سؤال الثقافي



تمهيد أولي: من الثابت انه لا يمكن وجود مجتمع بدون ثقافة مؤسسة وموجهة له, فإذا ما نظرنا إلى المجتمع باعتباره نسق من العلاقات المتداخلة التي تربط بين الأفراد في إطار جماعة إنسانية ما, فانه دوماً في حاجة إلى أنظومة قيم يتمسك بها الأفراد في المجتمع، توفرها لهم المعني، كما هم في حاجة للثقافة لتعطيهم المعايير الأخلاقية التي يتبعونها في حياتهم، كما ترفدهم بالدوافع الروحية التي تدفعهم نحو ساحات العمل والحضارة, فضلاً عن بصمتها النهائية التي تضعها على أشكال الفنون والعلوم والمعارف والمنتجات الاقتصادية والصنائع المادية التي يصنعونها, وهكذا تربط فكرة حضور المشروع الثقافي, بقيام المجتمع ارتباطاً عضوياً وثيقاً. لما كانت المجتمعات تختلف في أصول اجتماعها, فان ذلك الاختلاف الواسع أو المحدود, إنما هو نتيجة لاختلاف مصادر ثقافاتها, من حيث اختلاف أنماط تسخيرها لأشياء وموارد العالم الطبيعي, فتتباين الجماعات الإنسانية عندها تبايناً واضحاً للعيان, عندما تنتج كل جماعة من خلال رؤيتها الثقافية المتناسبة والمتلائمة لمصادرها المعرفية وظروفها الجغرافية والمناخية المعينة, نمطاً خاصاً من أنماط المجتمعات الإنسانية, وهو الأمر الذي يعود وبالأساس إلى ما يعرف بتفاعل الثقافة والتنشئة عندما ينتجان معاً النظام الاجتماعي المعين, تزوده وتغزيه حوامل ووسائط مثل: النظم الدينية والروحية ونظام الأسرة، والنظام التعليمي, وطبائع الأصدقاء، والقوانين والعادات والأعراف الاجتماعية, فضلاً عن نوعية الفنون والجمال ووسائل الإعلام والاتصال وكل وجه آخر من البيئة الاجتماعية.
والمعني إن المجتمعات الإنسانية تتمايز وفقاً لمكوناتها الثقافية تلك التي تتصف بالعموم مثل: الدين واللغة، وطبيعة مؤسسة الزواج، ونظم الملكية ونحوها, فامتلاك لغة ما مثلا يعتبر من أهم الخصائص الثقافية المميزة لهذه الثقافة أو تلك في هذا المجتمع أو ذاك, عندما تستخدمها فتؤثر على إدراك أعضائها للعالم ولأنفسهم وللآخرين, فانه عادة ما يتجه السلوك الإنساني نحو رموزه اللغوية التي يستخدمها ليتمثل "الواقع" ويدركه، وهي الرموز التي تتحدد بالمواضعة والاصطلاح داخل كل ثقافة, وعندها تكون تلك الرموز اللغوية والمادية التي يعبر عنها المجتمعات في: الكلام والكتابة والعلوم والمعرفة والفنون والصنائع...الخ, إن هي إلا واحدة من الطرائق الفكرية الأساسية التي تتشكل بها المعاني والدلالات الثقافية وتعبر عن هوية ذلك المجتمع الثقافية بالذات، وعندها يكون تحليل المعاني والدلالات الثقافية اللغوية وغير اللغوية مفيد في المقارنة بين الثقافات الاجتماعية المختلفة.
الإسلام والمشروع الثقافي السوداني.  بيد إنه ومن الملاحظ إن النخب السودانية المتنافسة على ريادة المجتمع السوداني, لم تفلح إلى الآن في توضيح معالم مشروع ثقافي متمايز إزاء الآخرين في الخارج, ومقبول من قبل الأفراد في الداخل الاجتماعي, بما يمكن المجتمع السوداني من الإجابة على سؤال الخصوصية الثقافية للمجتمعات السودانية القائمة على التنوع والتباين الثقافي, باعتبار إن تلك المكونات والمعالم هي أساس تجانسه, بالشكل الذي ينمى الشعور والانتماء الوحدوي العام بين المجموعات الثقافية والاثنية الكثيرة التي تسكن بلاد السودان.
والحق إن هذا الاهتمام, أمر يتطلب النظر في مشروع ثقافي اجتماعي مقنع وفعال وشامل ومركب, من جهة رؤيته الفلسفية للوجود السوداني, ومن جهة إشاعة عناصر الثقافة والتواصل الاجتماعي الحر والمنفتح, بالرهان على القواسم والمكونات الثقافية الكبرى, بدلاً من الرهان على الحلول الأمنية والعسكرية, كما فعلت وتفعل الحكومات المتعاقبة, مما أدي إلى إضعاف ثقافة ومعاني الوحدة الاجتماعية والسياسية وانعدمت الثقة أو تكاد بين المجموعات والثقافات المختلفة, بسبب إن غالب النخب السودانية, سواء أكانت: إسلامية أو علمانية أو قومية...الخ, تلك التي وصلت إلى كرسي السلطة أو التي تحلم به, فإنها تلجأ - وفي وضعية جاهلية- إلى استخدام العنف والقوة لحل النزاعات الناتجة عن التنوع الثقافي والاجتماعي, بحجة فرض النظام واستتباب الأمن وفرض هيبة الدولة والدفاع عن الذات, في حين أن المشكل يبقي في المقام الأول مشكلاً ثقافياً, وحله يتطلب توضيح مشروع ثقافي عام وشامل وطوعي بين السودانيين, يراهن في الأساس على توضيح المشتركات الثقافية ومنظومتها القيمية, وقدرتها على خلق الوحدة الطوعية من جهة رفع مستوى التعليم والوعي الثقافي, وبناء الأسرة .
والحق إننا إذا ما بحثنا عن العامل الثقافي المشترك في تاريخ السودان الثقافي والحضاري, فإننا سنجد وبكل وضوح عنصر "الدين" كمكون مشترك في الثقافة السودانية, فكان الدين الإسلامي ولا يزال هو العامل الثقافي الأكثر اشتراكاً بين اغلب أهل السودان. إذ الثابت تاريخياً, أن الهجرات الكبرى التي تلازمت وانتشار الإسلام في السودان, قد أشاعت الثقافية الإسلامية، فكان انتشار الفقهاء والجماعات الصوفية والسائحين والدعاة مبشرين بتوحد ثقافي بين السودانيين عماده الثقافة الإسلامية, بعيداً عن الهوية العرقية الفرعية المختلف عليها, فانتشرت اللغة العربية والثقافة الإسلامية في دائرة واسعة من بقاع السودان، لكون الدين هو العامل الايجابي الجامع والذي أسهم ويسهم في تحقيق قدر كبير من التكامل الثقافي والروحي المحفز للثقافات السودانية المحلية على تنوعها وتباينها, مع احتفاظ كل ثقافة محلية بموروثاتها الثقافية والحضارية, مع سعيها المتواصل لتثري هذه الموروث أو ذاك وتجديده من خلال تفاعله مع الموروثات الأخرى أخذاً وعطاءً.
ومصداق ذلك إن الدين كمكون ثقافي موجود بالفعل في جميع المجتمعات المحلية في السودان, البجة، النوبة بشمال السودان، والنوبة بجنوب كردفان، العرب في أواسط وشمال وغرب وشرق السودان ولدي الفور، الزغاوة، المساليت، فضلاً عن قبائل الانقسنة في جنوب شرق السودان ...الخ, وليس أدل على ذلك من إن بعضها من هذه المجموعات السكانية قد أنشأت تاريخياً ممالك إسلامية، كمملكة الفور الإسلامية دار فور مثلاً, وهى تمتلك إلى الآن تراثاً ثقافياً إسلامياً عريقاً, ونذكر إن مؤسسي هذه الممالك، والتي رعت ازدهار الثقافة الإسلامية في السودان، لم يكونوا عرباً أو أفارقة خالصين, بل إن سائر ممالك وسلطنات السودان كانت نتاج تحالف بين العنصرين العربي والأفريقي كمكونين اجتماعيين استوعب تنوعهما ويتجاوز خلافاتهما إلى معاني الأمة الواحدة, كما فعل العبدلاب والعنج في بناء مملكة سنار، وكما فعل الفور والعرب عندما بنو سلطنة الفور في الفاشر، وكما فعلت مملكة المسبعات في كردفان التي شملت العرب والنوبة من أبناء الجبال, وكما أفلحت المهدية من تحريك الشعوب السودانية بمختلف اثنياتها ومن أنحاء السودان المختلفة إلى مركزها أم درمان في وسط السودان, فكانت أم درمان عاصمة وحاضرة لمشروع السودان الكبير الموحد. ولتغدوا معه مشروعات ونعرات الانفصالية المنغلقة على نفسها هنا أو هناك, ظواهر معزولة يتخطاها الزمن وتتعداها ضرورات الثقافة والاجتماع والسياسية المحلية والإقليمية والعالمية.
ودون أن ننسي دور الفن والفنون الهام في توحيد وجدان السودانيين, فان المجهودات الكبيرة للفقهاء والدعاة, إلى جانب مجهودات رجال الطرق الصوفية, قد ساهمت في رفد المكون الثقافي المشكل للشخصية السودانية، ولا يزال دورها مهماً في التأثير على جوانب الحياة الروحية والثقافية والعلمية والاجتماعية والسياسية...الخ, بما للفقهاء ورجال الطرق الصوفية من تراث روحي وفكري وثقافي وأدبي ودعوي هائل، فقد تميز الفقهاء والمتصوفة بالدور الاجتماعي الكبير, فهم الحكماء والقضاة في قضايا الصلح بين المتخاصمين، سواء كان هؤلاء المتخاصمون قبائل وعشائر، أو كانت الخصومات الزواجية بين الرجل وزوجه، أو بين الأسر في القرية الواحدة...الخ, لذلك شكل أهل الفقه والتصوف مرجعية ثقافية وقضائية واجتماعية لأهل السودان, بل وأصبحوا قبلة للثقافة والإشعاع العلمي والثقافي والروحي يأتم بهم الناس فيقدمون لهم الهداية والإرشاد الديني، جنباً إلى جنب مع المأوى، والمطعم، والتعليم عبر نظام "المسجد" و"الخلوة" و"المسيد"، وهو النظام الذي ظل حتى وقت قريب الوسيلة الوحيدة للتعليم في السودان.
والحق إن العامل الديني كعنصر أساسي في المكون الثقافي السوداني- ومع مجهودات هؤلاء الفضلاء من الفقهاء والمتصوفة- نجده لم يوظف بعد بطريقة فعالة لتوحيد شمل السودانيين, بحيث يعاد تجديد معاني المشروع الثقافي الديني, وتحوله من كونه عاملاً مشتركاً إلى كونه عاملاً موحداً بين شعوب ومجتمعات السودان, بوصفه العنصر الأكثر عمومية وجاذبية من بين العناصر الوحدوية الاخري مثل اللغة والعرق والمصالح والمصير المشترك, مما يؤهله لخلق شروط ومستلزمات الهوية الثقافية السودانية الموحدة. ولا يعني هذا التقرير انعدام مثل ذلك الأثر بإطلاق الكلمة, بل الثابت إن الثقافة الدينية الإسلامية – وبطريقة ذاتية وعفوية وتلقائية- وهو من مصادر قوتها, ظلت تقوم هذا الدور التوحيدي الهام في الحياة الاجتماعية السودانية, بدرجة عالية من الكفاءة والفعالية, فقد ظلت تؤدي وظيفة المبادرة والتصدي لدرء الخلافات وتصفية النزاعات ومعالجة الصراعات، والشواهد على ذلك كثيرة ومتنوعة فكانت وظيفتها مطلوبة ومرغوبة باستمرار.
ولكننا نعني ضرورة الحاجة إلى تعميق تصورات المشروع الثقافي الإسلامي كونه عامل وحدة فضلاً عن كونه عاملاً ثقافياً مشتركاً, بوصفها الحاجة التي تزداد وتكثف أهميتها مع احتدام التنافس علي الثروة والسلطة، المتلازم مع التدهور الذي أصاب المجتمع السوداني على أكثر من وجه من أوجه حياته الإنسانية والثقافية والقيمية والاقتصادية...الخ, كما تزداد الحاجة للثقافة الدينية لاسيما في سياق ضعف الثقة والاحترام المتبادل بين السلطة المركزية والكثير من النخب والأفراد والشرائح والفئات والجماعات في المجتمع السوداني، بسبب انحيازات السلطة المركزية غير المبررة وعدم جديتها وعجزها المستمر عن معالجة قضايا وأوضاع الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية...الخ, بالطريقة الفعالة التي تنتهي إلى تجاوز النزاعات والخلافات المتجددة. وهذا هو غاية الرؤية الثقافية المنشودة في هذه الرسالة, بوصفها الإستراتجية التي تضمن الإصلاح والتقدم الحقيقي المرتكز على أصالة الذات والمحقق لبناء الشخصية السودانية الموصولة بمنابع إبداعها الضاربة الجذور في أعماق التاريخ, وبالنتيجة تجاوز ثقافة الانقسام والتفرق وتجنب الحديث عن الهوية العروبية أو الأفريقية المفردة في السودان, التي تغالط منطق التاريخ وتناقض ما جرى في هذه البلاد العريضة من تداخل, وتهمل التفاعلات الثقافية والحضارية التي حدثت وتعزل الشعوب السودانية عن المجارى العام لتاريخها الذي تصب فيه.
ودلالة ذلك ضرورة الرهان على المكون الديني, كأساس لإستراتيجية الإصلاح الثقافي في السودان, بما يعني ضرورة انبثاقها من الرؤية الإسلامية للوجود, كثقافة موحدة وعالمية وإنسانية وكلية حاوية لرؤية في الكون والإنسان والحياة, باعتبار إن الإسلام قد جاء برؤية كونية للإنسان، متجاوزة ومستوعبة للثقافات المحلية المنقسمة على نفسها كيفما كانت, كما جاء بقيم ومبادئ ثقافية هادئة تقصد إلى الخير والإحسان، وتحي الضمير الإنساني وتنير العقول وتحي حس المسؤولية في الإنسان, فالإسلام موجه لحركة المجتمع ومصدر كل نظمه الفاضلة العاملة ثقافياً واجتماعياً وسياسياً بوسائلها المختلفة. فإن الإصلاح الثقافي وفق الرؤية الإسلامية إصلاح متكامل يعنى بالجسم والروح والعقل والإرادة, فيجمع بين تأديب النفس وتصفية الروح وتثقيف العقل وتقوية الجسم وبناء الإرادة وتحريرها، فهو يعني بالإصلاح الخلقي والصحي والعقلي دون إعلاء لأي منها على حساب الآخر, وبذلك ينشأ الإنسان سوياً قوى الصلة بالله، محققاً لرسالته في الحياة.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.