بين هيمنة جهاز الدولة وتعددية قوى المجتمع


أن كل هذه المشروعات والتطورات الدستورية لم تحقق التوافق الوطني، لكونها مشروعات دساتير تقترحها وتفرضها النخب السياسية الحاكمة بعيداً عن إرادة الشعب السوداني، مما أفسح ويفسح المجال لاستمرار حالة الحرب الأهلية في البلاد، اتساع نطاقها، لكل ذلك ولغيره، فإن الذي نراه لخلق حالة التوافق السياسي العام في البلاد، ضرورة إن يشرع الدستور القادم إجرائياً بقيام «جميعه» «تأسيسه» «منتحبة»، من انتخاب عامة الشعب السوداني ويعهد لممثليه مسألة مهمة إعداد الدستور الدائم للسودان، لضمانها تمثيل واسع لسائر الطيف الفاعل في الحياة السودانية، بحثاً عن تحقيق التوافق السياسي العام وإزالة الاحتقان السياسي، وطي صفحة الحروب الأهلية، وتحقيق السلام الشامل وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوداني ونحو ذلك من معاني عليا دينية وأخلاقية وسياسية واجتماعية ملحة، عساه يكون الدستور «الدائم»، القابل للتعديل من داخله، على أن ينتهي أجل الجمعية التأسيسية للدستور بانتهاء الغاية منها بصياغة الدستور الدائم وإجازة سائر القوانين المنظمة للحياة السياسية الملازمة له: كقانون الأحزاب وقانون الانتخابات وقانون الإعلام والأمن ونحوها من قوانين منظمة للحياة السياسية العامة. على أن تجرى على أساسه وبعد إجازته باستفتاء عام انتخابات عامة، بعد فترة «تحول» انتقالية لبناء للثقة الوطنية يتفق عليها، تجديداً للمشروعية السياسية للنخبة الحاكمة أو نفيها، وتجديد الدماء والروح واستيعاب حالة الانفراد بالسلطة لفترات طويلة، فيكون احترام مبدأ الاحتكام إلى مبدأ الرضا الشعبي وتحقق إرادته، المبني بدوره على معاني العدالة وتكافؤ الفرص والشفافية والنزاهة، وليكون بعيداً عن ثقافة فرض الخيارات بالقوة العسكرية والإقصاء والعنف والاستقواء بالأجنبي.
لهكذا اعتبارات فإنه من الضروري ألا يتأخر تاريخ كتابة وإمضاء الدستور الدائم للسودان، خاصة بعد انتهاء صلاحية الدستور الانتقالي 2005م، بانتهاء آجاله باستفتاء انفصال الجنوب، بما يعني أهمية صياغة دستور لدولة السودان «ما بعد انفصال الجنوب» كواجب ديني وأخلاقي وسياسي وقانوني واجتماعي بما يعجل بضرورة إعادة تعريف «الدولة» السودانية، وإعادة بناء الميثاق السياسي العام لها، فلا ينتهي الحال إلى تلاشي ما تبقي منها، إن لم نعمد كشعب وبسرعة إلى وضع دستور آخر، لاسيما وقد بدت إشكالية اغتراب الدولة والنظام السياسي في السودان وتأثيره السالب على علاقات النسيج المجتمعي السوداني ظاهرة للعيان، ولما لم يكن الدستور كياناً قانونياً جامداً فحسب، بل هو تجريد فلسفي وثقافي يعكس نمط عيش المجتمع السوداني المرغوب في الحياة، بوصفه تعبيراً عن أسلوب الحياة المجتمعية الذي يميز المجتمع السوداني السودانية من خلال نظامه الأخلاقي والاجتماعي والسياسي والقانوني...الخ، فإن في الإسراع إلى إمضائه، كأساس «للدولة» السودانية ما بعد الانفصال، فرصة تاريخية توسع من النظر إلي الدولة كمؤسسة رسمية الهدف منها تحقيق المقاصد الوظيفية المحددة، في الأمن والسلام والخدمة العامة ونحوها، إلى آفاق ممارسة وتجديد وإذاعة الأخلاق والفضيلة التي تعنى بالكمال الثقافي والخلقي للمجتمع السوداني، فضلاً عن الاهتمامات السياسية والأمنية والقانونية.   
وهكذا فإنه لا يجب أن يؤول أمر وضع الدستور القادم إلى لجنة قومية تقترحها الأحزاب الحاكمة تهدي دستوراً إلى الشعب بوصفه في المعنى النهائي منحة من الحاكم، كما لا يعهد به إلى مؤتمر دستور تمثيلي لنخب السياسية السودانية، كما تري قوي المعارضة السودانية، بل يرهن إلى إرادة مجتمع السودان في مجموعه، فتمضي أمره «جمعية» «تأسيسية» «منتحبة» من مجموع الشعب، بوصفها جهة مشروعة تضع الدستور مستهديه بأدبيات الاستفتاء ومستوياته السابقة عند وضع مبادئ الدستور الموجهة والمتزامنة عند توضيح نظام حكمه واللاحقة عند بناء سائر عناصره ضماناً للتوافق المجتمعي الواسع عليه، بعد أن عجزت سائر النخب السودانية من تحصيل معاني التوافقية العامة على الدستور منذ فجر الاستقلال، لأن النخب المختلفة والمتعاقبة كانت تحاول فرضه بطرقها الأحادية بعيداً عن الإرادة العامة للشعب السوداني، وعندها نكون قد شرعنا فعلاً في الاستقلال الحقيقي لبلادنا السودان.
أما المحتملات السياسية لهكذا تحول سياسي واجتماعي سلمي هام، عام وشامل في الحياة العامة السودانية، فهي:   
أولاً: تكوين حكومة وطنية جامعة ممثلة لكافة قوي المجتمع السوداني الفاعلة، بحيث لا ينفرد أحد مكوناتها السياسية بالقرار النهائي فيها.
ثانياً: الدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة لا عزل فيها لكيان حاكم أو معارض، وتكوين حكومة تسير أعمال من التكنوقراط ووكلاء الوزارات بغية إظهار الجدية على بناء الثقة السياسية.
ولن يضار حزب المؤتمر الوطني من ذلك كونه سيكسب حلول للأزمة السياسية طالما أنه مطمئن لجماهريته وقدراته التنظيمية الكبيرة.
ثالثاً: انتفاضة شعبية تصحبها دعوة الجيش إلى إعلان فترة انتقالية، تجري بعدها انتخابات عامة على قرار ما فعله المشير «سوار الدهب» ما بعد الانتفاضة 1985م. ولهذا السيناريو مستحقاته ومحظوراته، ولكنه يبقي خياراً سلمياً بالإمكان التعامل معه بالجدية اللازمة.
رابعاً: توجيه وتطوير استحقاق الانتخابات القادمة، وفقاً لأجلها المعلن، في نهاية العام 2014م نحو حل سياسي شامل، وذلك بإعلان سياسي وطني عام ممهور من القوي السياسية الفاعلة، يشير إلى كون البرلمان القادم هو برلمان جمعية تأسيسية للدستور القادم، تكون همهمته الرئيسة هي كتابة وإجازة الدستور الدائم.
وهي المحتملات التي تتطلب التزامات سياسية مساعدة، أهمها:
أولاً: التوافق على فترة انتقالية «أولية» لبناء الثقة كفترة زمنية تحضيرية أولية، تمكن القوى السياسية المختلفة، من تبيان رؤاها الخاصة للناخب السوداني، حول معاني ومبادئ ونظم الحكم الدستورية محل النقاش.
ثانياً: تكوين هيئة انتخابات عامة توافقية لإدارة الملف الانتخابي التأسيسي، على نحو توافقي لسائر الطيف الفاعل في البلاد، برئاسة من قضاة حاليين أو سابقين ممن يشهد لهم بالكفاءة والنزاهة.
ثالثاً: وضع قانون أو لائحة انتخابات، تعين عدد الدوائر وتوزيعها، والأجدى أن يكون القانون قائماً على الجمع بين التمثيل المباشر والنسبي، ضماناً لحضور تمثيلي للقوي القومية الكبيرة في حضورها الشعبي وللأخرى الصغيرة الفاعلة على النطاق الوطني المحلي والإقليمي غير القومي العام.   
رابعاً: التوافق على فترة بناء ثقة انتقالية «ثانية» لفترة زمنية أخرى، تمكن القوي السياسية المختلفة للدعوة لبرامجها العامة، منافسة على انتخابات عامة، تشرع بموجب الدستور محل الاستفتاء وقوانينه المجازة، من خلال الجمعية التأسيسية، تنتهي إلى القوى الفائزة فيها مهام حكم البلاد، بآجال الدستور المجاز ونظام حكمه.
خامساً: التوافق على تكييف أخلاقي واجتماعي وسياسي وقانوني لفكرة العدالة الانتقالية، يضمن معاني المجازاة والمساءلة والتعافي والتصالح، ليكون أساساً لتصفية النفوس وإشاعة أجواء الثقة والتفاؤل بين السودانيين بالمستقبل.
وفي كل الأحوال فإن الواجب هو أن كتابة الدستور السوداني المجتمعي التعاهدي من خلال هكذا إليه «جمعية منتخبة» وإجراء «استفتاء عام» عليه، وبما يحويه من الالتزامات والصلاحيات الهامة التي تشرح وتقييد طبيعة نظام الحكم الملائم للسودان، سيكون مساراً سياسياً أساسيا للعبور بالبلاد من أزمتها السياسية، كون مصدره الذي هو إجماع الشعب وثقافته السائدة، فيصبح عندئذٍ هو الوثيقة التعاهدية الارتضائية تفسير طبيعة السلطة العامة.
إصلاح نظام الحكم الاتحادي. "تطبيقي".
انتهينا إلى أن النظام السياسي ومهما كان مبرره الهام في الحاجة إلى الأمن والسلام وتسهيل الخدمات العامة في المجتمع ضرورياً، إلا أنه لا ينبغي أن يستطيل ليستحوذ على فضاء الحياة الاجتماعية العامة، بحيث يكون هناك نوع من التوازن بين النظام السياسي والقوى الاجتماعية، فيكون التوزيع الدستوري للأدوار سبيلاً لكبح سيطرة النظام السياسي على المجتمع، فيكون له مجاله الخاص. فلا يعمد النظام لإتباع سياسة السيطرة الشاملة على الحياة الاجتماعية للمجتمع السوداني، فينتهي من حيث يدري ولا يدري للقضاء على المؤسسات المجتمعية الوسيطة، وبالنتيجة يصير الفرد فرداً معزولا ًمعرضاً مباشرة لهيمنة الدولة وإكراهاتها وإغراءاتها، فيتمزق نسيجه الثقافي والاجتماعي...الخ، أو يقع في ردة الفعل برفض مؤسسة الدولة من أساسها، بالدعوة إلى القطيعة معها، فيتعمق الصراع السياسي ويتمزق النسيج المجتمعي معه، ومن ثم تتعطل وظيفة النظام السياسي وظيفة المجتمع معاً.   
والأصل في ذلك إن الرؤية الإسلامية في النظر لبنية الولاية العامة، تعمد إلي توزيع الصلاحيات والوظائف داخل المجتمع وفقاً لمبدأ الشراكة في الولاية العامة بين أفراد المجتمع فهي توزع الولايات بين الوظائف السياسية للمجتمع، وتوزع مجال التشريع على سائر الوظائف المختلفة في ولايات التنفيذ، سوى أن هذا التوزيع يختلف في جوهره عن الفصل الذي ينادي به الفكر الوضعي في النظم الديمقراطية الحديثة اعني «مبدأ فصل السلطات». ذلك لأن مؤسسة «الحكومة» تخضع لولاية المجتمع خضوعاً لا جدال حوله، كون أن مؤسسة المجتمع من خلال ميثاق البيعة «الدستور» سابقة لمؤسسة الحكومة ومؤسسة لها، فالشريعة في المفهوم الإسلامي هي مصدر كل ولاية. ويتجسد ذلك أولاً في مؤسسة المجتمع من خلال ميثاق «الدستور» ومن بعد تتجسد ثانياً في هيئة الحكومة، كما إن المفهوم الإسلامي لا يفصل بين التنفيذ والتشريع على عكس ما تنادي به الديمقراطية الحديثة.
والمعني إن الرؤية الإسلامية تطرح مشكلة حدود الولاية العامة في نظام الحكم، كوجه من وجوه حدود الولاية السياسية إجمالاً، لأنه لا ثمة ولاية مطلقة إلا لله تعالى. يقول تعالى: الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ {هود 19/20}. ويقول: وَمَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا {الإسراء/97}. ويقول: قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا {الفرقان/18}.ودلالة ذلك إن كل ولاية في المجتمع تبقي ولاية ومحدودة، إلا ولاية الله تعالي فهي مطلقة، إلا أن نفي الإطلاق لا يعني نفي التمام، فالولاية غير المطلقة تكون تامة أو غير تامة، كذلك، لا يمنع نفي الإطلاق عن الولاية العامة أن تكون ولاية تامة في نوعها.
وهكذا فإن مسألة علاقات الولاية في مستويات الحكم، ينظر إليها بصورة متكاملة تأسيساً على تراتبية مصدر الولايات لله تعالي ثم لولاية المجتمع المبنية على أصل الشراكة، فالولاية على تزكية الناس وتعليمهم تعد ولاية تامة، والولاية على الاقتصاد والعمل على توزيع الثروات توزيعاً عادلاً بين الناس في الاجتماع تعد ولاية تامة، والولاية على الثقافة والدعوة يعد ولاية تامة، وولاية العدل، سواء كانت تعني جهة القيام بالحكم في المنازعات وإحقاق الحقوق، والفصل بين المتنازعين أي القضاء يكون ولاية تامة، أو كانت من جهة القيام بالارتفاق العام والمصلحة العامة، وولاية التزكية والتعلم، والعلاقات الخارجية، والأمن والجند ونحو ذلك، فكلها ولايات تامة، وهكذا.
أما إذا ما تكونت هذه الولايات الخاصة التامة متعددة المستويات الاتحادية والولائية والمحلية، وفق عهد الدستور العام بما يقرره التشاور والإجماع والمشاركة، وما يحتاجه المجتمع من رؤية خاصة بكل ولاية "تشريعياً وتنفيذياً"، فقامت الولايات المختلفة: الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والتعليمية لتحقيق تلك الرؤية أو هذه التوجيهات في صفحة الواقع، فإنها تشكل بتكاملها عهود الولاية العامة في نظرية النظام السياسي الذي نقرره، فيراقب ويقترح ويحاسب الناس كل ولاية في مستويات ولاياتها، من خلال مجالس محليات منتخبة، ومجالس ولائية منتخبة، ومجلس اتحادي منتخب، ووزارات تنفيذية مختصة بكل ولاية، مدى التزام خياراتهم على مستويات الولاية جميعها، بمحررات الإجماع العام أو الخاص، ولهم حق عزل الولاة المختصين "كل في ولايته المعنية" عند مخالفة العهد الدستوري المقرر.
ودلالة ذلك أن مبدأ توزيع الولايات والوظائف العامة، هو أكثر الطرق عملية لتحديد ولاية المجتمع على الدولة، فالخاصية المميزة لتوزيع الولايات هي أنها تركز على فقه الشراكة في توزيع الولايات السياسية، فقبل صياغة فكرة توزيع الولايات، يكون من الضروري تكييف نوع من الفهم الفقهي الممكن لفكرة مجالات الولاية بصفة عامة، والتي هي ولايات ووظائف موزعة عن الولاية.
وهكذا فإذا كانت الديمقراطية الحديثة تقوم على فكرة فصل الولايات كوسيلة ناجعة لمنع هيمنة ولاية على أخرى، فالإسلام أوجد مبدأ توزيع الولايات، فالولاية التشريع والاجتهاد في الإسلام تكمن في الاجتهاد في مصادر الشريعة بالذات أي في القرآن والسنة وتفقه الواقع الظرفي للمجتمع، الولاية التنفيذية والاجتهادية تكمن في مؤسسات الحكومة، والحكومة تستطيع التشريع، وليست ولايتها محصورة في إجراء وتنفيذ ما جاءت به الشريعة إلا بعد الاجتهاد في الشريعة، أما القضاء فيتمتع باستقلال كبير، لأنه لا يستند في أحكامه على رأي القاضي بل على أحكام الشريعة الإسلامية.
والحق إن شكل التراتب والمضامين السلطوية، التي تناولناها من منظور الرؤية الإسلامية، هي ما نبحث عنه من خلال تطوير وتجديد نمط نظام الحكم الاتحادي في السودان، من حيث هو بنية لعلاقات السلطة في الدولة السودانية، أي شريطة إجراء إصلاحات هيكلية لصالح تقوية ملموسة لصالح قوي المجتمع ولصالح مستوي الحكم المحلي، واختصاص كل من مستوي الحكم الاتحادي والولائي باختصاصات كاملة ولكنها خاصة به دون الأخير، والتنظير لهكذا إصلاحات كونهما الإصلاحات المرجوة في مجال نظريات الحكم تكون بمثابة مخطط مقترح لما يمكن أن يكون عليه علاقات نظام الحكم في السودان، ذلك أن النظام الاتحادي كفكرة يمكن اعتباره من أفضل عمليات الهندسة السياسية؛ كونه حاول أن يوفق بين هدفين سياسيين، يبدوان من الوهلة الأولي متناقضين: أولهما هو تكوين حكومة مركزية قويه وفاعلة، والثاني هو المحافظة على استقلالية (أو شبه استقلالية) لحكومة الولايات.
وبهذا المعني فإن نظام الحكم التعاهدي الاتحادي، هو الأقدر على التعبير عن خصوصيات ومكونات المجتمعات السودانية، كرهان أساسي لتكيف نمط السلطة في الدولة السودانية، باعتبار أن دستوره سيكون وليد الولاية الاجتماعية وليس حدثاً فوقياً طارئاً عليها، ولذلك لابد للنظام الاتحادي المرجو من يسمح بإدارة التنوع في مجتمعنا المتعدد الاختلافات العرقية، أو اللغوية، أو الدينية، أو الجهوية...الخ، وبما يمكن سائر النخب السياسية الصغيرة أو الكبيرة على المستوى المحلي والولائي، من تحقيق رؤاها ومشروعاتها المختلفة بما يتوافق والدستور الاتحادي، محققاً في ذلك المبدأ السياسي القائل: «الوحدة من خلال التنوع»، عندما يسعي لإيجاد حكومة اتحادية، متماسكة، ورمزية، ويسمح في الوقت نفسه في لامركزية ولائية لأقاليم الدولة، تجعل من نمط الحكم المحلي هو الأقوى والأكثر صلاحيات وسلطات من بين متلازماته الولائية والاتحادية، بما يؤهله من تحقيق الوحدة بين أبناء الدولة، دون التشاكل (أو التماثل). بما يجسد فكرة مبدأ الحوار والتثاقف السياسي ويفتح الأبواب أمام فرص تكامل وتضامن الأدوار والوظائف المتبادلة بين وظائف النظام السياسي وأهدافه ووظائف غيره من النظم والفئات الاجتماعية والأهلية الفاعلة في الحياة السياسية.
ومن نافلة القول أن نقول أن الدولة السودانية تتكون من الولايات الداخلة طواعية فيها، وهي لأية واحدة تذوب فيها الشخصية الخاصة للأقاليم، مستوعباً ومتجاوزاً بذلك مفهوم الاتحاد الاستقلالي في الفكر السياسي الوضعي، الذي لا يعدو أن يكون معاهدة بين دول تبقي محتفظة بكامل شخصيتها وسيادتها الخارجية وداخلية على السواء، ذلك أن الدولة تستند إلى عمل عهد داخلي هو الميثاق، بينما يستمد الاتحاد الاستقلالي وجوده من معاهدة بين الدول الأعضاء، أي من اتفاقية دولية، ويترتب على هذا أن الاتحاد الاستقلالي لا يمكن تعديل مضمونه إلا بتعديل المعاهدة، الأمر الذي يستلزم الموافقة الجماعية للدول الأعضاء، على عكس ذلك في الدولة،  إذ يمكن تعديل الميثاق الاتحادي رغم معارضة بعض الولايات،  ودون أن يكون لهذه الولايات حق الانفصال، أي أن موافقة أغلبية الولايات في الدولة كافية لتعديل الميثاق، ولا يشترط أبدا إجماع الولايات المختلفة.
هذا فضلاً عن أنه في الدولة، نجد أن الهيئات الرقابية والقانونية والتنفيذية المركزية تكون لها سلطاتها المباشرة على الناس في الولايات المختلفة، فيكون هناك مجلس تشريعية اتحادي يصدر قراراته بإجماع الأعضاء، وهذه تنفذ على جميع رعايا الولايات مباشرة دون الالتجاء إلى ولاية الولايات، في حين أنه في الاتحاد الاستقلالي تتولى اختصاصاته هيئة مشتركة تسمى «مجلس الولايات» أو «مجلس الاتحاد»، وتتكون هذه الهيئة من ممثلين للدول المتعاهدة الأعضاء، وفي الغالب يشترط في قراراتها أن تصدر بالإجماع، ولا تكون هذه القرارات نافذة في الولايات إلا بموافقة حكوماتها وبواسطة موظفي هذه الحكومات، ذلك أن الاتحاد الاستقلالي يعوزه الجهاز التنفيذي الاتحادي الموحد، فتقوم كل ولاية من الولايات بتنفيذ قرارات المؤتمر (أو مجلس الاتحاد) بواسطة موظفيها وأجهزتها التنفيذية ،وتعد هذه الظاهرة من أهم ما يميز الدولة السودانية عن الاتحاد الاستقلالي، فهذا الأخير لا تكون له ولاية مباشرة على الناس، على خلاف الاتحاد الذي تكون لهيئاته المركزية ولايات مباشرة على رعايا الولايات.     
كما أنه من أبرز الفوارق بين الدولة السودانية الاتحادية وبين الاتحاد الاستقلالي أيضاً، وجود نظام المجالس التشريعية في الدولة السودانية، أما المؤتمر أو المجلس، في الاتحاد الاستقلالي فيضم ممثلين للدول الأعضاء، أي يقوم المؤتمر في الاتحاد الاستقلالي على قاعدة التمثيل المتساوي للدول الأعضاء، أما مجلس التشريعية في الدولة السودانية، فيتكون من مجلس التشريعية وهو المجلس الذي يمثل جمهور الدولة السودانية في مجموعها، أي يتكون عن طرق انتخابات عامة يشترك فيها رعايا الولايات الداخلة في الاتحاد، وبالتالي يكون لكل ولاية من الممثلين في هذا المجلس بعدد يختلف بحسب الرقمية العددية لسكان الولاية.
وبناء على ما تقدم، فان دعوة الرسالة ستكون هي الدعوة إلى تبني نظام الحكم الرئاسي الاتحادي،  كونه الأكثر ملائمة لأحوال السودان الثقافية والاجتماعية والسياسية والجغرافية والأقرب إلى النموذج الإصلاحي المتماهي وطبيعة النموذج الإسلامي في توزيع الولاية العامة كما يبدو، شريطة تكييفه بنمط سلطوي خاص من العلاقات السلطوية المقيدة، كونه يلعب فيه الرئيس بعد انتخابه من غالبية الشعب السوداني، دوراً رئيساً في تعزيز الوحدة الوطنية لا سيما إنه يحظى بتأييد مهم من قبل معظم أطياف ومكونات الشعب إذ ينظر إليه كرمز للوحدة الوطنية. 
كما أن وجود سلطة تنفيذية برئاسة الرئيس سيساعد على تخطي حواجز الجمود القانوني والبيروقراطي والعمل بسرعة وديناميكية لاسيما في مجال اتخاذ القرارات الملحة، فضلاً عن أن وجود رئيس جمهورية يتمتع بتأييد أغلبية أطياف الشعب يساعد على التخفيف إلى حد كبير من عموم الأزمات السياسية الداخلية، التي يمكن أن تحدث في ظل وجود عدد هائل وكبير من الأحزاب السياسية المتقاربة في النظم النيابية البرلمانية الحرة، من حيث موازين القوة والتأثير بشكل يضعف كثيراً من الأداء السياسي للحكومة، ويهدد الاستقرار السياسي والأمني، في حالة الأنظمة السياسية الأخرى.