ليس هناك اى خلاف حول حق اى دولة مستعمرة ان تناضل من اجل الاستقلال والتحرر من الاستعمار وان يصبح هذا الاستقلال متى تحقق اهم مناسبة وطنية للاحتفاء بها سنويا كمبدا عام لا يعلى عليه ولكن ومما لاشك فيه ولايعلى عليه لابد ان يكون للاستقلال عائدا ايجابيا يقضى اولا على استعباد المستعمر حتى يسترد الشعب حريته التى يسلبها الاستعمار ويصبح هو الحاكمية الاعلى عبر المؤسسية الديمقراطية وثانيا ان يحقق السلام والاستقرار للوطن الذى يتعذر تحت ظله طالما ان الشعب يبقى فى حالة نضال ضده لاسترداد حريته ثم ثالثا و اخيرا ان يحقق للشعب حياة افضل مما هى عليه تحت الاستعمار وبغير ذلك لن تكون هناك جدوى للاستقلال لو انه لم يحقق هذه الاهداف الاستتراتيجية الثلاثة لان الاستقلال ليس انزال علم المستعمر ورفع علم الوطن وليس سودنة الحكم والسلطة واستبدالها بابناء الوطن ( بالجلباب والعمة بدلا من البدلة) دون ان يصحب هذا تطور فى المضمون بتحقيق هذه الاهداف الثلاثة
دفعنى لاثارة هذا الموضوع هذا الهرج الذى نشهده فى السودان ل61 عاما احتفاء باستقلال لم يحقق اى من الاهداف الثلاثة ان لم يكن زادها سوءا مما يفرغ هذه الاحتفالات بعيد الاستقلال من اى مبرر طالما ان مردوده اسوا حالا مما كنا عليه تحت الاستعمارفلماذا اذن ترديد الاغانى الوطنية وتسابق كل العناصر من القوى السياسية التى افشلت الاستقلال فى تنظيم الاحتفالات الوهمية التى لا تخرج عن الخطب الجوفاء الخالية من اى مضمون والتجمعات الجماهيرية فى الميادين العامة والتى تنصب الخيام لقضاء الوقت تحت بهرجة الاغانى والخطب باسم استقلال لم يقدم اى مبرر واحد للاحتفاء به وكان الاحرى بهذه الخيام ان تنصب صيوانات عزاء لما افرزه الاستقلال من تشييع لجثمان الوطن واذلال الشعب وتجويعه على نحو اسوا مما كان عليه تحت الاستعمار.

لنعترف وننقد ذاتنا بشفافية تامة كشعب استقل اسما وشكلاوفشل فى ان يحقق اى من اهدافه الثلاثة فكيف لنا اذن ان نحتفى سنويا ل61 عاما 53 عاما منها قضيناها تحت ظل دكتاتورية عسكرية اشد قساوة فى مصادرة حرية الشعب بمشاركة وتحالف كل الاحزاب الوطنية معها دون استثناء (الا من قلة لا تذكر لم يكن لها اثر وان راح ضحيتها رموز وطنية) ولانزال نرزخ تحتها حتى اليوم وثمانية سنوات منها تحت ديمقراطية زائفة هيمنت عليها طائفتان واسرتان فى بلد افتقد وجود اى حزب مؤسسى ديمقراطى لهيمنة الاحزاب الطائفية والعقائدية من يسارية واسلامية التى تفتقد نظرياتها اى مقومات لتاسيس حكم ديمقراطى يؤكد هذا مشاركتها وتورطها فى الانقلابات العسكرية والتى تطورت فى نهاية الامر لاكثر من مائة حزب تفرعت منها وتحت هيمنة كوادراشد قساوة فى مصادرة حرية الشعب وعلى قياديتها و لا هدف لها غير المشاركة فى السلطة

وكما يقول المثل (الحساب ولد) لنفتح كشف حساب الاستقلال مقارنة بموقف الاستعمار من هذه الاهداف الثلاثة لنرى ان كان الاستقلال افضل حالا من الاستعمار

الهدف الاول كما قلت ان يحقق الاستقلال الحريات التى صادرها الاستعمارعندما فرض نفسه حاكما ولكن هل بينكم من ينكر ان الحكم الوطنى فى عهد الاستقلال كان اكثر مصادرة للحريات بل وان من فقدوا حياتهم ضحايا هذا الواقع المؤسف اكثر ممن راحوا ضحايا الحريات تحت المستعمر سواء تحت الدكتاتورية العسكرية التى صادرت حريات الشعب ل53 عاما او تحت ظل الثمانية سنوات من الديمقراطية الزائفة التى شهدت حوادث اول مارس والمولد وودنباوى بل وشهدت قرارات حتى من الشهيد اسماعيل الازهرى افضل القادة الوطنيين الذين عرفتهم الديمقراطية بل وراح ضحية الدفاع عنها فكيف كان يفصل من يخالفه الراى فى الحزب (الى من يهمهم الامر سلام) بل قد عايشنا سبعة عشر نائبا اتحاديا يطالبون باحترام ديمقراطيتهم فى الحزب فاين اذن الحريات التى حققها السودان بعد طرد الاستعمار وهو الذى حكم عليها بالاعدام نهائيا طالما ان الاستقلال لم يحقق منذ رفع علمه حزبية مؤسسية ديمقراطية الكلمة العليا فيها للشعب وليس من نصبوا انفسهم اوصياء عليه وهو ما لم يعرفه السودان فى حزب حتى اليوم

واما الهدف الثانى ان يحقق الاستقلال الاستقرار والسلام للوطن فانظروا كيف اصبح الاستقلال اكبر مصدر لعدم الاستقرار والسلام بسبب النزاعات حول السلطة الذى فجر ولا يزال يصعد الاقتتال بين ماطق السودان المختلفة وبين قبائله والذى ادى فى نهاية الامر لانفصال جنوبه بعد سقوط الااف الضحايا من ابنا الوطن من الجانبين كما انه لا يزال مهدد بالمزيد من التمذق بسبب الاقتتال من اجل السلطة بكل الوسائل غير المشروعة مما تهددمستقبل السودان بسبب فوارقه القبلية العنصرية والدينية بدلا من ان تكون مصدر قوته حتى مذقته مطامع السلطة ثم ثالث الاهداف اخيروالذى يتعلق بحياة الشعب فهل بينكم من بحاجة لان نجرى له مقارنة كيف كان الحال تحت الاستعمار مقارنة بما اصبح عليه تحت الاستقلال لتروا العجب والمفارقات التى لايصدقها عقل ولعلنى هنا اقدم بعض الامثلة فقط لان المساحة لا تحتمل كل المفارقات :

فمن يصدق اولا ان قيمة الجنيه السودانى المصدر الرئيسى لدخل المواطن والانتاج والصناعة المحلية كان اعلى قيمة من الجنيه الاسترلينى عملة الانجليز المستعمرين للسودان و كانت قيمة الاسترلينى اقل من الجنيه السودانى واليوم بعد طردنا الانجليز انخفضت قيمةالجنيه السودانى ليساوى الجنيه الاسترلينى ما يقارب ثلاثين الف جنيه سودانى مما يطرح السؤال(الم يكن افضل لنا بقاء الانجليز حتى نبقى على قيمة جنيهنا الوطنى) بدلا من ان نستبدل الاستعمار الانجليزى باستعمارالجنيه الانجليزى لنا

ومن يصدق ان التعليم تحت الاستعماركان مجانا بل مدعوما من الدولة فى كافة المراحل التعليمية بل كانت الاسر الفقيرة تدعم باعانات مادية من الدولة واليوم التعليم يكلف الملايين من الروضة حتى التعليم الجامعى

وثالثا فمن يصدق ان الاستعمار وفر العلاج للمرض بالمجانى واليوم يتساقط الاف المرضى بعد ان رفع الاستقلال يد الدولة من تحمل مسئولية علاج المواطن الذى يتكلف عشرات الملايين من الجنيهات ونتيجة لذلك يفقد الاف المرضى حياتهم لعجزهم عن توفير تكلفة العلاج

عفوا لا اظننى بحاجة للتفصيل فى ما يعانيه المواطن فى كافة احتياجاته وخدماته الضرورية التى كان يوفرها الاستعمار

ويبقى السؤال اخيرا هل هناك اى مبرر لان نحتفى سنويا بالاستقلال ام نتحسر على طرد الاستعمار وان نوجه ذكرى الاستقلال فى كل عام لنقد ذواتنا فيما ارتكبناه من جرم فى الوطن والمواطن باسم الاستقلال وان نتوب ونستغفر الله حتى نصحح مسيرته ليصبح استقلال لمصلحة الوطن والشعب ليكون وقتها جديرا بان نحتفى به

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.