أجواء التداول السلمي للسلطة، وبناء نظام انتحابي حر يقوم على التمثيل النسبي فضلاً عن التمثيل المباشر لتمكين المجموعات الصغيرة من أن تكون جزءاً من عملية صنع القرار السياسي، بعيداً عن مساومات وتسويات اتفاقيات السلام الوهمية.
رابعاً: سن قانون يشرح ويميز ويحدد طبيعة ونطاق الوظيفة الحكومية العامة، بالمقارنة بالوظائف الاجتماعية التي يقوم بها المجتمع، وفي سائر أوجه النشاط الإنساني. فعلى سبيل المثال يجب أن تقتصر وظيفة الحكم المحلي مثلاً على الوظيفة الخدمية وحدها، دون الوظائف السياسية والأمنية، ليقل الاحتقان نوعاً ما إزاء نظام الحكم فلا يتحول إلى حلبة للصراع بين الأطراف المتنافسة على السلطة. وكذا فك الارتباط بين الدولة والقبيلة كبنية اجتماعية وسيطة، بأن لا يكون التعيين للمناصب المختلفة في نظام الحكم مراعياً لاعتبارات المكانة القبلية لما يجلبه هذا السلوك من غبن ومظالم اجتماعية تضعف النسيج الاجتماعي للمجتمع، بل تراعي مبادئ الانتخاب والكفاءة والخبرة في تولي سائر المناصب العامة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.