يفرقنا انقلاب.. يجمعنا واتساب:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

* رفع الازهري علم استقلال هذه البلاد ومات في سجونها.. فقط لأنه لم يصالح نظاما عسكريا
* رحل وردي وأعدم الشفيع وعبد الخالق واستشهد الإمام الصنديد الهادي المهدي وصُفِّي الشيخ الجليل محمود محمد طه
* الحديث عن سقوط الأخلاق لا يتم بعيدا عن سقوط الاقتصاد الذي يُسْأل عنه الحاكم
*****
# في الايام الماضية تبادلت وسائل التواصل الاجتماعي وبالأخص شبكة (الواتساب) مقالا قصيرا خطه السياسي الشاب الصاعد ابراهيم الميرغني، تحت عنوان "حصحاص قعر النَضِم"، كتب فيه:
يقول الطيب (ود ضحوية) فيما يقول:
ولداً بطبق المسرى فوق المسرى
يخلف ساقو فوق ضهر ابو قوائم ويسرى
حقب قربينو فوق جربانو خت ابكسرة
فرقاً شتى من ناس يمه زيدي الكسرة
رحم الله الطيب ورفاقه من الفحول والتلوب فما حضروا زماننا الأغبر، فكفاهم. أما ود الرضى فقد تلمس بعبقريته المتقدة باكراً بدايات هذا السقوط عند منتصف القرن الماضي عندما طفت فئات منبته من متنطعي المدن ومدعي الثقافة وأشباه المتعلمين من كل غر ساذج ظان أن سكنى المدن وارتياد مدرسة يكفى لخلق نخبة تحاول أن تختزل السودان في نمط حياتهم السطحي، بل ويكتفى أحدهم بترديد كلمتين "الرجعية.. والطائفية" بعد أن يسب هذا ويشتم ذاك دون حتى أن يدري الخلفية التاريخية والسياقين الاجتماعي والموضوعي البعيد تماماً عما يتره به، حتى وصفهم الزعيم الأزهري بالغوغاء ودهماء المدن (النتائج الثانوية لعملية التحديث وبناء الدولة)، فصار التطاول على القيم والموروث ورمى الناس بالمظان وتتبع العورات، وإن لم يجدوها فخيالهم الراكد كفيل باختلاق القصص. وفيهم يقول شيخنا ود الرضى في تنبيه الغافلين:
في احوال الزمن صار الفكر حاير
والياباك خلو منو شن داير
فوق أهل الفكر كاس الوحيح داير
نفد سوق النفاق سوق السمح باير
لك الله يا سيدي لو رأيت زماننا هذا لحارت بك القوافي، فـ "الشين والفَسِل" لا يحتاج الى (التباحت)، وفى زمانكم وما تلاه كان في الناس فضلة من إرث وحلم وحب الاخرين وولاء حينما يكذب أهلية الأمين كما يقول صلاح، كان هناك رجال كزكي العود يضوعون على الناس عبقاً وحداة حفاظ يشدون المجتمع نحو الفضيلة والقيم النبيلة التي تشكل الأساس لتماسك الإنسان واستمراره في الحياة وتقديم أفضل ما لديه لنهوض المجتمع.
فرغم (هوجة) أدعياء المعرفة وروح القطيع التي تسود بينهم، كان في السودان (رموز) في العلم والثقافة والسياسة والفن والاقتصاد والإدارة تمكنوا بفعل إدراكهم العميق أن الموروث لا يتقاطع بتاتاً مع التحديث.
نعم شرد العلامة عبد الله الطيب، واستشهد الأزهري في السجن، وأوقد حاج حمد ناراً أضاءت المشرقين لم يصبنا من ضيائها إلا ومضات خبت، وأحتفى العالم بالطيب صالح قبلنا بكثير. وهاجرت العقول النيرات لتبنى حضارات الرمال أو تتجمد من صقيع البلاد التي تموت من البرد حيتانها. رحل وردي وأعدم الشفيع وعبد الخالق واستشهد الإمام الصنديد الهادي المهدي وصُفِّي الشيخ الجليل محمود محمد طه.
وهكذا كلما أينعت شجرة واستوت على ساق، تعصف بها اسراب الجراد. وكلما تفتحت في بلادنا زهرة، ذبلت من رياح الشؤم والسموم، وبينما العالم من حولنا يتقدم ظللنا نحن نضمحل ونتآكل ليبرز السؤال الحقيقي: من يقود المجتمع السوداني الان والى أين نمضي ومع من؟ أين القدوة دعك من الأخلاق، أين القدوة في المأكل والملبس، أين بدلة الدمور البيضاء وأين التوب، أين أنت يا وردي "بقميصك النص كم الأنيق"، أين أنت يا ازاهر ويا سمار الأكروبول بل أين أنت يا مقابر؟
أين شعر جماع الرصين والتجانى العميق، أين أنتم يا مثقفي اليسار يا رفاق محجوب شريف بنقائه وعزته، أين أنتم يا شباب الحركة الاسلامية يا إخوة علي عبد الفتاح والمعز عبادي وعبد القادر علي، أين المنابر ومدارس الكادر يا اتحاديون؟
أين الشخصية السودانية والوسط العريض، أين شباب الأنصار والمهاجرين الأماجد، بل أين أنتم يا أهل القوم يا خلفاء الطريق ويا مقدمين؟
خُذوها مني على علاتها، سيلعننا التاريخ وتستهزيء بنا الأمم وتسير بنا الركبان إن أضعنا هذا البلد النعمة، بينما تقوم الدنيا ولا تقعد على "عريبي قنصلو غزال"!
إن كان ابراهيم الميرغني هايف وهمو بارد لأنو مرق لي زراعتو ونجع لي سعيتو وواصل أهلو وفى دربو قنصلو غزال، يبقى كل من روج ودلل ونبح ولت وعجن وتفسبك وتقوقل ودبج الأسافير ورقص وعرض فرحاً، "خلاص لقالو فيني فرقة" إذا كان دا كلو فوق قنصتي مع الاعتذار الشديد للجميع، يبقى أهيف مني وهمو أبرد مني وفى كلام العرب الرماد كالو. فمن هو ابراهيم سوى مجرد مواطن سوداني (هوين) لا خيل عنده يهديها ولا مال ولا يملك سوى أن يقول لكم كلاماً (حاراً) يلذع النخوة في نفس من تبقت من سودانيته جذوة.
دعوه، فما ابراهيم الا بدوي أصاب شيئاً من حضارة، فظن نفسه متمدناً فتركها سنينا، وعاد ليجد أهلها كما فارقهم يأكلون لحم بعضهم ويسرقون أموالهم ويهتكون أعراضهم ويرمون حرائرهم بالإثم وهم يعلمون. هذا البدوي عاد الى حيث ينتمي الى طينته التي منها خلق.
فبالله عليكم دعوه، هذا لحمه فكلوه ودمه أسفكوه ولكن دعو روحه ترحل بعيداً الى حيث تجد السكينة هنالك في "كسمور وريره وقروره وتندلاي" حيث السودان فيه بقية، فقد كفاه النواح على بحر الجبل الذي غير مساره ضد التاريخ وعكس الجغرافيا وغزلان الردوم وحبارى جبل مرة التي توشك أن تفارق. دعوه يرثى "لحال الطير المهاجر لي وطن صلاح أحمد ابراهيم ولن يجد ضل الدليب".
بالله عليكم شفتو مرة جبل مرة وللاااا تخيلتم أين كان الشريف زين العابدين الهندي عليه رحمة الله ورضوانه لما قال في ملحمته (سودانية):
بت الحر وأم الحر واخت الحر
وست الضنبو مردوم بي وراهو يجر
ست الفي الخشش من العصير بنتر
ست الخيل وست الفي القلوب بنقر
وأم الحلفو بيك وبي العذاب المر
ما بختولك الشينة ومناحة كر
أما أنا فأعرف أين كان.. "كان في عموم السودان قانص مثلى وما عندكم أي عوجة، الصور راقدة، كان بتحلكم كل يوم جرولكم بوست"، كفاني الله وإياكم والسودان مناحة كر.

# على خلفية ذلك المقال جرى في قروب (شبكة الصحفيين السودانيين) تبادل الرسائل التالية:
- كتب الصديق الصحفي عمر الحلاوي:
إبراهيم الميرغني، ابن البادية المتمدن، هتك جدار صمته، فكان حسن الكَلمَ، يطيب الكلَمَ، سجع يقول، شعر مقفى، بهيج الطَّلَّةُ، كلامه حلاوة في متنه طلاوة، أَجاد الوصف، ولو كان حديث الساسة كذلك، لا مَلَّت الآذان من سماعه، ولا اصطكَّت الأضراس. أغدقَ علينا بشعر الهمباته، فكرم الأديب حسن البيان، وعلمت من صُحْبَة بطول صمته وحسن تَدَبُّرُه حتى يمل جليسه.
وللحق والحقيقة ما كنت أظن في المراغنة أديب يحسن صنع الكلم، فتضحى المعاني صورة ماثلة، والكلمات شخوص والنصوص الجامدة يبعث فيها الحياة ويحرك المَخيلة، فهذا الفتى ابن بادية يحمل صفاتها باعتزاز وشموخ وكبرياء، ذكرني بالشريف زين العابدين الهندي بفصاحته وأدبه ونظمه للشعر وحسن استماعه، ومحمد سعيد العباسي وولعه بالبادية. فان كان الفتى اجاد وصف البادية نثرا فقد سبقه العباسي في وصفها شعرا......
كثبانُكِ العفرُ ما أبهى مناظرَها أُنسٌ لذي وحشةٍ، رِزقٌ لمرتاد
فباسقُ النخلِ ملءُ الطرفِ يلثم من ذيلِ السحابِ بلا كدٍّ وإجهاد
كأنه ورمالاً حوله ارتفعتْ أعلامُ جيشٍ بناها فوق أطواد
وأعينُ الماءِ تجري من جداولها صوارماً عرضوها غيرَ اعماد
والوُرْقُ تهتف والأظلالُ وارفةٌ والريحٌ تدفع ميّاداً لميّاد
لو استطعتُ لأهديتُ الخلودَ لها لو كان شيءٌ على الدنيا لإخلاد
* عصام محجوب الماحي:
قول على قول.. مثله جميل. بديع. حسن المظهر والمخبر.
تَسْلَم اخي حلاوي، بالفعل مَنْ لم ينفعل بما خَطَّه ابراهيم الميرغني فهو فاقد لحاسة تذوق تصوير اي مشهد بالكلمات، وعليه ان يراجع ذاكرته التي لم تختزن حلو كلام من قبل، و "يفَرْمِتُها".
دعنا نأخذ من الشاب اللطيف ابراهيم الميرغني قدرته على تصوير مشهد ولو وااااحد فهو يكفي، ونعلق عليه ثم نختلف على السياسي الذي فيه.. ففضاء الاتفاق والاختلاف كفيل بان يجد كل شخص نفسه فيه حبا وودا، بعيدا عن بغض او كراهية.
- عمر حلاوي:
صحيح.. تَسْلَم. مقال الميرغني دل على ثقافة عالية واستخدام اللغة بمهارة يحسده عليها أفضل كاتب، وعمّق لا تخطئه عين، اما مدلول المقال فذلك اجتهاد. فانه أراد ان يقول أنام ملء جفوني عن شواردها.... ويسهر الخلق جرّاها ويختصم. سلاسة في التعبير وبلاغة في الوصف.
* عصام محجوب:
وهو ما تقول يا صديقي.
لا اظن انني التقيت الشاب ابراهيم الميرغني من قبل. وان حدث فربما كان لقاء عابرا. بيد ان بعض مما وصلني عنه من اشخاص اعرفهم واثق في تقييمهم، يشجع على متابعة أدائه. صعوده او تراجعه، فكل شيء جائز، ومع ذلك سيبقى ما يسطره إذا استمر في رفد الساحة بما يأمل. يعمل. يفكر ويكتب ليتواصل مع ما حوله من أحداث وناس.

# رفع الزميل الصحفي عباس محمد مقالا للمهندس علي جمال علي بعنوان "ردا على ابراهيم الميرغني وزير الدولة: لم يتبق إلا هذا..." كتب فيه:
والطيب ود ضحوية نفسه وهو في أيامه الأخيرة.. ينشد:
يوم بنداور البكرة ونمصروا ثديها
ويوم بنشق عتاميرا بعيدة وتيها
يا نفس الرماد المتعة كملتيها
ابقي لزومة وقت القرعة وقعت فيها
وهنا فرق الاستدلال بين ما قاله الطيب ود ضحوية كملخص وهو في عصارة تجربته، وبين ما قاله في أيام شبابه وهمبتته.. وهو يسابق الدنيا فلا يسبقها.
رحمه الله ورحم رفاقه، ورحم شهداء جيلنا أيضا.. جيلنا الذي سقطت منه التاية أبو عاقلة في حرم جامعاتها. لكن الحديث عن سقوط الأخلاق لا يتم بعيدا عن سقوط الاقتصاد.. وسقوط الاقتصاد يُسْأل عنه الحاكم.
وأني لأعجب كيف لأحد أن يصف الناس بأنصاف المتعلمين ومدعي الثقافة ويخطئ في تحرشه بهم ويصفهم بالسذاجة.
أنني أتفق على أي حديث عن ارتفاع نسبة الأمية في الوطن.. أو لِنَقُل تمدد الجهل نفسه، الأمر الذي أفقد أسرا أراضيها الزراعية وحصادها يهبونها لمن لا يعمل ظنا منهم أن هكذا هي مرضاة الله.. الله الذي لا يرضى الظلم من العبد للعبد، دعك من الظلم بأسمه.
لعمري لم أقابل يوما انقساما ثقافيا تمترس فيه الناس في السودان بين أبناء المدن وأبناء القرى.. ولو أن طوافا حقيقيا حدث فيما أصطلح على تسميته الناس بالمدن لتم اكتشاف أنها قرى كبيرة لا غير، والناس تعيش في توادد لم تنل منه الأنظمة كلها.
فسوق (سنار) كعادته يغلق أبوابه باكرا فالتجار فيه من القرى في شرقها.. وسوق عطبرة لم ينتعش قبل موجة التنقيب عن الذهب. ولو طاف طائف بداخليات الجامعات أو درس بها مع أبناء الشعب الذي يتحدث الكل باسمه، لوجد ابناء (بيكا.. وود هجا ومزاد بحري وهيا والوساع وبوط) متجاورين يتزاحمون في صف المكوة.. ويناديهم الناس بأسمائهم ملحقة بأسماء مناطقهم.
أنا أتفق أن الرجعية والطائفية لا يمكن نقاشهما بدون أن نمر على السياق التاريخي والاجتماعي للسودان. لكن أن نظل متمسكين بذات السياق فقط لتستمر المصالح.. فهذا أمر قد مضى وتَعْرِفه حتى بائعة الشاي الأثيوبية في سنكات حين تشتكي بأن الزحام في (الحولية) لم يعد كالسابق.
أن أنصاف المتعلمين ومدعي الثقافة المغضوب عليهم ما هم إلا خطوة في طريق الوعي لهذا الشعب، وقد كانت جدتي تضع يدها في رأسي قبل كل ذهاب للمدرسة لتحصنني بـ (سيدها الحسن).. وسيضحك أبني كثيرا لو حكيت له هذه القصة. هي لم تكن جاهلة ولكنها رأت كيف فتحت دور العبادة والتعليم وكيف نصبت (الكرجاكات) في اطراف جبيت وأنقواتيري.. فاقتنعت بأن هؤلاء السادة لو كانوا شرا لجلسوا في بيوتهم ومنها لكراسي العرش بدون أن يقدموا شيئا.
أما ان دار الحديث عن الخوض في الأعراض والخصوصيات الشخصية فها أنا أعتذر.. فالحق أحق ان يتبع.. واتفق على تمام الخطأ.. لا مكابرة ولا غرور.
وأن كان المجال متسعا لود الرضي.. فهو نفسه القائل في ذات القصيدة:
مالك يا زمان شبَّعتنا وِح ووحيح
صِح الدون كِضِب.. كِضْب العوالي صحيح
يات من كان أنا جعلتو ليَّ صليح
عقرب حزَّ ليَّ يا نفسي زين ومليح
في حِوال الزمن صار الفِكِر حاير
والياباك خلُّو عندو شِن داير
فوق أهل الفِكِر كاس الوحيح داير
نفد سوق النفاق سوق السمِح باير
تُب الشباب إن بقى كوَّاس
تُب الصبي إن قطع المروة خلاص
تُب الشايب إن بقى وسواس
تُب الأقربين الإتفاتتو الأمغاص..
فله ولنا الله لو رأى زماننا هذا لحارت به القوافي ولربما طالب بنصيبه من التشكيل الوزاري.
أما الأزهري فهذا رجل فاضل، ولو أن المرء قضى اسبوعا واحدا في أحدى روابط الطلاب الإتحاديين، لحفظ حديثهم وهم يرثونه من كلمات د. منصور عبد القادر: "أبتاه سلاما وتحية.. من جرح الأحزان اللاعق.. سهد الليل قضية.."، حتى يختمونها بزفرات حرى "واغتيلت في ليل الخرطوم الحرية".
رفع علم استقلال هذه البلاد ومات في سجونها.. فقط لأنه لم يصالح نظاما عسكريا. قالها وبقوة: "نحنا لا يمكننا ولا ينبغي لنا".. ثم نظر لجموع مؤيديه وخاطبهم: "مادامت إرادة الشعب هي دستورنا فسنمضي في طريق العزة والكرامة".
فلندع الأزهري بعيدا عن هنا، فالرجل كان واضحا في موقفه حتى كلفه حياته فمات مديونا.. وحين كان يلبس الدَمْور كان يتواضع أن يبدو متعاليا على شعبه لا لعدم قدرته وهو سليل السجادة الإسماعيلية وخريج الجامعة الامريكية في بيروت.
أنا أعرف اين ذهب شباب الأنصار وحزب الأمة وأين هم أهل اليسار.. لذا لن أسألهم أين أنتم. كيف أسأل عن العاص مثلا.. وأنا أعرف أنه قتل في جامعة الجزيرة.. أو عن الحبيب الشهيد.. او عن ميرغني سوميت.
أما أخوة علي عبد الفتاح والمعز عبادي.. رحمهم الله فستقابلهم كثيرا أنت.. فأنت من يجيب.
أما متذيلي النداء (حصحاص قعر النضم) الإتحاديون.. فأنت تعلم وأنا أعلم. لكن قبل أن أخبرك عنهم.. فلنوضح بعض ما ألتبس.
مدرسة الكادر هذه ليست مفردة تخص تنظيم الاتحاديين.. بل هي مفردة عامة يستعملها الجميع.. وإن كان الاتحاديون يغلب عليهم تسمية (الورش الفكرية). لكن لا أحد يدخل مدارس كادرنا ولا ورشنا الفكرية قبل أن يجتاز امتحانا عسيرا.. وينجح فيه ويُقرأ عليه دستورنا الذي يحرم مصالحة الأنظمة الشمولية.. ويحفظ مقولة الشهيد حسين الهندي.. "لو أن يدي اليمنى صافحت النظام.. لقطعتها يدي اليسرى" و "لو أن أخي لحمي ودمي صالح النظام لقاتلته بمثلما أقاتل النظام".
وسيلعننا التاريخ لو لم نفعل هذا.. فنخرج للساحة السياسية من يحمل فكرا بدون مبدأ.
ستقرأ كلماتي هذه في كل ربوع السودان.. ستجوب كأنها رصاصة من بندقية قنص.. ففي كل ربوعه شركاء في الحلم بالوطن القادم حتى وأن تأخر. شركاء يعرفون جيدا المثل الأفريقي "حتى يتسنى للاسود حكاية القصص.. ستظل حكاوي الصيد تمجد الصيادين".
كفانا الله وأياك والسودان مناحة كان عشمنا أن تكون يومها معنا لا معهم.. وما هذا إلا من حسن العشم. سيظل اختلافنا على الموقف.. لكن كما تربينا، وكما قال عنا د. منصور خالد: "إن السياسة عند الاتحاديين فكرا لا تهاوشا".
أما عرضك وحياتك الشخصية فستجدنا أول من يشجب إدخالها في السياسة.. فنحن في المقام الأول سودانيين.

* عصام محجوب:
الله الله.. عندما يتحاور الاتحاديون وعندما يتفقون او حتى يختلفون.. لا يتهاوشون. يتجادعون فكرا وملاحم تعكس حالة الناس الاسوياء، ويحفظون حق الاخر ليتخذ له مساحة يعرض فيها قضيته كبرت ام صغرت.. شأنا عاما عريضا كانت، فيختلفون فيه بمقاصد وطنية وسطية فكرية علمانية سودانوية لا شرقية ولا غربية، ام شانا خاصا ضيقا كانت، فيهب الاشقاء لحماية صاحبه فهو ايضا شأنهم. يحمون ظهر الشقيق وغير الشقيق، فحريتهم وترقياتهم من حريته وترقياته، فالفرد للكل والكل للفرد، اشتراكية نابعة من العرف ذات جذور عميقة في تربة الوطن. يزودون عن حوضه.. زرعه.. منجله.. طوريته ومكان سقاية ورَعي مراحه أو حتى بهيمته. ينافحون عن خزنته في "دكانته او ديكيكينه".. في مغلقه او مصنعه.. فَرْدِي الكسب مجتمعي الفائدة. يشكلون معا سياجا دفاعا عن مفتاحه.. زَرَدِيته.. مَكَنَة لِحَامِه.. مسطرينته.. سقالته وابروله. عن قلمه. كراسه. كتابه ومسطرته. عراقيه. جلابيته. عمامته. توبه. عبايته وبدلة الدَمْور.
الله.. الله.. من هؤلاء الذين يحفظون قولا للأزهري واولئك يجدونه موقفا عند الهندي حسين يعضون عليه بالنواجذ.. فكيف يتهاوشون وهم يجددونه؟
الله.. الله.. لمثل هذا الحوار الذي طرح به المهندس علي جمال موقفا اتحاديا ناصعا نظيفا "كصحن الصيني لا شق لا طق".
شكرا الزميل عباس محمد وانت ترفع لنا عقدا منظوم النَّضِم، لؤلؤة جنب لؤلؤة، الهندي يجاور الازهري، يربطهما خيط متين لا يقطعه سيف.. فنقرأ "كتاب" المهندس علي جمال مع "جوهرة" ابراهيم ميرغني ونستوعبهما ونأخذهما للطريق الطويل، ونضعهما مرآة تعكس لنا حالا جديدا سيتشكل ولن يكون ذات الحال طالما الشقيقان علي وابراهيم يصدحان بالموقف وان اختلفا.. فغدا سيكون لقاؤهما في وسط عرييييض، واسع الحضن، جامع حقا وعملا لا بشعار وهتاف خاوٍ. وسط بازخ بالوطنية، شامخ يُعْلِي الهِمَم وبازغ الإنسانية، مُشْرِق يمتد فيغطي انسان السودان عرقا ولونا ونوعا ودينا وثقافة وحضارة لينداح في كل مساحة الوطن. فالوطن مساحات عديدة في مساحة واحدة، وتعددها يجب ان يكون مصدر قوته ونهوضه وتقدمه لا العكس كما فعل فيها وبها الذين خربوا امسه وحاضره وسلبوهما فبتنا نخشى على الغد البعيد دعك عن القريب فقد سجلوه ضمن ما نهبوا وسجلناه ضمن ما اضعنا لنأتي ونبحث عنه. هل تصدقون يا أصدقائي، إبراهيم الميرغني وعلي جمال علي وعمر الحلاوي وعباس محمد وكل من يقرأ ما اكتب، اننا أضعنا وطنا؟ ألَمْ يحن الوقت لنتحرك لنبحث عما أضعنا؟ إذا بحثنا عنه كل بطريقته ولسنا مجتمعين ومتماسكين فسيقول أحدنا لأخر، "الرجاء من يجده ان يبلغ عنه التُمْنَة. هل سمعتم من قبل بالتُمْنَة"؟
الوطن يا أعزائي دخل طريق الضياع مذ أصبح حتى الناس البسطاء يطلقون على اسم المكان الذي تُفتح فيه البلاغات، قسم البوليس ثم الشرطة، بدلا عن التُمْنَة. أي نعم، حدث ذلك بعد نجاح معركة التحرير ومع بدء خطوات عرجاء للسير في معركة التعمير.
هلموا نبحث عن الوطن بحزب وسط عريض، بِه ومعه وعن طريقه حتما سنجد الوطن ونستعيده مِمَنْ اختطفوه.

//////////////////

/////////////////////