بسم الله الرحمن الرحيم

من وحى الرقابة الضبطية على العلوم والتقانه – قراءة موضوعيه:

دراسة مهداه إلى كل من يهمه رفاه هذا البلد ورفاه أهليه


بعد التراجع عن خصخصة سودانير كما دعونا،

والمطالبات الجديدة بدمج شركات الكهرباء

نجدد الدعوة لأعادة الدمج الرأسي للإمداد الكهربائي

البعدين التقني والسيادي


المغيبين

في


جدلية خصخصه الإمداد الكهربائي

(1 من 4)

بروفيسور
د.د. محمد  الرشيد قريش (مستشار هندسي)
مركز تطوير أنظمة الخبرة الذكية
لهندسة المياة والنقل والطاقة والتصنيع
استهلال:

بعد الفراغ من إعداد هذه الدراسة أفصحت الحكومة عن خطتها لإعادة هيكلة قطاع الكهرباء ، وأوصت اللجان الخاصة المنبثقه عن مجلس الوزراء ووزارة الطاقة :
1)    بإعادة هيكله الهيئة القومية للكهرباء وتحويلها إلى شركه قابضه وشركات تابعه تتمثل في:
‌أ-    شركة للتوليد الحراري
‌ب-    شركة للتوليد المائي.
‌ج-    شركة لنقل الكهرباء.
‌د-    شركة لتوزيع الكهرباء.
2)    أن تكون شركة نقل الكهرباء مستقلة عن الشركة القابضة مستقبلاً لتمارس دورها السيادي في شراء وبيع الكهرباء.
3)    أن تكون هذه الشركات المقترحة مملوكه لوزارة المالية.
4)    أن بكون قطاع الكهرباء مفتوحاً للاستثمار المحلى والأجنبي ( أي للخصخصة
5)    تعديل قانون الكهرباء لعام 2001 لتمكين الجهاز الفني من مراقبه هذه الشركات وحماية المستهلك وحصر دور الجهاز في وضع مواصفة الإمداد الكهربائي.
6)    أن تحكم اتفاقيات شراء الطاقة العلاقة بين شركة النقل وشركتي التوليد والتوزيع.
إنشاء قطاع كهرباء بوزارة الطاقة ليضطلع بالدور السيادي ويقوم برسم السياسات العامة ووضع الخطط وإجراء الدراسات لإنشاء المحطات المائيه وتوفير الطاقة ومتابعه أداء شركات القطاع العام والخاص العاملة في الإمداد الكهربائي ( الرأي العام 31 ∕ 1 ∕ 2010 ).


فهـــــــــــرس

    الإهــــداء
    مقدمـــــه
    التخطيط المعرفي المطلوب لتناول قضيه هيكله الإمداد الكهربائي
    التخطيط الإستراتيجي للمنشأت الإقتصاديه وحاكميه القيم المرجعية ( المذهبية ) فيها
    التخطيط الإستراتيجي في محراب صناعه الكهرباء
    .تصنيف المؤسسات وفق القيم المرجعية لها
    نموذج السوق
◊    الخواص الإقتصاديه والإجتماعيه لصناعه الإمداد الكهربائي
◊    .البعد الإقتصادى للخصخصة
    نموذج المصلحة العامة:
◊    الكهرباء كسلعه اجتماعيه
◊    ظاهرة فشل السوق
◊    التحديات المرتبطة بأهداف التخطيط الإستراتيجي للإمداد الكهربائي.
◊    الخصخصة ومقايضة الأصول بالدخول
    تجارب الدول مع خصخصة الإمداد الكهربائي
    تصنيف المؤسسات وفق التقنية التي تتبناها.
◊    الخواص التقنية لصناعة الكهرباء – الدور الغائب في جدلية خصخصتها.
◊    خصخصة الإمداد الكهربائي بين رحى ضبابية بيئة التخطيط والتشغيل والتعقيد التقني.
◊    التعقيد التقني كعائق أمام شركات التوزيع المخصصة.
    تعقيدات التصنيع المحلى للمهمات الكهربائيه والمائية ومكونات محطات التوليد والشبكات
    قراءه فاحصه لمقترحات الحكومة لإعادة هيكله الهيئة القومية للكهرباء.
    نظره فاحصه للتجربة الغربية في تفكيك السيطرة المركزية وإنهاء التخطيط المركزي للإمداد الكهربائي
◊    القضايا الشائكة الناشئة عن كسر الدمج الرأسي للإمداد الكهربائي:
    تفكيك السيطرة المركزية.
    الحاجة لاستخدام الطرق الاحتمالية.
    قضية وثوقية ( إعتمادية ) النظام.
    الشكوك المرتبطة بحريه الوصول لمرفق النقل.
    بيئة المنافسة الجديدة.
    خاتمة وتوصيات.

الإهـــــداء:

ربما كان  من المؤكد إن من أول ما ستناقشه السلطة التشريعية الجديدة في السودان في  الأشهرالقليلة  القادمة سيكون قضيه إعادة هيكلة الإمداد الكهربائي، وقضية خصخصة سودا نير ( وفق تصريح رئيس اللجنة البرلمانية المكلفة بالتدقيق في خصخصة سودا نير – السوداني 5- 2- 2010 ) وكلا القضيتين – الإمداد الكهربائي وسودا نير –  تتقاطع عندهما بعضاً من أهم القضايا وأكثرها رهقاً في الشأن السوداني، التقنية منها والإقتصاديه، السيادية منها والأمنية، والصحية منها والإجتماعيه، "فكل الصيد في جوف الفرا". ولتشابه حالة الصناعتين، سنعقد أولا  هنا مقارنه بينهما ليدرك القارئ أن الكثير مما يرد هنا ينطبق عليهما معاً. و بعدها-- في آخر هذه الدراسة—سنتناول بالتحليل ، خطه الحكومة لإعادة هيكلة قطاع الكهرباء
ومن المفيد التنويه هنا الي أن هذه الدراسة هي  جزء  من بناء فكري  عريض ىتصدي لقضايا هذا البلد العصية منها والملحة والمستجدة بهدف تقديم الحلول للمشاكل التنموية المختلفة—بما في ذلك قضايا اختيار التكنولوجيا وتطوير القدرات الذاتية التقنية واطلاق مشروع قومى للنهوض بالتعليم الفنى والتقنى والهندسى فى القرن الحادى والعشرين و في مجال المياه شملت تلك المنظومة تحديد الهوية النيلية للسودان وحجم اسهامه في مياه النيل وتطوير نماذج رياضية لتحليل مسببات الفيضانات والسيو ل والتنبوء بأحجا مها وتقديم حلول للحد من أضرارها كما شملت تقويما تقنيا لتعلية سد الدمازين وترويض نهرالقاش علي نهج المعالجة عند الحوض بدلا من نهج جدار الفيضان والتنبوء بالطلب علي المياه ، كما عنت أيضا باستراتيجيات إعادة تأهيل ورفع كفاءة المنشئات المائية واختيار تقنياتها ، وفي مجال الطاقة ، اختصت باستراتيجيات إعادة تأهيل ورفع كفاءة محطات التوليد الكهربائي واختيار تقنياتها وبالشراكة الاستراتيجية التكاملية التي ينبغي أن تقوم بين قطاعات الصناعة والري والكهرباء لتصنيع مهمات الكهرباء ومعدات الري ولتوفير الطاقة لهما ، واختصت في مجال النقل بتصميم طائرات أكثر مؤائمة لظروف الدول النامية وكيفية رفع كفاء ة شركات الطيران و السكك الحديدية والنقل العام والخاص وإعادة تأهيلهم ومتطلبات إدخال واختيار الترام ودراسة حوادث الطائرات الروسيه والتشيكيه في السودان وحادثتى طائرتي أيربص السودانية و الفرنسية ، كما اختصت أيضا بالتحليل العلمي لمشاكل الأحتقان المروري وحلولها ومشاكل الأوزان والأحمال العالية وأثرها علي سلامة الطرق والكباري والتنبوء بالطلب علي وسائط النقل المختلفة   ، وعنت في مجال الصناعة باختيارالنقنية في صناعات الحديد والصلب والألمنيوم والأسمنت وبنقل المواد البترولية ، واختصت في مجال البني التحتية بكيفية المحافظة علي استثمارات السودن فيها وإطالة أعمار المنشئات الهندسية، أما في مجال المعلوماتية فقد عنت تلك المنظومة بتحليل قانوني المعاملات الالكترونية والتوقيع الالكتروني و بتقديم تصور متكامل للخيارات الاستراتيجية لقطاع المعلوماتية وفرص استثمار القطاع الخاص فيها،  ,   وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى” " ، ويمكن الأضطلاع علي تفاصيل  بعض هذه القضايا  في الموقعين الأسفيرين الأتيين :
http://www.sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=250&msg=1257866678&func=flatview


http://www.sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=250&msg=1254489648&func=flatview

ولقد رأينا في هذا الصدد أن نهدى هذه الدراسة لكل من يهمه رفاه هذا البلد ورفاه أهليه، آملين من هذا "تنبيه الناس وإزالة الالتباس" ( وفق مقولة المفكر العربي الكبير عبد الرحمن الكواكبى المشهورة )، وذلك من أجل التأسيس لتنظيم وطني كفء يوفر الإمداد الكهربائي المستقر و"النظيف" وناقل وطني متميز، دون أن يغفل أياً منهما --في سعيهما لتحقيق الكفاءة والتميز -- قضية العدالة الإجتماعيه. وقد جاء في حديث الرسول ( ص ):  (لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن ترجع عنه إلى الحق، فأن الحق قديم ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل ). "ولا ينبئك مثل خبير" ( فاطر 1)

مقدمـــــه:
صراع الأيدلوجيات في جدلية الخصخصة – " حبك للشئ يعمى ويصم "
تثير جدلية الخصخصة – التي فتح تقرير اللجنة المشار إليه الباب واسعاً أمامها – مشاعرا أيدلوجية عارمة من قبل قبائل اليسار واليمين. والجدلية المشار إليها هنا ليست هي الجدلية الهيغليه             Dialectic Hegelian)، الأساس الفلسفي للفكر الماركسي، حيث تذوب الفكرة وتندمج – بل وتتحقق –  
في نقيضها . الجدلية التي نقصدها هنا تتمثل في"الأسلوب السقراطى" ( Socratic Technique )، الفارق بين ما هو زائف وما هو صحيح، من خلال إزالة الغشاوة عن الأفكار الخاطئه لتنجلى الحقيقة كأكثر ما تكون سطوعاً.
في هذا الإطار الفكري سنستدعى للشهادة هنا،  أولاً تلك الدفوعات الاقتصادية والمصلحية لطرفي القضية، علما بأن كلا الطرفان، سيعمد—بانتقائية شديدة—إلي ما يمازج رؤاه النفقية (Tunnel Vision ) ولسان حاله يقول – كما قال عبد الله بن جعفر قبله:
قلت برا ء عيب في الود كلـــــــه              ولا بعض مافيه إن كنت راضيا
فعين الرضا عن كل عيب كليلة               ولكن عين السخط تبدى المسا ويا
لكن – في ظل هذا الاستقطاب الحاد، ما أحوجنا إلى حوار هادئ يهدف للوصول بالقارئ إلى حكم موضوعي، خال من الانجراف وراء العواطف الإيدلوجيه، وما أحرى بذلك من مقاربة علميه للأمر، نستدعى فيها للشهادة غير المجروحة، حقائق البعد التقني والسيادي، مما لا نحسب أن "ينتطح فيها عنزان" !

التخصيص المعرفي المطلوب لتناول قضية إعادة هيكلة الإمداد الكهربائي:
" استعينوا في الصناعة بأهلها " ( حديث شريف) ، "فالخيل أعلم بفرسانها":
قد لا يدرك الكثيرون أن قضية" إعادة الهيكلة" تندرج في التناول الأكاديمي تحت المجال المعرفي الذي يطلق عليه " التنظيم الصناعي ( Industrial Organization )، وهو علم مؤسس وراسخ يوظف ماله من رصيد وافر من التنظير والخبرات في البحث عن أمثل الهياكل التنظيمية للمؤسسات، وينقب في مسائل السياسات الإقتصاديه والتقنية المتصلة بالصناعات وأسواقها، ليقدم أجوبه علميه مثلي لقضايا مثل:
1.    أهداف وعقيدة (الصناعة Doctrine)) وسلوكياتها (Conduct)بما في ذلك تصنيف المؤسسات وفق أهدافها ومرونة أسواقها للتعامل مع المتغيرات في محيطها.
2.    بنيويه الصناعة وأسواقها ( Industry Structure )، بما في ذلك مشاركة الدولة في إدارتها أو مسوغات خصخصتها الجزئية أو الكاملة وتأثير اقتصاديات الحجم الكبير ( Economies of Scale) عليها، وأهمية التكامل الدمجى الرأسي فيها (Vertical Integration)،  و الصيغة المثلي لهيكلة أسواقها والتي هي – بجانب سلوكيات الصناعة – أحد أهم عنصرين في تحديد كفاءة أداء مثل هذه الصناعات.
3.    الخواص الإقتصاديه والتقنية المميزة للصناعة، أي السمات الأساسية لجانبي العرض والطلب، وحجم "الإلتباس" ( Uncertainties) والمخاطر ( Risks ) التي تكتنف أسواقها، ونقاط الضعف والهشاشة ( Vulnerabilities ) فيها، بما في ذلك تصنيف المؤسسات وفق التقنية التي تتبناها.
4.    أداء الصناعة (Industry Performance )، بما في ذلك جودة سلعها وخدماتها، وكفاء ة استخدام الموارد فيها هذا بجانب دورها في دفع – أو تعويق – جهود العدالة الإجتماعيه في محيطها.

تلك- إذن -هي مرتكزات المقارنة العلمية والموضوعية لقضية إعادة هيكلة الإمداد الكهربائي، ووفق هذا الإطار المعرفي، سيكون – إن شاء الله – تناولنا لقضية إعادة هيكلة الإمداد الكهربائي، بعرض وجهتي النظر على طرفي المغايرة، ولسان الحال يقول – كما قال دوقله المنجى:
"ضدان استجمعا حسنـــــــاً        والضد يظهر حسنــــــه الضد"!
التخطيط الإستراتيجي للمنشئات الإقتصاديه وحاكمية القيم المرجعية ( المذهبية ) فيها:

هرم التخطيط الإستراتيجي ( Planning Pyramid ) لأي منشط إقتصادى – كصناعة الكهرباء ينطوي على عملية منهجيه ومنظمة، فهي:
1.    تنطلق من جملة القيم المجتمعة (Value System ) في قمة الهرم، والتي تعكس الأسبقيات الإجتماعيه لما هو مرغوب فيه.
2.    باصطحاب هذه القيم، يتم تعريف دور المؤسسة من خلال تحديد غاياتها   ( Goals, Mission, Vision )، ومن ثم:
3.    يتم تصميم البرامج (Programs ) التي ستقوم بتحقيق تلك الغايات، بما في ذلك وضع الأهداف ( Objectives ) لكل من تلك البرامج، والتي – في مجملها – تعّرف فلسفة المؤسسة وفرضياتها والنهايات المبتغاة لتلك البرامج، (مثل التنمية الريفية الخ …)
4.    بعدها، يقوم المختصون باختيار وتخطيط المشاريع (Projects ) والتي سيتحقق من خلال إنجاز أهداف البرامج التي تم وضعها.
5.    بعدها، يتم دمج وصياغة الغايات السابقة في شكل سياسات ( Policies ).
6.    هذه السياسات، تحتاج لأدوات ( Policy Instruments ) لإنفاذها، تتمثل عادة في:
    معايير وقوانين ونظم تفتيش لضمان الامتثال لتلك القوانين، هذا بجانب نظم لمنح التراخيص، وسحبها عن من يخل بشروط تلك التراخيص.
    وخطط ( Plans ).
    وإستراتيجيات صغرى ( Micro Strategies ).
    وتكتيكات ( Tactics )، تفصح عن نفسها في القرارات اليومية المتصلة باستخدام الموارد.

التخطيط الإستراتيجي في محراب صناعة الكهرباء:
ألا من يريني غايتي قبل مذهبي      ومن أين ؟ والغايات بعد المذاهب ! ( ابن الرومي )

الاقتصاديون المحافظون – من دعاة خصخصة الإمداد الكهربائي – لا يعيرون كبير اهتمام بدوافع تدخل الدولة في النشاط الإقتصادى، رغم أن الأسباب التي يطرحها دعاة إدارة الدولة لمرفق الكهرباء، أكثرها اقتصاديه حصراً – مثلها في ذلك مثل دفوعات دعاة الخصخصة – لكنها أيضاً ليست مجال خلاف وسط الإقتصادين، على الأقل من الناحية النظرية،  فمثلاً في هرم التخطيط الإستراتيجي، يمكن تلخيص الأهداف الإقتصاديه المثلي للإمداد الكهربائي ( أي النهايات المبتغاة ) في عبارة واحده هي: " تبنى برامج تقود إلى خفض تقليل السعر الإجمالي الكلى، وذلك لمقابلة احتياجات الطاقة المستقبلية" – وهذا يعنى تحقيق توازن متزامن ( Concurrent Balance ) بين ثلاثة عناصر:
1.    كفاءة الأداء ( Efficiency ) وفق قانون الطاقة الأول والمعنى بكمية الطاقة المنتجة (Quantity ) وفعالية ذلك الأداء ( Effectiveness )، وفق قانون الطاقة الثاني والمعنى بجوده ذلك الأداء(Quality).
2.    درجة المخاطر (Risks ).
3.    تحقيق العدالة الإجتماعيه (Equity ).

تحقيق مثل هذا التوازن المتزامن بين هذه العناصر الثلاث ينطوي على تحد كبير لمؤسسات الكهرباء، إذ أن عليهم تحقيقه في ظل العديد من القيود الإقتصاديه والتقنية والبيئية والسياسية.  كل هذا ليس عليه خلاف وسط طرفي جدلية خصخصة الإمداد الكهربائي، لكن الخلاف ينطلق من حاكمية القيم المرجعية ( المذهبية ) في أعلى هرم التخطيط، التي يتبناها الطرفان، إذ أنها هي التي تحكم ما يليها من غايات وأهداف، وهى التي تحدد الأوزان التي يسبغها كل طرف على أيا من تلك العناصر الثلاث، وبالتالي تحكم انتقاء المشاريع التي ستحقق هذه الأهداف والسياسات، التي تنبثق عنها، ومن ثم الخطط والإستراتيجيات الصغرى، والتكتيكات المرتبطة بها – بالاختصار تحكم هذه القيم كل "سلوكيات" (Conduct ) مرفق الكهرباء. إذن فأن تصنيف صناعة الإمداد الكهربائي وفق تلك القيم المرجعية، هو أول خطوات "التفكير التحليلي" لها ولتحديد "المشكاة" (Niche ) التي تشكل مجال كفاءة تلك المؤسسات.

تصنيف المؤسسات وفق القيم المرجعية لها:

وفق المنظور الذي طرحناه، يمكن تبيان قطبين متنافرين وهما "نموذج السوق" و "نموذج المصلحة العامة" بينما تتناثر وتنتظم بينهما نماذج رمادية هي مزيج من القطبين – مثل " الخدمات غير الربحية" ( كنموذج الهلال الأحمر ) ونموذج "الخدمات والمصالح المتبادلة" ( Mutual Benefits ) ( كالشراكة العمالية في إدارة الشركات الخ… ). لكن دعنا نبدأ بأول هذين القطبين:

نموذج السوق:

يمثل نموذج السوق (Market Model ) "منظومة مغلقه" (Closed System)، وهى عادة معزولة عن السياسة وغير عرضه للمحاسبة العامة، مما يتيح للمؤسسات التي تتبنى هذه المنظومة تقديم خدمات ذات مستويات متدنية، أو تجاهل الصرف على التدريب والصيانة، دون أن تخشى المساءلة، وهى عادة مؤسسات تتمتع بالإستقلاليه وذات هدف مالي محدد يتركز في "الربحية" (Profit) كمعيار للأداء، ولا تعكس أسعار هذه المؤسسات " السعر الإجتماعى" الكامل لنشاطها -Social Cost-
في ظل هذا النموذج، يمكن هيكله التنظيم الصناعي لصناعة الإمداد الكهربائي وفق صيغتين اثنين:
    الخصخصة الكاملة ( ملكيه وإدارة ) لصناعة الكهرباء، كأن تقوم الشركة المخصخصه ببناء وإدارة منشئات الكهرباء بعقد ممنوح من الدولة.
    تحرير سوق الكهرباء، وهذا الترتيب – في أحسن حالاته – يمثل مزيجاً من النشاط العام والخاص داخل أسواق الكهرباء، بحيث يتمثل ذلك في:
    رسملة الصناعة (Capitalization )، عندما يقوم المستثمر بالتمويل والإنشاءات ثم يؤجرها للدولة
    تشغيل مرافق الكهرباء، كأن تتكفل الحكومة بالتشييد، وتقوم الشركة الخاصة بالتشغيل.

في هذا الإطار الفكري – إذاً – سنتناول أولاً البعد الإقتصادى للخصخصة، بدءاً بعرض الخواص الإقتصاديه لمرفق الكهرباء وعرض وجهتي النظر لدعاة الخصخصة ولدعاة إبقاء مرفق الكهرباء في يد الدولة، وللقارىء أن يوازن بين دفوعات الطرفين وفق قوة حججهم الإقتصاديه ثم ندلف بعدها لعرض البعد التقني الغائب في أمر إعادة هيكله الإمداد الكهربائي أو خصخصة، وهو أمر قد "لا يتناطح فيه عنزات" !

الخواص الإقتصاديه والإجتماعيه لصناعه الإمداد الكهربائي – مقارنة بصناعه الطيران:
1.    التناظر الوظيفي:
يمكن للدارس المدقق رصد تناظر(Analogy ) ملفت للنظر بين صناعة الطيران --و التي تم خصخصتها-- وصناعة الكهرباء التي انفتح الباب الآن لخصخصتها، دون أن يكون ذلك مدعاة إلى أن تنتهي الصناعتان إلى نفس المصير. فبادي ذي بدء:
    بينما يمكن تقسيم صناعه الكهرباء إلى قطبين أساسين كما سنرى لاحقاً – هما:
‌أ-    قطب "تخليق" ( توليد ) الطاقة ( Power Generation ).
‌ب-    وقطب "توزيع" الطاقة ( Power Distribution ).
بحيث تبقى الطاقة المنقولة (Power Transmission) – في غالب الوقت – في حالة تطواف بين هذين القطبين:
    يمكن أيضاً بسهوله تبيان "المعادل الوظيفي" (Functional Equivalent) لهذا التقسيم في صناعة الطيران متمثلاً في:
‌أ-    مطار الإقلاع حيث يتم "تخليق الرحلة" ( Trip Generation ).
‌ب-    ومطار الهبوط حيث يتم "توزيع الحمولة" ( من ركاب وبضائع )، بينما تبقى الطائرة – المحمولة جوا-- في غالب الوقت – في حالة تطواف بين هذين القطبين !

2.    طبيعة المنتج:
يتسم منتج ( مخرج ) صناعتي الكهرباء والطيران --"المقعد" في الأولى و "الكيلوواط –ساعة" في الثانية – بكونهما سلعاً ( أو خدمات ) عامه ( Public Goods ) تجسدان فكرة " السيادة"،  بحيث ينبغي حمايتها من إساءة الاستخدام، كما تتسم المنتجات أيضاً بعدم التمايز ( Non-differentiated ) وعدم إمكانية "تخزينهما"، هذا بجانب قابليتهما للتلف الشديد (Perishability ):
i-    ففي صناعة الكهرباء مثلاً يشترى المستهلك " الطاقة" --وليس "الكهرباء"، كما يعتقد البعض--
‌أ.    وفق وحدة قياسها ( الكيلو واط-- ساعة) وهو منتج لا يختلف كثيراً إن كان ناتجاً عن توليد حراري أو مائي.
‌ب.    وهو منتج شديد التلف إن لم يستغل، إذ لا يمكن تخزينه ( إلا في أضيق الحدود ).
‌ج.    وهو ليس سلعه فقط (Commodity ) بل هو أيضاً "وسيلة نقل ( Means of Transport )، ولهذا تعرف القدرة ( القوة المحركة Electric Power ) بأنها "الأجر الزمني" ( Time–Rate ) لنقل الطاقة.
‌د.    وبسبب أن الطلب على هذا المنتج يمثل عبئا على تخليقه، يسمى هذا الطلب "حمل" ( Load )
ii-    ونجد – بالمقابل – عند تأمل منتج الطيران أن:
‌أ.    "المقعد" (Seat ) لا يختلف كثيراً من طائرة إلى أخرى.
‌ب.    وأن "المقعد الخالي" – لحظة كون الطائرة على وشك الإقلاع – شديد القابلية للتلف إن لم يستغل، إذ لايمكن تخزينه أيضاً.
‌ج.    وهو ليس سلعه فقط، بل هو أيضا – بالطبع - وسيلة نقل.
‌د.    وبسبب أن الطلب على هذا المنتج يمثل عبئاً على تخليقه في مطار الإقلاع، يسمى هذا الطلب – هنا أيضاً حمل ( Load ) بحيث نتحدث هنا – كما في حالة الكهرباء --عن تعبير "عامل الحمل" ( (Load Factor .
3.    الطلب المشتق:
الطلب على الطاقة ( كيلوواط --ساعة )،  هو "طلب مشتق" ( Derived Demand )،  تماماً كما الطلب على النقل الجوى ( مقعد الطائرة )، بمعنى أن الطلب عليهما يحدث نتيجة لطلب على خدمه أو سلعه أخرى ( مثل استخدامات الكهرباء في المنزل أو الصناعات الخ …في حاله الكهرباء، وأغراض الرحلة الجوية من تجاره أو سياحة الخ… في حالة النقل الجوى).

4.    حجم الاستثمار في البني التحتيه لصناعه الكهرباء:
الاستثمار المطلوب في البني التحتيه لصناعة الكهرباء – كما الاستثمار في صناعة الطيران – هو استثمار ضخم، وتشكل الكلفة الثابتة فيه ( Fixed Costs ) – كما في الطيران – نسبه مئوية عالية من الكلفة الرأسمالية الإستثماريه أو بالنسبة للقيمة المضافة.

5.    العوامل المؤثرة على المنتج:
تكاد العناصر الأساسية المؤثرة على "تخليق" منتج الكهرباء ( KWH ) هي نفس العوامل المؤثرة على "تخليق" منتج الطيران (Seat )، وتتمثل تلك العناصر في:
    تقنية تخليق المنتج.
    السمات التصميمية والتشغليه، مثل:
◊    الكفاءة الحرارية ( أو الهيدروليكية).
◊    "عامل الحمل" ( Load Factor ).
    سعر الوقود.
    الطقس.
6.    اقتصاديات الحجم الكبير:
هناك اتفاق عام بأن منشطي "التوليد" و"التوزيع" الكهربائي يتسمان بخاصية اقتصاديات الحجم الكبير ( Economies of Scale ) – علي عكس منشط النقل (Transmission)، بمعني أن كلفة الوحدة ( Unit Cost ) في التوليد والتوزيع الكهربائي تنخفض بصوره مستمرة مع زيادة حجم المنشأة، وهذا يعنى أن صناعة الكهرباء – في ظل تنافس شركات صغيره وعديدة – سيكون عملها مكلفا للأمة والاقتصاد القومي،  أما بالنسبة لصناعة الطيران فأن خاصية اقتصاديات الحجم الكبير تشمل كل منا شط تلك الصناعات.
7.    معايير الأداء:
بينما نجد أن معايير الأداء في قطب "التوليد الكهربائي" واضحة ويمكن قياسها بصوره شبه مثاليه، بسبب أن "بيع المجمل" (Whole Sales) محدود في هذا القطب، كما أنه لا يتسم بتعقيد الأسعار، مما يسهل عملية التفتيش الضيطى للتوليد، لا نجد هناك معايير واضحة للأداء بالنسبة لقطب "التوزيع الكهربائي"،  بسبب بيع المفرق ( Retail Sales )، وبسبب التعقيد الذي تنطوي عليه الأسعار المركبة في هذا القطب – أما بالنسبة لصناعة الطيران فدقة معايير الأداء تنسحب على مجمل الصناعة.

8.    قابلية القطب للتدخلات السياسية:  

منشط" التوزيع الكهربائي" – على عكس قطب "التوليد الكهربائي" – غير محصن من التدخلات والضغوطات السياسية، مثلاً في زيادة الأسعار أو في منح التوصيلات الجديدة أو في التعين في الوظائف أو في تحصيل الفواتير الخ…. أما بالنسبة لصناعة الطيران فمثل هذه التدخلات السيلسيه تشمل مجمل الصناعة.

9.    خاصية الاحتكار الطبيعي:
رغم أنه ليس هناك اتفاق على كون أن صناعة الطيران تمثل احتكارا طبيعياً    ،  (Natural  Monopoly) إلا أن هنالك اتفاق عام بأن النقل الكهربائي ( Transmission ) والتوزيع الكهربائي  
( Distribution ) يمثلان احتكارا طبيعياً على عكس التوليد الكهربائي، وهو ما يعنى:
    أنك تستطيع نقل الإمداد الكهربائي بسعر إجتماعىSocial Cost) ) أقل في ظل احتكار الخدمة وقصرها على مؤسسه عامه واحده – منها في ظل المنافسة والخصخصة – فمثلاً من الممكن تغطية العاصمة بشبكة توزيع واحده وبصوره أرخص من الترخيص لأكثر من شركة خاصة للقيام بذلك.
    أن مثل هذه المؤسسة العامة – في ظل الإحتكاريه المسبغة عليها – تستطيع دعم خطوط الإنتاج الخاسرة من ريع خطوطها ذات الربحية العالية من خلال الدعم التكاملي.


البعد الإقتصادى للخصخصه :
دفوعات دعاة الخصخصة –"من أبعد أداوها تكوى الإبل":
تتلخص دفوعات دعاة الخصخصة في تبرير انحيازهم "لنموذج السوق" في خمس قضايا:
1.    خفض --أو إنهاء-- الدعم الحكومي، وبالتالي خفض الميزانية العامة للدولة، وكلاهما إن تما، قد يساعدان في خفض وتيرة التضخم المالي.
2.    تأمين التمويل للمرفق من قبل القطاع الخاص، مع تحصيل ضرائب للدولة من الشركات المخصخصه.
3.    ترك القطاع الخاص يبوء بما لا تريد الدولة أن تنوء به من "عامل المخاطرة" ( Risk Factor ) في صناعة الكهرباء، وذلك لأن أحد أهم أهداف التخطيط الكهربائي، كما أسلفنا، هي تحقيق موازنة بين مثل هذه المخاطر وبين كفاءة التشغيل والعدالة الإجتماعيه.
4.    تحسين أداء مرفق الكهرباء من خلال ضخ "عامل المنافسة" في الأسواق، والذي بدوره-- سيقود إلى خفض الأسعار.
5.    نقل التكنولوجيا

"على غريمتها تحدى الأبل " ومن أحبني أحب كلبي ":

تلك-- إذنً هي باختصار – قصارى فصاحة الداعين لخصخصة الإمداد الكهربائي،  وبيضه منطقهم، وزبدة حججهم البادية للعيان، لكن في الواقع – فأن جل دعاة الخصخصة من المنتسبين لنموذج السوق -- ومن ورائهم المؤسسات الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي – تنطلق دعواهم،  ويحركها أساساً، فكر إقتصادى أيدلوجي لا يرضى بأقل من خروج الدولة التام من النشاط الإقتصادى و"قد اشربوا حبه"،  حتى خلص إلى قلوبهم فغاب عن فكرهم أن يفسحوا مكانا في فؤادهم لمسوغات إدارة الدولة للمؤسسات، والعرب تقول "حبك للشئ يعمى ويصم"، وقد جاء في الحديث الشريف " خالطوا الناس وزايلوهم"،  أي خالطوهم في الأعمال الصالحة وزايلوهم في الأعمال المزمومه "!  دعنا – إذن-- ننظر في أمر تلك المسوغات المستندة لما يسمى " نموذج المصلحة العامة " – إن كان يمكن تجاهلها، كما يأمل دعاة الخصخصة!

يتبع         

"وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ" (النحل 9) ، "فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ"  (الأنعام 149) ،
" وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ " (سبأ 24)

* بروفسير قريش مهندس مستشار وزميل في "الجمعية الهندسية "  و خبير في المياه والنقل والطاقة والتصنيع، عمل مديرا للمركز القومي للتكنولوجيا ومحاضرا غير متفرغ بجامعة الخرطوم وبروفيسورا مشاركا  في جامعتي ولاية مينيسوتا الأمريكية وجامعة الملك عبد العزيز ومستشارا لليونسكو بباريس و مستشارا للأمم المتحدة  (الأسكوا) ، وهو حائز علي الدكتوراه الأولي له في هندسة النظم الصناعية والنقل والتي أتم أبحاثها بمعهد M.I.T.)) . كزميل "مركز الدراسات الهندسية المتقدمة" ، و حيث قام بوضع مواصفات تصميمية أولية لطائرتين تفيان بمتطلبات الدول النامية وأثبت --بالمحاكاة الرياضية علي شبكات الدول النامية-- تفوقهما علي الطائرات المعروضة ، وهو أيضا حائز علي (M. Phil.) و علي دكتوراة ثانية من جامعة مينيسوتا الأمريكية في موارد المياه بتخصص هيدرولوجيا و هيدروليكا، وعلي ماجستير اقتصاد وبحوث العمليات ، و هومجاز  كعضو بارز" من قبل "معهد المهندسين الصناعيين" وكعضو من قبل "معهد الطيران والملاحة الفضائية " الأمريكي و"أكاديمية نيويورك للعلوم" والجمعية الأمريكية للمهندسين المدنيين" و الجمعية الأمريكية لضبط الجودة والمعهد البريطاني للنقل ".
E-mail: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.