أن وجود أنظمة الحكم الظالمة في أصل عقيدتها السياسية وبحكم الدوافع التي تحركها، والمقاصد التي ترمي إليها، والأساليب التي تنتهجها، فإنها تعد عاملاً يقف وراء تزايد حدة المدافعة في المجتمع السياسي، فثمة علاقة وثيقة بين أنماط الحكم الظالم والنزاعات، وذلك يرجع إلى أن النظم الظالمة تقوم على ادعاء حرية التصرف المتعالي لنفسها من أجل تحقيق مقاصدها وهي ترفض أي قيد على تصرفاتها إلا إذا أكرهت عليه بوسيلة القوة والضغط، ومن هنا نجد الأنظمة العادلة نفسها مجابهة بنمط من السلوك العدواني المتطرف الذي يخلو تماماً من معنى الالتزام بالقيم الأخلاقية ومعايير السلوك الأخلاقي المشروع.
بعبارة أخرى، إن النزوع الآثم في النفس الإنسانية والداعي إلى السيطرة والاحتلال والاستعمار الذي تتولي كبره الأنظمة الظالمة، يستمد شرعيته من الرغبة في إخضاع الآخرين في نظام استعماري عالمي تتحقق فيه لتلك الأنظمة السيطرة المتعالية بلا تحدي، وذلك على غرار ما يحدث في الداخل عندما ينزع نظام الحكم الظالم إلي إضعاف كل أثر للرأي المعارض. من هنا فإن الأنظمة الظالمة على اختلاف اتجاهاتها العقائدية، سواءاً كانت عنصرية عرقية أو ليبرالية متمركزة حول الذات أو حتى كانت نظماً حاكمة باسم الدين، فإنها كلها في سباق نحو الهيمنة والتسلط، والرغبة في التوسع والعدوان، مما يؤدى إلى الفوضى والنزاع والحرب. والنظم الفاسدة، هي تلك النظم التي تسيطر عليها فعلياً قلة قليلة فاسدة ،هي حكومة الملأ من القوم التي تتحالف من أجل مصالحها الخاصة، وتحققها وبوسائلها الفاسدة، التي من أهمها السيطرة شبه الكاملة على قنوات الرأي الجماهيري فتعمل جماعة الملأ على توفير الأسباب التي تساعد على تهيئة مناخ من اللامبالاة السياسية في أوساط الرأي العام الداخلي، حتى لا يكون هذا الأخير في وضع يمكنه من مقاومة ذلك التسلط أو الوقوف على أخطاره المحققة بالنسبة لمستقبل العلاقات السياسية في المجتمع السياسي .عندئذٍ ترتبط السياسة الخارجية للنظام الفاسد بالمصالح الذاتية لتلك الجماعات الحاكمة فعلياً والقابضة علي مفاصل النظام السياسي الداخلي، فتحاول تحقيق أقصى استفادة مادية وأدبية ممكنة من وراء استمرار أوضاع التوتر والنزاع والاستكبار بين العالمين.     
والحق أن سطوة حكومة الملأ من النخبة الانتهازية تكاد تكون عامة وشاملة إذا تمتد إلى كافة القرارات التي يمكن وصفها بأنها هامة وحيوية، وعلى الأخص في أمور الرخاء والكساد والحرب والسلام والقيم الثقافية، فالبدائل والاختيارات السياسية المطروحة التي تختار جماعة الملأ من بينها قراراتها بشأن السياسة الخارجية ،عادة ما تكون قد تحددت من خلال النفوذ الضخم الذي تمارسه على كل المؤسسات السياسية التشريعية الكبرى ذات الصلة بموضوع تلك القرارات. وعلى هذا فثمة رابطة قوية بين طبيعة القوة الكبرى المحركة للنزاعات والتوترات في المجتمع السياسي، وبين القيم الأخلاقية لمجموعات المصالح المختلفة المستفيدة من ظروف النزاع وحالة اللا سلم، والتي تشكل قوة ضاغطة لا يستهان بها على أخطر مراكز اتخاذ القرارات داخل النظام السياسي، وتقوم الولايات المتحدة كمثال واقعي يدلل على صدق هذا الادعاء. أما تجاوز ابتلاء الأنظمة الفاسدة فيكون ببناء النظم الراشدة في الولاية والسياسة، التي تحتكم إلى شريعة متعالية الهداية للناس كافة ،وغير منحازة إلا إلى الحق والعدل المتعاليين ،تراقب ذلك وتسنده جماهير الأمة وتكلف قادتها بمهام القيام بها .
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن مفهوم المدافعة يستدعي القول بسنة المداولة، كمفهوم قرآني تقوم عليه حركة الاجتماع السياسي، بمعنى المداولة بين الناس في الحياة، إذ ليس ثمة خصوصية وأفضلية لنخبة معينة يختارها الله ويصطفيها من بين سائر النخب الأخرى. معنى هذا أن السياسة العامة سواء كان متجمدةً أو متجددةً فهي في حالة مداولة بين الناس وفقاً لسنن التمكين في الأرض، قال تعالى: (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) {آل عمران 139/140}، بمعنى أن مبدأ المداولة من اجتماع إلى آخر، من سنن السياسة الأساسية في الرؤية الإسلامية، والقرآن الكريم يطرح مسألة وفكرة المداولة السياسية للحضارة كفعل ديناميكي يعمل على إثارة التدافع بينها، الأمر الذي يتمخض عنه تجاوز التحديات والابتلاءات أمام المنتمين إلى هذه السياسة أو ذاك، فدلالة المداولة الواردة في هذه الآيات توحي بالحركة الدائمة، وتقرر أن الأيام ليست ملكاً لأحد ولا لأمة محددة، ومن ثم لا داعي لليأس والهزيمة، فمن هم في القمة قد تنزل بهم أفعالهم في السياسة إلى الحضيض، إن لم يوظفوا سنن الله السياسية ونواميسه الكونية في الصلاح، ومن هم في القاع ستصعد بهم أفعالهم الصالحة وحركتهم واختيارهم إلى القمة. فالمداولة السياسية في القرآن الكريم تحمل كافة جوانب إيجابيتها السياسية.
وهكذا إذا قضت مشيئة الله مع قوم الرسل السابقين أن يرسل إليهم العذاب أو أحد جنوده العديدة في السماوات أو في الأرض فتهلكهم ولكن بعد بعثة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، فإن المدافعة تكون بين أولئك الذين يقيمون الدين وبين المفسدين في الأرض دون الحاجة إلى استئصالهم واجتثاثهم من الأرض، يقول تعالى: (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ) {محمد/4}، وعلى هذا فلا مجال لسيادة دكتاتور واحد يحكم المجتمع السياسي وتبقى سنة المدافعة المتمثلة في ظهور طرق أخرى بدافع الاستبداد في ميادين السياسة المختلفة، الأمر الذي يجعل البحث يقرر عدم إمكانية وجود فرصة لسيادة نظام أحادي يحكم السياسة المجتمع السياسي كما يظن بعض الكتاب السياسيين.    
إلا المؤكد أن السنن لا تعمل فرادى، وإنما تعمل مجتمعة، وتكون النتيجة الواقعية هي حصيلة السنن العامة كلها في آن واحد، أو بالأحرى حصيلة تعامل المجتمع السياسي مع مجموعة السنن التي تعرض لها أثناء حركته في الأرض، فحين يكون اجتهاد البشر كبيراً، وفق مجموعات كثيرة من سنن الإصلاح أو الفساد وعوامل كثيرة في الوقت الواحد.        فهو أحرى أن يطول بقاؤه أو يقصر بحسب السنن الموظفة في المجتمع السياسي، لأن كل سنة من السنن تعمل بالتوافق مع السنن الأخرى، مما يحدد ما إذا كان الدمار أو النهضة سريعة أو بطيئة الوقوع.
أما الطريقة الإجرائية لتجاوز ذلك التدافع والاختلاف، إنما يكون بطريق التبايع والانتخاب عندما تقدم المناهج والمذاهب المتناظرة ليختار المجتمع من يشاء لسياسة الولاية، فالرأي أو الفقه هو الأساس لعلاقة الولاية بين جمهور المجتمع وتولية الحكومة، ويكون ذلك بالنظر إلى المناهج المعروضة المتنافسة في ساحة الاختيار وأكثرها تمثيلاً لإرادتهم الدينية الصادقة بلا أهواء أو إغراءات، ثم إن أعيان المتقدمين للولاية يحملونها بصدق لينفذوها فعلاً إذا كلفوا بولاية الحكومة.
فالاختيار شراكة تمثل للمجتمع. إليها ترجع الولاية الأصل لأنها هي المصدر الأعلى والحجة العليا في الولاية بعد ولاية الرؤية الإسلامية. فينظر المجتمع في المناهج المعروضة التي هي أقرب إلى روح الشرع، أي أن جمهور المجتمع هم الذين ينهجون ويرون أي ذلك الفقه هو الأصدق الأبصر به، ليطمئن المجتمع إلى أنه يختار ويولي من يكلفه وافياً بالوعد، أهلاً للأمانة والحكمة، وأن يهدي الواقع الظرفي بالرؤية الإسلامية، لأن فيها نماذج وقيم متروك الاجتهاد للمؤمنين ليتبصروا الوقائع التي بين أيدهم، وليتفقهوا أحكام الشريعة الخالدة التي تستهدي بها، فالناس في المجتمع يتبنون مقولات الخيارات متعرفين أهليتهم وسيرهم ويقارنون شتي الرؤى والمذاهب التي يعدونها لسياسة الولاية، فيميزون المستقيم من الضال.
أما إذا ضعف استقامة المجتمع على أي مذهب، حتى يركنون إلى ميول العصبية، أو المطامع الخاصة، أو ينخدعون بحبائل الدعاية والأعلام، وعندئذ تصبح عهود التكليف الحاكمية أو النقابية، صوراً بغير مضمون، وتنقل الولاية من أصلها الأساس إلى من يحملها بظاهر مصطنع بغير حق مشروع، من ذلك وجب تبيان أصول تنظيم الولاية وبنيتها السلطانية.