الله الرحمن الرحيم



مهندس مدني يوثق لتجربة رائدة ومثيرة لإسقاط الطعام من الجو علي المحاصرين بالفيضان

( 2من 2)

بروفيسور

د.د. محمد  الرشيد قريش


E-mail: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


مركز تطوير أنظمة الخبرة الذكية

لهندسة المياة والنقل والطاقة والتصنيع



استهلال: استدعاء التاريخ -- بقلم محمد الرشيد قريش
    في الرابع من أغسطس 2013 ، قامت ولاية الخرطوم باسقاط معونات من الجو إلى آلاف الأشخاص المتضررين من الفيضانات الناجمة عن الأمطار الغزيرة في منطقة الخرطوم
    وفي عام 2007 احاطت مياه فيضان القاش بمدينة اروما من كل الأتجاهات  لتعزلها تماما عن العالم الخارجي ودمر الفيضان أجزاء كثيرة من المدينة فقامت السلطات باسقاط الطعام لمدينة اروما من الجو، وفي ذات الوقت حاصرت السيول و فيضان خور بركة مدينة طوكر مما أدي لأنهيار الجسر الواقي  لطوكر و قطع الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بسواكن وبورتسودان،  بجانب قطع خطوط السكة حديد
    هذه الأحداث تعيد ذكري واحدة من اوائل  عمليات اسقاط الطعام من الجو في سودان ما بعد الأستقلال ، ففي عام 1956حاصر فيضان خوربركة منطقة كرمبت بضواحي مدينة طوكر مما استوجب القاء الطعام ومعينات درء خطر الفيضان من الجو الي سكان هذه المنطقة المحاصرة  ، وهذه التجربة الرائدة والمثيرة لأنقاذ أهالي منطقة كرمبت -من كارثة الفيضان والجوع ، شارك فيها ووثق لها المهندس الرشيد سيد احمد
    وهذا المهندس ليس غريبا علي تجاوزات انهار الشرق تلك  وقد ألم الكثيرون بشيء  من سيرتة المهنية الحافلة بالأنجازات علي الموقعن الأتيين:
    "الرشيد سيد أحمد في مئويته: أهمية القدوة الحسنة في تحقيق التميز المهني الإنجاز المبهر لمهندس من الزمن الجميل-- نموذجا "
http://www.sudaress.com/sudanile/45093
http://www.sudanile.com/index.php/2008-05-19-17-39-36/34-2008-05-19-17-14-27/45093-2012-09-26-20-44-09
    "استدعاء التاريخ: لمن تقرع أجراس التكريم في تشيد وتعلية سد الروصيرص؟"
http://www.sudanile.com/index.php/2009-09-03-11-01-55/50263-2013-02-14-13-25-54

    ، وتأتي تجربة هذا المهندس تلك من بعد مجاهداته في ترويض وكبح غلواء نهر القاش وخور بركة ، وتلك كانت تجربة اكثر اثارة خاضها هذا المهندس لسنين طوال في تخطيط وتصميم كل الترع لمشروع القاش ومشروع دلتا طوكر وتشييد منشئات التحكم في المياه وترع وحياض الري لمشروع تسني باريتريا وعمل الميزانيات لها والمحافظة علي مجري القاش وخور بركة وتهذيبهما للحماية من – وضبط-   الفيضانات من خلال إقامة السدود و منشئات ترويض النهر المختلفة (Cut-offs, Levees, Check Dams, Diversions) وهوعمل بارز شهد له به كبير مهندسي الري الإنجليز عند انتهاء عمله في شرق السودان قائلا:
"أود أن أشكر لك... كل الحرص والتفاني في العمل والإخلاص للواجب الذي أظهرته...وللمعايير الهندسية العالية التي  عالجت بها العديد من المشاكل الصعبة التي نشأت في القاش" (رسالة جورج ن. ألن -- 1945)
•    وحين عرض هذا المهندس تجاربه تلك في ترويض نهرالقاش وخور بركة في “المؤتمر الدولي الرابع حول الري والصرف" الذي انعقد في يونيو 1960 بمدريد، (أسبانيا)، عجب المؤتمرون الأوربيون من أن مثل هذا العمل الهندسي الدقيق قد قام به المهندسون السودانيون في أربعينات القرن الماضي! وفي احد هذه المرات ،  كاد نهر القاش يبتلع هذا المهندس  هو ورفاقه من العمال، وكنا قد وثقنا لهذه التجربة في دراسة بعنوان:
A Case Study On A Pioneering Work Of Successful Design And Execution Of Stream-Training And Flood Damage Abatement Plan :In Memoriam Of Mohamed El Rashid Sid Ahmed
    وأما "خور بركة" نفسه ، والذي درج علي أن يقف وراء الكثير من تلك الفيضاتات المدمرة، فهو نهر موسمي الجريان ينحدر من المرتفعات الإرترية بين شهري يونيو وسبتمبر من كل عام عابرا الي الأراضي السودانية ليصب في البحر الأحمر بعد التخلص من حمله الكبير من الطميء وطرحه قبل وصوله للبحر بقليل   لينشيء دلتا واسعة تعرف بدلتا طوكر تمتاز بخصوبة تربتها العالية –مثلها في ذلك مثل تربة دلتا القاش – وكلتاهما يصنفان وسط أكثر الترب خصوبة في العالم (أنظر الرسم أدناه)

    ونظام  الجريان في خور بركة من نوع الجريان  النهري "غير المضطرد وغير الثابت"(Unsteady Non-uniform Flow) والذي يسم موجات فيضانه العارمة واندفاعها المفاجئء، والخور—كما حال نهر القاس—ذو  "فيضان لمحي" (Torrential Rivers with Flash Floods) ،و تقلبات التدفق في النهرين عالية جدا ويعتبران من " الأنهار المهاجرة" (Migratory Rivers) ، غير أن  بركة يتميز بسرعة تدفقه حيث يمكن أن يبلغ تصرفه (1200 m3/sec) بالمقارنة  مع شقيقه نهر القاش  ،  والذي يبلغ تصرفه (800 m3/sec)  فقط!
اسقاط المؤن من الجو وحاكميته:
    ولا يحسبن أحدا أن القاء المؤن من الجو ليس سوي نزهة امنة في الفضاء للقائمين بتلك المهمة  ، بل هي رحلة محفوفة بقدر وافر من  المخاطر المرتبطة ب:
    أليات اسقاط الطعام
    وبتوفرأو غياب الأنضغاط الهوائي في مقصورة الطائرة (Cabin Pressurization) ،
    وب "المناورات" الفنية  المطلوبة لأنجاز المهة ،
     وباحتمال تغير "مركز ثقل الطائرة" مع تغير الحمولات أو اعادة ترتيبها في مقصورة الطائرة ، 
    وبالطبع بحالة الطقس حين يجري الأسقاط ،
     كما قد تنطوي أيضا علي قدر ليس بالقليل من  الهدر لبعض المواد التي يراد ايصالها للضحايا ،
فالأنضغاط الهوائي في الطائرة ،مثلا ،  وتكييف الضغط داخل مقصورة الطائرة، ليكون مساوياً لضغط الجو العادي (Cabin Pressurization) هو من سمات الطيران التجاري، و عادة هو مطلوب في أي ارتفاعات للطائرة لأكثر من  9843 قدم
ومعظم الطائرات ذات المحرك الكباس(Piston Engined Aircraft ، مثل الComet والIlyusion IL12)  والتي تطير بين 12000 و 18000 قدم، (على الرغم من بعضها يمكن أن تطير إلى 22000 قدم أو أعلى) ، تفتقر مقصورتها عادة الي الأنضغاط الهوائي ، أي أنها  (Unpressurized Planes) ،
في حين أن الطائرات  ذات  المحرك التربيني الدافع (Turboprops-- كفوكر27  Fوانتينوف An 12) تطير عادة لأرتفاع 28000 قدم، بينما  الطائرات ذات المحرك المروحي التربيني النفاث (Turbofans) كبوينج 737 فترتفع الي ما بين 30000 و 43000 قدم ، وبالتالي يتوفر لها عادة تكييف الضغط داخل مقصورة الطائرة، ،
و في غياب مثل هذا التكيف(أي في حالة ال Unpressurized Planes):
o    على ارتفاعات عالية (8000 قدم مثلا ) ، يمكن ان  يفقد طاقم الطائرة والركاب وعيهم  مع مرور الوقت بسبب  نقص الأكسجين،
o     وعلي ارتفاعات أعلي من12500 قدم ، يكون ضغط الهواء منخفضا للغاية بحيث لا يسمح  للجسم بامتصاص كمية كافية من الأوكسجين دون خطر فقدان الوعي لطاقمها وركابها ، و قد يواجه الركاب "سحب" الهواء من رئاتهم، ونفاخ البطن،و انخفاض حرارة الجسم (Hypothermia مما يدفع  الطائرات ذات المحرك الكباس (Piston-Engined Aircraft مثل الComet والIlyusion IL12 بألاء  تطير في ارتفاعات أعلي من12500 قدم)
    وهذه الأعراض يمكن أن يستغرق حوالي نصف ساعة في ارتفاع 18000 قدم (سقف الطائرات ذات المحرك الكباس)
    وليس سوى دقيقة واحدة على ارتفاع 35000 قدم وهو الأرتفاع الذي تطير عليه الطائرات ذات المحرك المروحي التربيني (Turbofans) ،
وبجانب مخاطر الطيران الي ارتفاعات أعلي من سقف طيران الطائرة ، هناك مخاطر مما يسمي الفقدان المفاجئ للضغط ((Explosive Decompression) في الطائرات التي تتمتع مقصورتها بالأنضغاط الهوائي ، و اقل مخاطر ازاله الانضغاط الهوائي تتمثل في فقدان ملكة التقدير السليم و عدم التنسيق الذهني بسبب نقص الأوكسجين في خلايا الجسم (Hypoxia). 
وهناك مخاطر انفتاح باب الطائرة او نزعه عمدا، فمثلا   انفتاح الباب في الجو على ارتفاعات عالية لطائرة ذات انضغاط هوائي ((Pressurized Planes يمكن أن ينطوي علي مخاطر بالغة:
    ففي عام 2005  وعلي ارتفاع 8000 قدم ، تلقت رئيسة وزراء نيوزيلندا، رضوض في ذراعها بسبب اندفاع الهواء الشديد الي مقصورة الطائرة التي تقلها والمفتقرة الي الأنضغاط الهوائي ((Unpressurized Planes بعد ان انفتح باب باب الطائرة في الجو، مما حمل   اثنين من حراسها  علي ابقاء الباب مغلقا باالضغط عليه باجسامهم حتى هبطت الطائرة.
    في عام 1989، وعلي ارتفاع 23000 قدم ،  انفتح باب البضائع لطائرة الخطوط الجوية المتحدة (United Airlines, Boeing 747-122 ) ذات المحرك المروحي التربيني((Turbofans ، وأدي الفقدان المفاجئ للضغط (Explosive Decompression) داخل المقصورة، الي تمزق جزء كبير من هيكلها و"شفط"(أي أطاحة) الهواء بتسعة من ركابها  الي الفضاء --مع مقاعدهم -- من خلال الثقب الكبيرالذي احدثه تمزق الهيكل ،

     في عام 1988، تعرضت طائرة بوينج 737 التي تشغلها شركة  ألوها (Aloha و ذات المحرك المروحي التربيني ((Turbofans لأنخفاض الضغط المفاجيء "Explosive Decompression" " علي ارتفاع  24،000 قدم. نتج عن هذا  تمزق جزء طوله 18 قدما من سقف الطائرة  و"شفط"(أي الأطاحة) الي الفضاء  بأحد المضيفات !


    وقد لا يدرك الكثيرون أن هناك "تشابه تناظري" (Analogy) بين طيران الطائرة في الفضاء وتدفق المياه في نهر كالقاش او بركة، ففي كلا الحالتين تكمن الحاكمية لهما في قوانين علم ميكانيكا السوائل (الغازية في الحالة الأولي والمائية في الثانية)، وكما أن هناك خواصا هندسية للنهر(مثل اتجاه التيار  وتصريفه وترسيبه لحمله من الطمي  وتدرج طاقته الخ... ) تسم العملية المورفولوجية التي تحكم تعرج مسار القاش او بركة (River Meandering)  وتشكل مجراه وصولا الي تحقيق نظام النهر وتوازنه (River Regime)، فان الطائرة بدورها (مدفوعة بمحركاتها) ليست أيضا مطلقة الحرية  في شق طريقها المتعرج وسط بيئتها الجوية—علي عكس ما يتبادر للذهن!—بل هي أيضا -- كالنهر -- سجينة  في ممر جوي يسمي "غلاف الطيران" (Flight Envelope)  تحكمه  ايضا خواصا هندسية معينة (مثل التسخين الأيرودينامي)، كما تحكم الخواص الأدائية لكل نوع من انواع المحركات
وبجانب مخاطر الطيران الي ارتفاعات أعلي من سقف طيران الطائرة ، و مخاطر الفقدان المفاجئ للضغط ، هناك بالطبع مخاطر الطقس والتي وردت الأشارة اليها عدة مرات في رواية هذا المهندس: دعنا نسأل اذا    :كيف يؤثر الطقس على الطائرة؟ بايجاز شديد ، هذا يعتمد على ريجيم (مرحلة) الطيران التي تكون الطائرة موجودة فيها عندما تواجه تداخلات الطقس وهي: مرحلة الإقلاع  ، مرحلة الطيران المستوي  ومرحلة الهبوط ، وتشكل  الثلاثة دقائق الأولي للأقلاع والدقائق الثمانية للهبوط ، المراحل الحرجه في الطيران (Critical Flight Regimes) ، و تمثل مرحلتي الإقلاع و الهبوط أكثر مراحل الرحلة تضرراً من أهواء الطقس و تقلباته، ففي هاتين المرحلتين، تشكل الأتربة و المطر  مخاطر جمة تتزايد بسبب أن الطائرة تكون في حالة "توازن ديناميكي" (Dynamic State) و ليست في حالة استقرار (Steady State) كما في حالة الطيران المستوي. و تشكل السحب الركامية (Cumulus Clouds) و "السحاب الطبقي المنبسط" (Stratus Cloudiness)، وما يرتبط يهما من اضطرا بات، أكثر القيود حرجاً بالنسبة للإقلاع و الهبوط.وأغلب المخاطر هنا ترتبط بطبقة التروبوسفير (Troposphere ، والممتدة  من الأرض وحتى ارتفاع ما يقارب 13 كيلو متر في الفضاء  ، (أي إنها تغطي جّل نطاق الطيران التجاري العادي الذي يمتد عادة حتى 12 كيلو متر)،  وبالنسبة للطيران ، فان هذه المنطقة من الغلاف الجوي هي أكثر مناطقه اضطراباً مما يجعل الطائرات التجارية تطير فوقها لتتجنب هذه الاضطرابات الهوائية ، وهو – بالطبع - خيار غير متوفر لهذه الطائرة الصغيرة ، وأهم ثلاثة مخاطر مرتبطة بهذه المنطقة هي:
1.    العواصف الرعدية (Thunderstorms.
2.    التغيرات في سرعة الرياح أو في اتجاهها (أي Wind Shear ، والتي يشعر به قبطان الطائرة كزيادة أو نقصان مفاجئين في قوة الرفع (Lift) ، مما ينجم عنه ارتفاع الطائرة أو هبوطها بصورة غير متوقعة بحيث يصبح من الصعب التحكم في الطائرة
3.    الاضطراب الأنسيابي (الهوائي : الحراري والميكانيكيTurbulence Flow)) والذي يشعر به الركاب كمطبات هوائية تصعد بالراكب وتهبط به بطريقة مفاجئة. وهناك ثلاث "أنواع" للاضطراب الانسيابي الهوائي لكن يهمنا هنا في حالة هذه الرحلة الاضطراب الهوائي الحراري، والذي يحدث بسبب التسخين لبعض الجيوب الهوائية من أدنى، تصعد فيه الطائرة فجأة إلي اعلي ثم تهبط وذلك بسبب التيارات الحرارية التصاعدية (Convective Turbulence) ، يحس بها الركاب كعلو وهبوط مفاجئين ("Bumpy Flight") للطائرة المحمولة على ظهر التيارات الباردة التي تهبط بالطائرة إلي أدنى لتملا الفراغ الذي تركته التيارات الساخنة في صعودها إلي اعلي (وهذا يفسر ارتفاع قائد الطائرة بها الي11 ألف قدم لكي يخفف عن الطائرة الأهتزاز كما جاء في رواية المهندس ) ، وقد يقذف مثل هذا الهبوط المفاجئ والحاد بالركاب --الذي لم يربطوا حزام الأمان-- ليصطدموا بسقف الطائرة ومن هذا نرى أن إطلاق تعيير "الجيوب الهوائية (أي Air Pockets"") على هذه الظاهرة هو توصيف غير دقيق.

    هناك أيضا قضية تغير"مركز جاذبية الطائرة" (Centre of Gravity , CG) " والذي يمثل "مركز ثقل" الطائرة أو النقطة الافتراضية التي يتمركز عندها الوزن الكلي  للطائرة ، ومركز الثقل ذو أثر جوهري  على استقرار الطائرة (Stability)وبالتالي سلامتها  ، فمثلا:
"حدود مركز جاذبية الطائرة" ( الطولية والعرضية والتي تحددها الشركة المصنعة  لتحقيق "الوزن والتوازن" أثناء الطيران ) ترسم النطاق الأمن الذي ينبغي ألا  يتعداه "مركز الثقل" (CG) وهو يغير موقعه وفق المناورات التي تقوم بها الطائرة ومع تغير الأحمال  أثتاء الطيران (مثلا بسبب استهلاك الوقود أو بالقاء الطعام  والمعدات من الجو للمتضررين من الفيضانات)
ويتأثر "الأستقرار الطولاني" للطائرة خاصة (Longitudinal Stability أي أستقرارالطائرة في مسطح ترجحها ) بشكل كبير بموقع مركز الثقل للطائرة. فمثلا ، نقل "مركز الثقل" ( CG) الي الخلف ، بعيدا بما فيه الكفاية (أي الي ذيل الطائرة) سوف يؤدي الي خفض "الأستقرار الطولاني " للطائرة وبالتالي زعزعة استقرارها وقد يؤدي الي تجاوز هدف الأسقاط الجوي (أوتجاوز مدرج المطار) عند محاولة تصحيح تأرجح الطائرة (Pitch Correction ) ، ولا  ينبغي الأقلاع بطائرة ان كان مركز ثقلها خارج النطاق المعتمد، أو اذا كان اعادة توزيع الأوزان أثناء الرحلة (هنا الجولات الخ) سيدفع  به خارج النطاق المعتمد وبالتالي  يهدد سلامتها

    واخيرا ،هناك أيضا موضوع "مناورات الطيران" (Flight Maneuvers)  ، مثل الطيران على مقربة من الأرض أو  بانعطفات حادة، كالتي قام بها قائد الطائرة موضوع هذه الورقة ،
هذه المناورات تضيف "للأحمال الأرضية"(Ground Loads) التي أقلعت بها الطائرة ،  "أحمالا هوائية"(ِِAerodynamic Loads) تضغط علي هيكل الطائرة أثناء الطيران
وهي تمثل اختبارا لبراعة الطيار وقدرات الطائرة اذا احسن اخراجها ، أذا  أنها تنطوي علي قدرة الطيار في تحقيق "مقايضات"  تبادلية (Trade-offs)بين "الطاقة الحركية" (السرعة الجويةAirspeed) و"الطاقة الكامنة" (الأرتفاع من الأرض  Altitude)، لكن اذا تم ذلك بطريقة خاطئة او في الوقت والمكان الخطـأ ، فليس هناك في عالم الطيران شيئا مميتا أكثر من مثل تلك المناوورات (كما نري ذلك بصورة جلية في تحطم الطائرات الذي يصاحب الكئير من العروض الجوية )، اذ أن  المناورات علي مقربة من الأرض تشكل 20% من حوادث الطيران القاتلة!ولما كانت هذه الرحلة قد تمت في خمسينات القرن الماضي ، فمن المؤكد ان تلك الرحلة التي وثق لها هذا المهندس لم تكن تتمتع بما يسمي "حماية غلاف الطيران"( Flight Envelope Protection المتوفر اليوم  لعدد كبير من الطائرات التجارية الحديثة ) ، والذي  يحجرعلي الطيار تجاوز حدوده التشغيل الهيكلية والهوائية مما يعرض الطائرة للخطر

توثيق المهندس الرشيد لتلك المهمة الرائدة:

    بشفافية وصدق  وروح دعابة كثيرين يسرد لنا هذا المهندس – الذي كان وقتها يشغل منصب السكرتير الفني لوزير الري -- اصطحابه لثلة من ملاحي الخطوط الجوية السودانية في اول تجربة لألقاء الطعام من الجو في سودان ما  بعد الأستقلال ،وجميعهم من المدنين الذين ما دربوا -- او حتي اطلعوا  - علي مثل هذه التجارب،  ومع ذلك لم يترد هذا المهندس في قبول ذلك التحدي والتطوع بخوض هذه التجربة ومرافقة ملاحي الخطوط الجوية السودانية في هذه الرحلة رغم مافيها من مخاطر ، بدلا من اسناد المهمة لمرؤسيه في وزارة الري ، وهم كثر!


والان الي مضابط ما كتبه المهندس الرشيد سيد أحمد


قصة القاء الطعام من الجو على (منطقة ) كرمبت
( بضواحي طوكر)
بقلم
الرشيد سيد أحمد
(2 من 2)
الوصول الي بورتسودان:
وقفت بك أيها القارئ الكريم عند انتهاء كابتن الطائرة من ربط سلمه داخل الطائرة وعلى عرض الباب وذلك لوقاية الذين سيقومون بعملية ألقاء الطعام من خطورة احتمال سقوطهم خارج الطائرة عندما يكون الباب مفتوحاً وإليك بقية القصة:
وصلت الطائرة بسلام بورتسودان في تمام الساعة الثانية والنصف ظهراً وكان الطقس حاراً بدرجة محسوسة جداً لنا وقد قيل لنا بأن تلك اللحظة تعتبر نسيماً عليلاً بالنسبة لما سبقها من طقس حار لا يحتمل في اليومين السابقين ولم نفارق المطار رغم أنه قد طلب منا أن نذهب للمدينة لتناول الغداء لأننا فضلنا ألا نأكل خشية أن نتأثر ونحن مقدمون على تجربة لم يسبقنا عليها احد (بالسودان طبعاً)،  وقد كانت الدعوة من المواطن مبارك سنادة الذي طلبنا منه أن يحفظ لنا حقوقنا كاملة غير منقوصة ، بل يضاعفها مع العشاء عند عودتنا لبورتسودان بعد انتهاء المهمة،  وأما  الكابتن وزميله فقد ذهبا مع السيد مبارك اللكوندة وتزودا بما لذا وطاب وعادا بعد ساعة ...
وبعد أن تأكد الكابتن من شحن الطعام (في) جوالات ... بالطائرة وكذلك بإنزال باب الطائرة ، وبعد أن راجع حمولة الطائرة وإمدادها بالوقود اللازم طلب منا أن نأخذ "أماكننا" والتي كانت قد ملئت مسبقا بالطعام ! الموضوع في جوالات داخل أكياس البوستة الكبيرة المصنوعة من المشمع لحفظها من تسرب الماء.


الإقلاع  من بورتسودان و ما صاحب الصعود الأولي للطائرة :
قامت بنا الطائرة في حوالي الساعة الرابعة ظهراً وعادت إلينا الذكرى -- ذكرى باب الطائرة التي أصبحت حقيقة ملموسة بعد أن كانت قبل  ساعات مجرد فكرة ولما ارتفعت بنا الطائرة أندفع الهواء داخلها وازداد صوت الريح داخلها رغم أننا احتطنا للموقف بقفل أذاننا بكمية لا بأس بها من القطن الذي زودنا به السيد عبدالباقي بالخرطوم، والذي نسيت أن أقول أنه رفض أن يلبي دعوتنا له قبل قيامنا من الخرطزم وذلك بمصاحبته لنا في هذه الرحلة الميمونة حتى يشرف بنفسه على عمليتة المنتظرة لكنه فضل أن يراقب خطواتنا من برجه العالي"بالرادار" وطبعاً له عذره ...
لم يكن الطقس حسناً كما كنا نتوقع وهذا ما زاد الطين بلة وخاصة عندما اقتربنا من طوكر كما كانت الرؤيا سيئة جداً في أول الأمر ، مما جعلنا نشعر بأن الرحلة قد طالت أكثر من اللازم وقد تساءل البعض عما إذا كان الكابتن قد ضل طريقه وكل ذلك بلا شك يرجع لشيء واحد وواحد فقط وهو الباب المفتوح !
ثم تحسن الطقس قليلا بعض الشيء وانتقل تفكيرنا من الباب المفتوح إلى عامل اللاسلكي ومهندسي الخطوط الجوية السودانية الذين ابتداؤا يستعدون "للمعركة" وذلك بتغيير ملابسهم وبربط أجسامهم بالحبال وقد ربط كل واحد وسطه بحبل وربط أخر الحبل بالطائرة بطريقة تمكنه من قذف الأشياء المراد قذفها دون أن يعرض نفسه للاندفاع نحو الباب.
الطيران المستوي ثم النزول لمستويات دنيا للتحليق  فوق المنطقة المنكوبة:
وصلت الطائرة مدينة طوكر وتطلعنا لنرى ما فعل بها الفيضان ، مما وصل إلى اسماعنا ، ولكننا فوجئنا بالحقيقة إذ لم نرى أثراً لاكتساح الفيضان لها بل رأيناها سالمة سليمة كما هي، غير أن مياه الفيضان كانت تحيط بالجسر الذي عمل  خصيصا لحماية المدينة، وبعد أن تأكدنا من سلامتها وسلامة أهلها اتجهت بنا الطائرة صوب منطقة الكرمبت (قبلة الطعام) التي وصلناها بعد قليل ولأول وهلة خالجنا الشك بأن مياه الفيضان قد غمرتها وذلك لأننا رأينا بئرا أو بئرين مليئتين بالطمي مما يدل على أن شيئا قد حدث ، و تأكدنا أخيرا من أنه لم يحصل شيء (جسيم ) عندما نزلت الطائرة لارتفاع  يمكننا من رؤية كل شيء بوضوح كما أتضح لنا أن المياه تحوطها من جهات فقط ، وان جسورها ثابتة بفضل المجهود الذي قام به أولئك الجنود الذين دافعوا عنها واستماتوا في دفاعهم (وهم يتطلعون) لما في تلك الطائرة من خيرات ولسان حالهم يقول " اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ " (المائدة114)
واصل الكابتن تحليقه  فوق الكرمبت لكشف مواقع (الأضرار) بها ولرسم خططه (لألقاء جولات الطعام) ولأنزال الرحمة على قوم لم يذوقوا طعم العيش طيلة اسبوع ! وكنا نحن في تلك اللحظة نتابع خور بركه في جريانه وفي مجراه وفي محاصرته أيضا للمنشأت الهامة التي تتوقف عليها حياة طوكر ومن حولها كما كان الملاحون يستعدون لإلقاء حمولة (الطائرة)  التي ابتدأت بالجوالات الفارغة المربوطة في بالات كبيرة.

اسقاط الطعام والمؤن لدرء خطر الفيضان:
عندما انتهى الكابتن من رسم خططه دار بالطائرة نحو الكرمنت من ناحية الشمال متتبعاً خط التليفون ولما أقترب من المنشأت اندفع بالطائرة نحو الكرمنت كأنه يريد أن "ينقض" عليها في الوقت والمكان الذي حدده لقذف الطعام ! (ثم) أشار بأصبعه للملاحين الثلاثة  الذين كانوا على أهبة الاستعداد ، وفي أقل من لمح البصر قذف الملاحون ثلاثة طرود بأرجلهم خارج الطائرة وكانت هذه هي (الدفعة)  الأولى ، ثم ارتفع الكابتن بالطائرة مرة أخرى وجال وصال حول "الهدف" بإطمئنان تام لأنه لم تكن هناك (محاذير) ...لأن الجنود البواسل المحاصرين قد أخطروا من قبل.بأن ... يلزموا خنادقهم خشية أن يصيبهم أذى من (طرود الطعام الثقيلة)  التي ستسقط عليهم من السماء !.
عاد الكابتن مرة أخرى وبعد أن تأكد من نتيجة "قذيفته" الأولى وموقع سقوطها فانقض على المنشأت كما فعل في المرة الأولى وباشارة منه قذف الملاحون الدفعة الثانية وهكذا دواليك حتى انتهت الجوالات ، وتبعها اسقاط الطعام ـ وكان الملاحون في كل مرة وبعد كل "قذيفة" يسحبون الكمية التي تلتها استعدادا لقذفها ـ وشاءت الصدف أن يشترك بعضنا في هذه العملية – بالطبع دون سابق (تجربة) -- عندما رأينا أن الملاحين حاولوا سحب بقية الطرود لقذفها كالعادة ولم يتمكنوا من الوصول إليها لأن الحبال التي "أوكل" اليها تأمين سلامتهم  ، أبت أن تسمح لهم بذلك لبعد الطرود عن مرابط الحبال، وهنا تغلبت الشهامة على بعضنا ممن كانوا بالقرب من مواقع الطرود واسرعوا وسحبوا تلك الطرود وقربوها للملاحين الذين واصلوا عمليتهم حتى أخر طرد.
وبعد الانتهاء من هذه العملية حضر إلينا الكابتن وهنأنا بنجاح التجربة وباصابته الهدف في كل مرة دون أن يفقد سوي  "قنبلة" واحدة – وفق قوله-- انفجرت وملأت الجو دخانا (أبيضا) مما جعلنا (نرجح أن الذي) ضاع هو جوال من (جولات )الدقيق البلدي (أو الفيني) ، وتمنينا ألا يكون ذلك جوال السكر الوحيد الذي حملناه معنا !...

في الطريق لبورتسودان-- الصعود  بالطائرة الي أعلي مرة اخري  واستعادة وضعية  الطيران المستوي:
شكرنا للكابتن جهوده ونجاح مهمته وابتدأت الطائرة تعود إلى بورتسودان وابتدأ الملاحون في تجفيف العرق من المجهود الكبير الذي قاموا به كما أزالوا عنهم الحبال وبقى شيء واحد وواحد فقط (يقلق الجميع) وهو (الباب المنزوع)!
لم تمض بضع دقائق والطائرة في طريقها نحو بورتسودان حتى حضر احد الملاحين وأخطر الكابتن بأن عامل اللاسلكي يطلبه فاستأذننا فوراً وذهب إليه وليته لم يذهب!
(ذلك لأن ) الكابتن عاد بعد قليل وأخبرنا بأنه تلقى أشارة لاسلكية بأن عاصفة رعدية على مقربة من بورتسودان! ثم سكت قليلاً وأضاف :"مش مهم: سيكون كل شيء على ما يرام !".
كلمات الكابتن  لم تفعل شيئا لخفض توجس الركاب اذ ان افكارهم  كانت أصلا مشغولة فعلاً بقضية (الباب المنزوع) وذهب خيالهم الي ماذا  يمكن أن يحدث لو اندفعت تلك العاصفة الرعدية الي داخل مقصورة الطائرة ، ودخل المطر بدوره  من "الباب المفتوح" ليملأ الطائرة ، فهل من وسيلة يا ترى لدفع  الماء عنها ؟. اللهم ألا أن يعود  بهم الطيار  مرة أخرى للكريمت ونحاول صبه عليها حتى نكمل لمن فيها ، دعائهم  بنزول المائدة اليهم من السماء ، و لكن هذه المرة بمائها  أيضاً!
النزول لمستويات دنيا  والمقاربة الأولى و النهائية استعدادا للهبوط:
ترك الكابتن الجميع مع توجسهم وعاد لقيادته وصبرنا نحن نتابع موقع العاصفة وكان البرق يلمع بين الفنية والأخرى وكانت الطائرة تزيد في سرعتها وتطير فوق البحر، و لم يصدق الجميع باننا سنصل الي  بورتسودان الاعندما رأينا ضوء "حالات الطوارئ" بالطائرة ينبهنا الي ريط أحزمتنا ، وكم كان سرورنا عندما رأينا  أنوار الميناء تقترب منا رويدا رويدا ، وتلك هي أنوار المطار،  وبالطبع تلتها ارض المطار
نزلنا من الطائرة وحمدنا الله علي نجاحنا في اجتياز تلك التجربة المثيرة وغير المسبوقة  ،ونجاح مهمتنا الأنسانية لأهل الكرمنت في اسقاط الطعام والمؤن التي تّذويدهم بأدوات الوقاية لدرء خطر الفيضان
انتهي
م ا س أ
احد الركاب
الخرطوم في 17/8/1956م