منصة حرة

بحسب ما أعلنته وزارة المالية، بلغ حجم ميزانية 2018 نحو 173 مليار جنيه (173 تريليون جنيه قديم) ويعادل نحو 24.7 مليار دولار أمريكي، دون أن توضح ماهية هذا الرقم، لتأتي وتصرح بأن إجمالي المصروفات التقديرية تبلغ نحو 127 مليار جنيه، مقابل إجمالي مصروفات بلغ نحو 117 مليار جنيه، ما يعني أن العجز يبلغ نحو 10 مليارات جنيه جديد.

وبحساب الفرق بين الرقم المعلن بحسب وكالة "رويترز" والبالغ 173 مليار جنيه وبين المصروفات التقديرية 127 مليار جنيه، فإن هناك مبلغ بنحو 46 مليار جنيه غير واضح في أي بند صرف، ما يجعل الميزانية المعلنة حتى اليوم مرتبكة وغير شفافة، وتحمل أرقاما متناقضة وغير واقعية، وذلك بحساب أن الإيرادات الضريبية تبلغ نحو 68 في المائة من إجمالي الإيرادات، ما يعني أن باقي الـ32 في المائة موزعة بين القطاعات الأخرى، ما يعزز تصريحات محافظ بنك السودان الأخيرة، عن أن المشكلة الاقتصادية تكمن في عدم "الإنتاج"، متجاهلا الجزء الآخر من المعادلة وهو "الفساد".
ورغم شح الموارد وقلة الإنتاج، وجهت ميزانية 2018 نحو 60 في المائة من المنصرفات إلى قطاع الأمن والدفاع، ما يحولها إلى "ميزانية حرب" كما وصفها عدد من نواب البرلمان الحكومي، ما يوضح بجلاء سيطرة "الايدولوجيا" والصراعات السياسية على القرار الاقتصادي، وتغليب المصالح السياسية على مصالح المواطن، وما يؤكد ذهاب أكثر من 60 في المائة من الإيرادات العامة لبند بقاء النظام السياسي الحالي، مقابل بنود التنمية، التعليم والصحة والزراعة والخدمات العامة، والتي تعتبر العمود الفقري للتطور والانتقال من الاقتصاد التقليدي إلى مواكبة الثورة الصناعية الرابعة، والتي تعتمد بشكل أساس على التكنولوجيا والمعلومات الرقمية، وتقاس خلالها الأمية بعدم القدرة على مواكبة هذه الطفرة الرقمية وليس مجرد "الكتابة والقراءة".
وبالعودة إلى مقارنة إيرادات 2017 والتي بلغت وفقا لبيانات وزارة المالية نحو 77.7 مليار جنيه (12 مليار دولار)، بالإيرادات المتوقعة للعام 2018 والتي بلغت نحو 117 مليار جنيه، نجد أن ارتفاعا بنسبة بلغت 50.5 في المائة بقيمة 39.3 مليار جنيه، ما يشير إلى وجود زيادة في الدخل الإجمالي للدولة، ولم تنعكس على مستوى معيشة المواطن، فالتضخم صعد من 20 في المائة في 2016 ليقفز إلى 34 في المائة بنهاية 2018، وفشلت الحكومة في السيطرة عليه، وكانت قد استهدفت أن يصل إلى 17 في المائة في 2017، ومن المتوقع أن تفشل مرة أخرى خلال 2018 في تخفيض نسبته إلى 19 في المائة كما أعلنت، في ظل الصرف العالي على بند "الأمن والدفاع"، وتفشي الفساد، وعدم وجود تحول رقمي للمعاملات الحكومية، والمقاومة الكبيرة لأي رقابة رقمية محتملة على أموال الدولة، كما حدث في مسالة "أورنيك 15 الإلكتروني" الذي تم تجاوزه بكل بساطة، إذ يتم هدر نسبة كبيرة من الرسوم والجبايات خارج قناة الإيرادات الرسمية.
وحتى نستطيع وضع الأرقام ومقارنتها بواقعية، يجب أن توفر وزارة المالية، معلومات الأداء الفعلي لميزانية 2017، وهو ما سيقودنا إلى وضع تقديراتنا بالأداء الفعلي المتوقع في 2018، ولكن كما اسلفنا، لا توجد شفافية في نشر المعلومات، مع وجود تضارب واضح في التصريحات، وعدم نشر أرقام فعلية لحجم لإيرادات في كل القطاعات الاقتصادية، لتحديد مكمن العجز وأسبابه، ولكن بصورة عامة من المتوقع أن تتضاعف الأسعار بعد تخفيض قيمة الجنيه مقابل الدولار من 6.9 جنيه إلى 18 جنيه، وهذا ما سنتناوله في المقال المقبل.
دمتم بود
الجريدة

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.