آلية كتابة الدستور الدائم للسودان. "تطبيقي".

بين هيمنة جهاز الدولة وتعددية قوى المجتمع

الدكتور محمد المجذوب



آلية كتابة الدستور الدائم للسودان. "تطبيقي".
قلنا إن ولاية المجتمع اسمي ولها القيمومة على ولاية الحكومة، كون أن المجتمع هو الذي يمنح الولاية للحاكم، باعتبار إن ولاية المجتمع متجذرة بعمق في الوجدان الديني للأفراد، وأن المجتمع "ككل" قد جسد الولاية، وقام المجتمع بنقل تكليف الولاية إلى الحكام؟ فالمجتمع هو إذن المصدر الأعلى لكل الولايات السياسية، وليس ثمة اعتراف بأي مصدر آخر لأي ولاية سياسية إلا عبر ولاية الخطاب الديني وولاية المجتمع ككل، والسؤال الهام هو هل يجوز للمجتمع أن يتخلى عن تلك الولاية، وهل بالإمكان استعادتها من طرف المجتمع؟ وكيف كان بالإمكان أن يكون المجتمع مصدر الولاية العهد والبيعة وخاضع له؟.
والحق إن المجتمع لا يتخلى عن الولاية أبداً ولا يفوضها إلى أي جهة أخرى مهما كانت، فلما كانت ولاية المجتمع، والمجتمع نفسه قد تأسست بموجب الرغبة المشتركة من قبل الناس لعبادة الله، فإن ولاية المجتمع تستمد إذن من ذلك القدر من الإجماع على نفاذ الهداية الإلهية المراد القيام بها في حدود الزمان والمكان، ومن ثم فان ولاية المجتمع هي التي تكيف هيئة حكومية ما لتقوم بتنفيذ الوظائف المجتمعية ذات الطبيعية العامة، وهكذا تكون ولاية المجتمع من خلال مبدأ الشراكة، لها القيمومة والسمو أما ولاية الهيئات الحكومة المتشكلة لاحقاً. ولا يتحقق ذلك إلا اذا كانت ولاية المجتمع اعلي من ولاية الحكومة وسابقة عليها، فتكون حاكمة عليها وباستمرار، وتحقيق ذلك عملياً يكون من خلال إجازة عهد الولايات الحكومية السياسي "الدستور" عبر ولاية إجماع المجتمع وإرادته العامة وعبر استفتاء عام.
بكل هكذا اعتبارات أصولية ونحوها فإن مناسبة كتابة دستور السودان القادم تصبح فرصة تاريخية سانحة، مع إصلاحات أخرى: ثقافية واجتماعية وفكرية واقتصادية ـ في طريق بناء مشروعية الهيئات الحكومية وبناء الثقة والتوافق والانسجام السياسي والاجتماعي والثقافي في المجتمع السوداني، ولإعادة بناء السلم الأهلي بين مكوناته، كونها فترة مهمة لقويم المسار السياسي العام وللخروج بالبلاد من حالة فقدان الثقة والاحتراب الأهلي والتمزق الاجتماعي، إلى حالة التوافق الاجتماعي والسياسي العام على طبيعة الحكومة وهيئاتها ووظائفها.
وشرط ذلك أن كتابة ميثاق الدستور كميثاق اجتماعي لا بد وأن يعبر عن طبيعة الحياة الثقافية الموجودة في المجتمع السوداني كما يراها المجتمع نفسه من خلال إجماعه العام، عندها فقط يمكن اعتبار «الدولة» و«الدستور» و«الحياة» الاجتماعية والثقافية السودانية المرجوة متطابقة ومتماثلة، ولذلك فإن الدستور لابد وأن تكتبه إرادة الشعب السوداني العامة، وذلك عبر «جمعية» «تأسيسية» «منتخبة» تكتبه وتمضيه وتصوغ القوانين السياسية الأخرى المنبثقة عنه، ثم لا يكون الدستور مشروعاً إلا باستفتاء شعبي عام عليه، أي أنه لا يجب أن يرهن أمر وضع الدستور إلى إرادة القلة القليلة من النخب السودانية سواءً أكانت حاكمة من خلال «لجنة قومية»، أو محكومة من خلال «مؤتمر دستوري» أو ما شابهها من آراء نطالعها كل صباح.
والحق أن هناك دلالات ومعاني سياسية وقانونية وأخلاقية واجتماعية مهمة لفكرة كتابة وثيقة «الدستور»، كخارطة طريق لبناء الثقة، وفرصة لتبلور عقلانية الداخل، كونها تتضمن المحتوي القيمي والثقافي للأفراد في المجتمع السوداني وتصديقها العملي في علاقات المجتمع العامة، وهكذا فالمفهوم يشير إلى ذلك الشيء الكلي الخارجي، الذي هو الجسد السياسي للمجتمع السوداني، والتي تتضمن أصل فكرة الحرمات الإنسانية والواجبات العامة تجاه المجتمع، ومن هنا تظهر أهميته في سياق بناء الثقة والتوافق في المجتمع السوداني، كونه الاستعمال الأكثر قيمية والأكثر جوهرية والذي يشير إلى كيان أو جسد من العلاقات الأساسية المعبرة عن القيم الثقافية المشتركة في المجتمع السوداني، هذه الفكرية وبالرغم من أنها لم تتم الإشارة إليها بهذا المعنى عند وضع الدساتير السابقة للدولة السودانية، إلا أنها هي الأساس لوجهة النظر التي تطرحها الرسالة لآلية كتابة الدستور الدائم للسودان.
كون أن فكرة مرجعية الكيان أو الجسد التعاهدي «الدستور»، إنما تستند على ما في عموم القيم الثقافية الفردية والجماعية، المتشكلة في سلوك واتجاهات الأفراد في المجتمع السوداني، والموجه من ثم لتصرفاتهم في الحياة العامة. فمفهوم ميثاق الدستور «الدستور» هو الاستعمال الأكثر قيمية والأكثر جوهرية والذي يشير إلى كيان أو جسد من العهود السياسية الأساسية، وهى فكرة كيان أو جسد من العهود والالتزامات، فالعهود التي ينظر إليها على إنها التزامات أخلاقية متضمنة في الوجدان الخاص للأفراد أي متشكلة في السلوك واتجاهات للأفراد في المجتمع السوداني، والتي تعمل على توجيه تصرفاتهم، هذا على المستوي الأخلاقي الخاص.    
أما على المستوي القانوني العام فميثاق الدستور عبارة عن وثيقة مكتوبة أو غير مكتوبة مشكلة لميثاق التزامات من قبل أفراد المجتمع السوداني، وهي الوثيقة التي تخضع لها مؤسسة الحكومة والهيئات القضائية والتشريعية وسائر المؤسسات في السلطة العامة، وبهذا المعنى فهو الشكل الأكثر عقلانية من أشكال الاتفاقات والعهود التي تجعل من فكرة التعاقد السياسي الارتضائي مؤسساً لها، ولكونه يتضمن الالتزامات والواجبات المشتركة التي على المجتمع القيام بها، فإن مثابة الدستور في الدولة، كمثابة العمود الفقري في جسد الإنسان بوصفه يشرح الهيكل الأساسي «للدولة»، كون أنه يشرح النظام العام للسلطة العامة والذي تمارس «الدولة» من خلاله وظائفها، فهو مقر السيادة في الدولة والمعين لعدد المؤسسات الحكومية وطبيعتها والعلاقة بينها ووضع موظفي الحكومة وأسلوب التوظيف.... الخ. وهو فوق ذلك عبارة عن ترتيبات مؤسساتية لضمان تنوع السلطة ولضمان المحافظة على التجديد الدوري بغرض حامية القيم السائدة في المجتمع، إضافة إلى فلسفة السلطة لمفهومات توزيع السلطات والوظائف العامة والرقابة والتوازن لنوع السلطات والعاصمة والاتحاد المركزي أو اللامركزي...الخ.
وبذلك فإن كتابة الدستور لا بد أن تعبر عن نوع المتوافقات بين الأفراد في المجتمع السياسي السوداني، السابق على كيان الحكومة، تلك الأسبقية التي من الممكن أن تكون زمنية، أو قانونية أو أخلاقية، بما يمكنه من أن يكون قيداً مستقلاً كل الاستقلال عن «الحكومة»، بل هو سابق في الوجود لأس الحكومة ووظائفها، وهو الذي يحدد السلطة ويعطي للحكومة الحق في ممارستها، بوصفه مستقر العهود والمواثيق التي تحكم عمل الحكومة. والحق أن نفاذية وصلاحية موضوعات وقواعد الدستور هي شيء منفصل عن نظام السلطة وسابق نظرياً لها، وهي التراتيب الضرورية للحفاظ على فكرة أسبقية قواعد ميثاق الدستور، وعندئذٍ فإن مفهوم الدستور عندما ينسب إلى «الحكومة» فيقال دستور الحكومة إنما يدل على ما يجب على «الحكومة» من واجبات ووظائف يحددها ميثاق الدستور، عندما تشير إلى طبيعة السلطة في البناء السياسي، فهو بهذا المعنى مصدر السلطة التي تميز بها أو تتركب منها الحكومة، ذلك أن ميثاق الدستور ليس إضافة إلى «الحكومة»، وإنما هو جزء من نظرية السلطة العامة، والتقيدات للسلطة العامة هي جزء من تلك النظرية وخاصية من خواصها، وليست مستقلة عنها.
والواقع أن جوهر قواعد الدستور هو أنها فوق نزوات المجتهدين وواضعي وثيقة الدستور نفسه، بوصفها مفهوم معبر عن مضامين الهوية الثقافية والقيمية السائدة في المجتمع، وهي الأبعاد الأخلاقية والقيمية بالذات ما تجعل مسألة الدستور متميزة عن كل أنواع العقود السياسية الوهمية في الفكر السياسي أو أنواع العهود والقوانين في الحكومات التسلطية، ومن هنا أهمية تحصيله للتوافق الأهلي العام، كما أن مسألة تعديله أو إلغائه يعتبر أمراً على درجة كبيرة من الأهمية، ولذلك فإن الدستور لا يمكن تغيره بالتنصل من قيوده والتزاماته إلا عقب انهيار لدستور سابق بانهيار الدولة أو ثورة عامة أو إرادة أغلبية غلابة تفوق ثلثي أصوات الشعب في استفتاء عام، حيث أن الثورة والاستفتاء يعني قيام وضع دستوري آخر في ظل دستور معدل أو متجاوز للقديم.     
والواقع أن الناظر إلى مسيرة تاريخ التطورات الدستورية في السودان منذ الاستقلال يجد أنه قد وجد عدة محاولات لإعداد وثيقة دستورية جامعة تمر عبر جمعية تأسيسية منتخبة، إلا أنها لم تكتمل بسبب الانقلابات العسكرية في 17نوفمبر 1958م، و25مايو 1969م، ويونيو 1989م. فبالإمكان الإشارة بصفة أساسية إلى دستور الحكم الذاتي لعام 1953، وهو الدستور الذي دخلته تعديلات طفيفة ليصبح دستور السودان المؤقت لعام 1956م، إذ كان هو الدستور الذي حكم السودان حتى 1969م، مع تعديلات طفيفة بين يناير 1956م وفبراير 1958م، وقد كانت النية تتجه إلى كتابة دستور للسودان عبر الجمعية التأسيسية إلا أن الانقلاب العسكري الأول في 17 نوفمبر 1958م قضى علي ذلك الأمل، قبل أن تتمكن القوي السياسية حينها من عرض مسودة الدستور على البرلمان.     
بيد أن النظام العسكري في فترة «عبود» حاول تحسين صورته بتعيين لجنة التنظيمات الدستورية لتنسيق العلاقة بين الحكومة المحلية والحكومة المركزية، وقد أوصت اللجنة بتشكيل مجلس مركزي، وفكرت الحكومة العسكرية بعد ذلك في تشكيل لجنة دستورية لإعداد دستور إلا أن الأوضاع تفاقمت خاصة في جنوب السودان وأدت إلى ثورة 21 أكتوبر 1964م، إلا أنه وبعد اندلاع ثورة أكتوبر، وانتخاب جمعية تأسيسية فقد تكونت لجنة لإعداد الدستور تساعدها لجنة فنية للدراسات الدستورية، بحث مسألة الدستور الإسلامي ورئاسة الجمهورية، والحريات والحقوق الأساسية، وموقف القضاء والهيئة القضائية في مسودة الدستور المقترحة، سوى أن المناورات الحزبية أدت إلى حل الجمعية التأسيسية قبل أن تنجز مهمة إجازة الدستور. أما في الفترة بين (مايو 1968م – مايو 1969م) وبعد أن قامت الجمعية التأسيسية وتكوين لجنة دستور جديدة من بين أعضاء الجمعية التأسيسية ومناقشاتها التي دارت حول موضوع الدستور، إلا أن مشروع الدستور المقترح لم ير النور لوقوع الانقلاب العسكري الثاني في 25 مايو 1969م. وما يقال على فترة الديمقراطية الثانية يقال على الثالثة، والتي انتهت دون التمكن من إجازة دستور للسودان بسبب انقلاب 1989م، لتدار أمور البلاد بعده بموجب مراسيم دستورية حتى إعلان دستور 1998م، والذي شرعته لجنه دستورية، وظل ساري المفعول حتى إعلان دستور 2005م الانتقالي، الذي تمخض عن توازنات أطراف سلام «نيفاشا»، وتوازناتها كما معروف.     
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.