https://www.facebook.com/pages/%D8%AF%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%B0%D9%88%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86%D9%8A/248994459546

وهي الرابطة التي نشأت نتيجة بيعه اختيارية من قبل مؤمنين أحراراً يزيد إيمانهم بعبادة الله، وهى ما أخذه النبي عليه الصلاة والسلام عن كل قوم دخلوا الإسلام، يقول: «أيها الناس إنه لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم، ألا فاعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم، وتحجون بيت ربكم، وأطيعوا ولاة أمركم تدخلوا جنة ربكم»، ثم تقرر الخطبة حرمة مكة ودلالة ذلك كونها مثالاً للعلاقة بين الإنسان الفرد والمجتمع وبين الناس وبين الله تعالى، فهي على هذا النحو مثال صلاح في العلاقات بين جلال الله والإنسان والكون، وهي الحال التي بها الاقتداء والاتباع في سائر أرجاء علاقات المجتمع بأفرادها، يقول: « ألا إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام بحرام الله، لم تحل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد كان بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من النهار، ألا لا ينفر صيدها ولا يعضد عضاها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد ولا يختلي خلالها ». وتمضي «الخطبة» قدما في تحديد طبيعة العلاقات بين المؤمنين في المجتمع، لاسيما العلاقة الأهم في المجتمع البشرى أعنى علاقة الرجال بالنساء لتقوم على كلمة الله تعالى، لا انحراف جاهلية وسلعة الربح، يقول عليه الصلاة والسلام: «فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحد تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، ثم يجيء الأساس الجديد للرابطة واللقاء كضمانه لاستمرار المجتمع كما كانت،... وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله».
ولكن عندما يباشر الناس في المجتمع في ممارسة حرماتهم الدينية من الناحية العملية والممارسة اليومية، فإنهم يكتشفون أن الإمكانات العملية المتاحة لهم محدودة،  وأنه لا بد لولاية المجتمع من تقييد الممارسة العملية لما يمكن ممارسته من حرمات وتنظيمها تنظيماً قد يعكس شيء من الشعور بالتقييد والمنع، على الأقل عند البعض، وذلك بحسب وضعهم المجتمعي وموقعهم بالنسبة إلى مركز القرار والتنفيذ، يقول تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) {التوبة/105}. أما من جهة القيود على ولاية الحاكم بالمجتمع، فإنه لما كانت الولاية العامة هي ولاية المجتمع في الدرجة الأولى، وولاية الحاكم في الدرجة الثانية، فقد وجب أن تكون حدودها حدوداً لولاية المجتمع ينطبق على ولاية الحاكم، إذ أن هذه الأخيرة مستمدة من الأولي، ومبنية عليها، غير أن لولاية الحاكم حدوداً تخصها في علاقتها بولاية المجتمع وفي علاقتها بالناس الذين يجب أن يطيعونها. وعلى هذا الأساس، يمكننا أن نطرح تصوراً لحدود الولاية العامة يشتمل على المبادئ الآتية:
المبدأ الأول: يحرم على الحاكم مصادرة ولاية المجتمع، يقول تعالى، في سياق ذم هذا السلوك السياسي للحاكم: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ) {القصص38/42}.
المبدأ الثاني: يحرم على الحاكم احتكار النشاط الاستخلافي في المجتمع، يقول تعالى: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ * فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْأخرين) {الزخرف51/56}.
المبدأ الثالث: يحرم على المجتمع انتهاك الحرمات الدينية لأعضائه، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً) {الطلاق/1}. ويقول: (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) {البقرة 229/230}.   
والحق أن هذه المبادئ تطرح مشكلة قيود ولاية الحكومة كوجه من وجوه قيود الولاية إجمالاً، لأنه ليس ثمة ولاية متعالية إلا لله تعالى، فكل ولاية بشرية هي ولاية محدودة. ونفي التعالي لا يعني نفي التمام، فالولاية غير المتعالية تكون تامة أو غير تامة، أي لا يمنع نفي التعالي عن الولاية العامة أن تكون ولاية تامة في نوعها. وكما لا يحق للحاكم إلغاء ولاية المجتمع عن طريق التماهي معها، كذلك لا يحق له إلغاء مبادرة الناس عن طريق احتكار النشاط السياسي في المجتمع، فالناس بالنسبة لعلاقة الولاية هم الفريق الذي يتلقى الأمر ويطيعه، ودوره كمطيع لا يقل أهميته عن دور الحاكم كآمر، إذا لا معنى للأمر إلا بقدر ما يتحقق في الطاعة، ولكن واجب الطاعة على الناس لا يعني أنهم لا يشاركون في الحياة السياسية إلا من جهة القيام بالطاعة، فجمهور الناس هو الفريق الأعلى في الولاية السياسية، وهم أصحاب التكليف الحقيقي في سياسة المجتمع، وعندما يتم تكليف ولاية المجتمع الحاكم لأسباب إجرائية، فإن المجتمع لا يتخلى عن حقه في النشاط السياسي، وإنما يضع ترتيباً معيناً ينحصر فيه حق التقرير والتنفيذ للحاكم فيما يخص الشأن العام مع مؤسسة الحكومة، ويبقي حق التفكير والرأي في الشأن العام نفسه شائعاً في المجتمع كله. فما هي تلك القيود؟.
أولاً: قيد الخطاب الديني. وهو إحدى أهم الطرق لتقييد وضبط سلوك الولاية العامة عن الولايات الأخرى، فالخطاب الديني ينظر إليه كنظام قيمي معياري لكونه شريعة إلهية، متجاوزاً بذلك القول بالقواعد غير المكتوبة المتضمنة في الطبيعة البشرية بوصف البشر مخلوقات اجتماعية بالطبيعة، تملك القدرة علي الفكر من خلال العقل، مما جعلتهم قادرين علي إدراك النظام الأخلاقي أو المعنوي غير القابل للتغير، كما حاول أرسطو وأفلاطون والفلسفة الحديثة تحديد معني القانون الطبيعي الذي يعبر عن التناسق والغرض الداخلي في الطبيعة ويعبر عن نظرية شاملة وعالمية لكل البشر في العالم، تمكنهم من المجتمع. بيد أن الخطاب الديني يتجاوز القول بالقانون الوضعي أو الأخلاقي أو الطبيعي وذلك لطبيعته الإلهية غير المبهمة، كون أن القول «بالطبيعة» ليس موضع ثقة كاملة فيما يخص الدلالة المعرفية والعلمية كما الحال في الدلالة العلمية للخطاب الديني، والتي تهدي العقل إلى نماذج الفعل الحسن وتبعده عن نماذج الفعل الفاسد، فدلالة الخطاب وما جاء فيه من تصور للحياة والكون والسياسة وما تضمنه من حدود وحرمات للإنسان يعد هو القيد الأسمي للولاية السياسية، لاسيما وأنه المؤسس لها.
ثانياً: قيد ولاية المجتمع. أنه إذا كانت جذور ولاية المجتمع متجذرة بعمق في الوجدان الديني للأفراد، كون أن المجتمع هو الذي يمنح الولاية للحاكم، وأن المجتمع «ككل» قد جسد الولاية، وقام المجتمع بنقل تكليف الولاية إلى الحكام؟ فالمجتمع هو إذاً المصدر الأعلى لكل الولايات السياسية، وليس ثمة اعتراف بأي مصدر آخر لأي ولاية سياسية إلا عبر ولاية الخطاب الديني وإرادة الجماعة، والسؤال الهام هو هل يجوز للمجتمع أن يتخلى عن تلك الولاية، وهل بالإمكان استعادتها من طرف المجتمع؟ وكيف كان بالإمكان أن يكون المجتمع مصدر العهد والبيعة وخاضع له؟.
والحق أن المجتمع لا يتخلى عن الولاية أبداً ولا يفوضها إلى جهة أخرى مهما كانت، فلما كانت ولاية المجتمع، والمجتمع نفسه قد تأسست بموجب الرغبة المشتركة من قبل الناس لعبادة الله، فإن ولاية المجتمع تستمد إذاً من ذلك القدر من الإجماع على نفاذ الهداية الدينية المراد القيام بها في حدود الزمان والمكان، بيد أنها أي ولاية المجتمع تكلف فرداً ما ليقوم بتنفيذ الهداية ذات الطبيعية العامة، وهكذا تكون ولاية المجتمع من خلال مبدأ الشراكة .
وفي الواقع، لا تخلو نزعة التماهي مع ولاية المجتمع السياسية من أسباب موضوعية تدعو إلى يقظتها وتناميها، فالمجتمع كاجتماع سياسي هو البعد السياسي الحقيقي. ولكنه أيضاً، من وجهة نظر بنيته الداخلية، منظومة المؤسسات والأجهزة التي تتولى إدارة الشؤون العامة في المجتمع، فهذه المؤسسات والأجهزة ليست في الأصل أكثر من أدوات لتحقيق ولاية المجتمع على نفسه، ولكن الناس لا ينتبهون دوماً إلى كونها أدوات في خدمة إرادة المجتمع ومصالحه وتطلعاته الدينية، فالإنسان الفرد يعايشها ويتعامل معها يومياً ويشعر بوطأتها ويعاني من ضغطها، وتحمله العادة على اعتبارها هي المجتمع، وعلى اعتبار القائمين عليها هم أصحاب المجتمع.    
ومن الطبيعي أن يندفع الأعضاء الداخلون في مؤسسة معينة إلى التماهي مع هذه المؤسسة، وبخاصة إذا كانوا هم من أنشاؤها وبذلوا أنفسهم في سبيلها. ولكن بقدر ما تتجاوز وظيفة المؤسسة الاهتمام بالشأن الخاص، وتتخذ طابعاً عاماً، يتحتم على القائمين عليها التمييز بين وجود المؤسسة كمؤسسة لها وظيفة معينة وبين وجودها في المجتمع الذي هو أم لجميع المؤسسات العامة ومرجعيتها، فالناس يزولون والمؤسسات تبقي. وبدورها تزول المؤسسات أو تتغير، والمجتمع يبقى، وما دامت المعاهدة «الميثاق» العامة باقية فيها. فإنه لا يحق للحاكم في المجتمع، ولا لمؤسسة أو لجهاز تابع لولاية الحكومة في المجتمع، أن يقول أنه يمثل المجتمع.
والحق أنه وحتى في الحالات الاستثنائية، مثل حالة الحرب أو حالة حركة التأسيس للنهضة الحضارية الشاملة، فإن الحكومة ليس من حقها أن تختصر المسافة الفاصلة بين ولايتها وولاية المجتمع، حتى تؤكد على وجود نوع من الوحدة العميقة بينه وبين المجتمع فتتقارب بالتماهي معها، ففي هذه الحالات، كل ما هنالك أنه يحدث تجاوب شديد ومتعدد المستويات بين ولاية الحكومة واجتهادها وبين المعاهدة الاجتماعية العامة وما تحمله من مضامين وتطلعات إصلاحية ونهضوية، ثم لا يختصر الحكومة الناس الذين يحكمهم، ويجسد المجتمع تجسيداً تاماً. وذلك هو التعبير الحق عن ولاية المجتمع السياسي في أرقى درجاتها، لا التمثيل الشكلي الذي يحافظ على الثنائية في تلك الإرادة ويفسح المجال لتضارب الإرادة الخاصة للمصلحة الخاصة مع الإرادة العامة والمصلحة العامة، كما عند «روسو». وعلى هذا لا يجوز تحويل ما يحصل من تواجد حسن بين ولاية الحكومة وولاية المجتمع إلى حجة لتبرير ما يطيب للحاكم زعمه. أنه هو المجتمع فولاية المجتمع غير ولاية الحكومة وأعلى منه وعلى الدوام، والحاكم الذي يقول، من دون الجماعة، أنا الدولة، يرتكب جريمة الاعتداء على ولاية المجتمع.
ثالثاً: قيد ميثاق البيعة. ونعني به ميثاق البيعة التعاهدية حول الالتزام بالقيام بالهداية الدينية المستخرجة من دلالة الخطاب الديني والحرمات البشرية فهو أداة هامة لتقييد الولاية، ذلك أن التعاهدية تفسير طبيعة الولاية الشرعية، وهي تعني نوع من التحالف بين المؤمنين، وبالتالي تشكل قيد على الولاية العامة في مقابل تحرر المجتمع، ذلك أن أحد أهم الإستنادات التي تقوم عليها نظرية البيعة هي أن ميثاق البيعة هو كيان سابق للحكومة، وعلى هذا فالقيد هو قيد مستقل كل الاستقلال عن «الحكومة»، وهي الأسبقية التي من الممكن أن تكون زمنية، أو قانونية أو أخلاقية، فمهما تكن فإن حقيقة تلك الأسبقية هي التي تميز نظرية البيعة، عن غيرها من نظريات الفكر السياسي لاسيما نظرية العقد الاجتماعي، فالبيعة سابقة في الوجود لأس الحكومة الإسلامية، وهي التي تحدد الولاية وتعطي للحكومة الحق في ممارسة الولاية. وعلى هذا فنفاذية وصلاحية موضوعات وقواعد البيعة هي شيء منفصل في نظام الولاية الإسلامي، من هنا فإن تعديلها أو إلغائها يعتبر أمراً على درجة كبيرة من الأهمية.
ذلك أن جوهر قواعد البيعة هو أنها فوق نزوات المجتهدين وواضعي عهد البيعة نفسها، بوصفها مفهوم تاريخي عن بعض مضامين الرسالة الإلهية المنزلة، فهناك العهود والمواثيق التي تحكم «الحكومة»، وهي ليست بالعهود والقوانين التي تحكم «الحكومة» بواسطتها في المجتمع . هذه التراتيب ضرورية للحفاظ على فكرة أسبقية قواعد ميثاق البيعة. هذه المسألة بالذات هي ما تجعل نظرية البيعة متميزة عن كل أنواع العقود المجتمعية الوهمية في الفكر الليبرالي وأنواع العهود والقوانين في الحكومات التسلطية.