أسئلة تَطْرحها بعد قراءة مقال الطيب صالح عن جمال محمد احمد


يفرقنا انقلاب.. يجمعنا واتساب

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

* ومن العناد ما قتل أمَّة أيااااا أيها الرافضون لحقائق تكشف عمق المأساة
* الطيب صالح: من أصعب الأمور أن تكون سفيرا لنظام ديكتاتوري في بلد ديمقراطي
* جمال للطيب: هل الناس الأخيار بهذه الكثرة حتى يضيع منا محمد عمر بشير؟

في قروب (الاختلاف لا يفسد للود قضية) بمنصة واتساب للتواصل الاجتماعي تبادلت مع أحد أعضاء القروب، سأرمز لاسمه بالحرف (عين)، الرسائل التالية:
- عين: وبعد،،، أعتقد أن موقف الأستاذ كمال عمر مبنى على عدم إمكانية توافقه مع الخط الذي تبناه المؤتمر الشعبي حين قرر المشاركة. فالأستاذ كمال لم يُعرف في صفوف الحركة الإسلامية إلا من خلال المؤتمر الشعبي بعد المفاصلة. وأعتقد أن طبيعته صدامية، أو قُل أقل وفاقيه مما هو مطلوب الآن في صفوف الشعبي والذي مال للوفاق والتوافق منذ أن ابتدر الشيخ حسن الترابي فكرة الحوار وسعى لمصالحة شاملة بعد عبرة ما بعد تداعيات الربيع العربي.
على الحاج بتاريخه المجيد وما تشربه في الغربة من معايشة نهج ديمقراطية الغرب ومن طبيعته النافذة مباشرة لتحقيق ما يتوخى فيه المصلحة ولمعرفته العميقة بمن حوله ولثقته العالية في نفسه، كل ذلك أدي لأن يقود الشعبي بتبريرات لطيفة لأن يأخذ موقعه المشارك مع قدرته ومن معه لإحداث اختراقات في الواقع، تؤدى لمصالحة وطنية.. كخطوة واسعة للم شتات الوطن في سعيه -الصادق عندي- للخروج من العلل المزمنة التي الحقت المحاق بالبلد أو كادت.
ومن الطبيعي عند التحولات الكبرى في نهج أي جماعة إنسانية أن يترجل بعض القادة.. فالذي صَلَحَ وأفاد في مرحلة قد لا يتوافق مع ما هو آت. نحمد للأستاذ كمال عمر صدقه مع نفسه حين اتخذ قرار رفض التكليف والحذر من أن يجند نفسه لمصارعة قد تتوافق مع طبيعته وتتخالف مع مطلوبات المرحلة. 6 مايو 2017.

* عصام محجوب: ليتهم كلهم يترجلون. كل جماعة الاسلام السياسي الذين أجرموا في حق الوطن والمواطن، الذين صنعوا وشاركوا في النظام الحالي منذ يوم مولده الأسود وحتى يومنا الاسود هذا بفضل "عمايلهم" وافعالهم السوداء التي افقرت البلد والعباد وقسمت الوطن واشعلت الحروب فيه وجعلته ممزقا واهله مشتتون في اصقاع الدنيا ينشدون اوطانا بديلة وحياة كريمة.
حكام السودان اليوم والذين يتفاوضون معهم للشراكة في حكمه لم يصلح منهم أحد، لا في مرحلة سابقة ولن يصلح اي منهم فيما هو آت.
الذي ارتكب وشارك في الجرائم لا يَصْلُح الا لارتكاب المزيد من الجرائم، فليس من شيمته تضميد جراح.
من يريد للوطن ان يتعافى ويتحقق السلام بين ابنائه وقبائله عليه ان يطلب من مرتكبي الجريمة الوطنية العظمى ان يترجلوا جميعا عن حكمه وعن التفاوض لحكمه.
هذه هي الحقائق مجردة ان كنا صادقين مع أنفسنا ومع الوطن ومع الرب، وعدا ذلك فإنها خيانة للوطن وللوطنية، ولإنسانه وللإنسانية، ولدين الرب الذي باسمه ارتكبت كل الجرائم.

(ثم رفعت للقروب مقالا كتبه الراحل الطيب صالح عن المرحوم جمال محمد احمد) ووضعت له المقدمة التالية:
تمتعوا بسرد عجيب عن شخص فريد.
اقرأ لتعرف ولو مسألة واحدة فهي تكفي، عن كل شخص جاء ذكره والطيب صالح يكتب عن جمال محمد احمد، وتأمل كيف اجتمعت لك خُلاصة معرفة ومعارف ان لم تكن تعرف.
ومع ذلك لا بد انك ستتحسر على بلد اضاعه وضيعه نظام جعفر النميري وبعده نظام جماعة الاسلام السياسي الذي أسس له الدكتور حسن الترابي وعمر البشير واخوانهما. ولا ريب انهم أحدثوا دمارا كبيرا وعميقا في السودان وفي انسان السودان. والسؤال هو كيف يحاسبون على ذلك؟ ليس مهما امواتا ام احياء، يجب ان يحاسبوا بطريقة ما على ما فعلوا، ومع ذلك كيف نسترد ما ضاع منا؟
(والحقت تلك المقدمة بالمقال التالي):

جمال محمد أحمد ابن أقصى الشمال وادي حلفا
بقلم: الطيب صالح
الحديث عن جمال محمد أحمد ليس سهلا، فأنت لا تعرف من أين تبدأ. أنه بالنسبة للناس الذين عرفوه عن قرب وأحبوه، لم يكن شخصا بالمعنى المعروف للكلمة، ولكنه كان عالما متكاملا قائما بذاته. كان مثل زعماء الأحـزاب، أو قادة المدارس الفكرية، له حواريون وأتباع وأنصار. وكان بالنسبة لي، كما لكثيرين، علما من أعلام الخرطوم، من القلة الذين أسعى للقائهم أول وصولي، وإذا وجدته مسافرا، أشعر أن ثمة فراغا هائلا. والآن وقد رحل إلى الأبد، فان الخرطوم قد قلت بهذا المعنى إلى الأبد.
عاد جمال محمد أحمد من إنجلترا أواخر الأربعينات بعد أن أكمل تعليمه في جامعة اكسفورد. وكان يدرس التاريخ واللغة الإنجليزية في مدرسة وادي سيدنا الثانوية حين كنت طالبا فيها. كان واضحا بنشاطه وآرائه المتحررة. وحين التحقت بكلية الخرطوم الجامعية التي أصبحت بعد ذلك جامعة الخرطوم، كان جمال محمد أحمد قد عين مسؤولا عن شئون الطلبة بها، فعرفته أكثر ولكنني لم أكن واحدا من حوارييه وأنصاره، فإنني لم أكن قد بلغت النضج الذي يمكنني من تقدير مواهبه العقلية الفذة. ذلك حدث لي بعد أن ذهبت إلى لندن. كان هو سفيرا للسودان في أديس أبابا، فأرسل لي عن طريق أحد أصدقائه المقربين يثنى على قصة نشرت لي. قال ان القصة أعجبته وأغاظته في آن واحد. وكانت تلك عادتـه، لا يثنى عليك ثناء صرفا، ولا يثنى عليك وجها لوجه، ولكن عن طريق شخص آخر. وفي آخر لقاء لي معه، صيف العام الماضي، كان يحدثني أن أخاه محجوبا، وقد توفى قبله بأربعين يوما، قضى إجازته في قبرص. ثم قال عرضا: "ناس محجوب يروحوا قبرص يتفسحوا. وأنت رحت قبرص كتبت "الرجل القبرصي". عجبت لأن القصة كان قد مضى على نشرها أكثر من عشرة أعوام، ولم أكن أظن أنه قرأها. قلت له "هل أعجبتك" فضحك كأنه يستغرب سؤالي ولم يقل شيئا. كان موضوع القصة، الموت، ولا أدرى هل كان يفكر في الموت حينئذ.
كان قد أدرك السبعين وكان صديقه الأثير محمد عمر بشير يتزعم حركة لإصدار كتاب يتضمن مقالات يكتبها عدد من أصدقائه المقربين احتفالا ببلوغه سن السبعين. وجدناه، عثمان محمد الحسن وأنا، بين كتبه يقرأ ويكتب ويدخن الغليون مرة، والسجائر مرة، شربنا معه القهوة أواخر الصباح، وتحدث معنا حديثه الودود. كانت طريقته عجيبة في الحديث. ينسج لك غلالة رقيقة من المحبة، ويخلق مناخا من الألفة. يستحضر أصدقاءه الغائبين، ويداعب الحاضرين، ويذكر أفراد عائلته وأقاربه وأصهاره، يصنع من كل هذا عائلة كبيرة ممتدة هو مركزها وقطبها. لا ينصح ولا ينتقد. وحين يسخر يسخر برقة، وإذا أثنى أثنى بخفة حتى لا تكاد تتبين ثناءه إلا بعد حين. لا يغضب لشيء ولا يدهش لشيء، متسامح مثل قلب رؤوم يتسع لكل المتناقضات. ورغم غزارة علمه وتوقد ذهنه ورحابة آفاقه الفكرية، فإنه لم يكن يتحدث في الثقافة والأدب إلا نادرا، وإذا فعل، يلقى لك بالأفكار العميقة كأنما جزافا في ثنايا كلام عادي. كل ذلك بحركات لطيفة مميزة من اليدين والوجه والعينين، ولحظات صمت وضحكات صغيرة في ثنايا الجمل.
كان إنسانا جذابا إلى حد أن عددا غير قليل من حوارييه أخذوا يقلدون طريقته في الكلام والمشي والسلوك. وكان في سلوكه، على سجيته تمامـا، لا يفعل شيئا لا تألفه نفسه. حتى وهو سفير، لم يكن يفعل ما يفعله السفراء من مجاملات، مثل استقبال القادمين في المطار وزيارة المرضى في المستشفيات. وقد عين سفيرا للسودان في لندن ثلاث مرات، في كل مرة يحدث شيء يقطع عليه إقامته. في المرة الأخيرة جاءه وزير في زيارة خاصة فأرسل من يستقبله في المطار ويدبر أمر نزوله. واكتفى بذلك. لم يزره ولم يسأل عنه. وعاد الوزير غاضبا إلى الخرطوم، وكان صاحب نفوذ تلك الأيام، فأقنع الحكومة بعزل جمال محمد أحمد، ليس نقله ولكن عزله كلية، فعزلوه برسالة مقتضبة مكتوبة باليد. وكان ذلك العهد عهدا عجيبا، وأعجب ما فيه أنه لم يكن يعطى أي اعتبار لقيمة أحد مهما علا قدره. حاولنا أن نسرى عنه، سيد أحمد الحردلو الشاعر المعروف، الذي كان أيامئذ سكرتيرا في السفارة، وأنا. ولكنه لم يكن غاضبا. كانت تغلب عليه الدهشة أن السودان الذي أحبه وساهم في بنائه آلـت مصائـره إلـى نفـر لا يحفلون بأحد، حتى الرموز الكبيرة في حياة الأمة. وكان وضع جمال في ذلك النظام خير مثال على مأساة الإنسان المتحضر المثقف في وضع همجي. لقد رحب جمال في البداية بذلك الانقلاب الذي سمى ثورة، مؤملا أن يصنع أولئك الشباب تغييرا حقيقيا. وكان هو معجبا بتجربة الحزب الواحد كما صاغها جوليس نيريري. وكان يقول لنا في تبرير ذلك: "هل نظل رافضين أو متفرجين دائما؟ علينا أن نشارك لعلنا نغير مسار الأحداث". ولكن هيهات. فقد اتضح له أن فتانا ليس كمالك، وأن نميري غير نيريري.
سألته: "ما حكاية فلان معك؟ هل بينك وبينه شيء؟ فقال: "يا أخي مش دا الولد الكان في دفعتكم في وادي سيدنا؟". قلت له: نعم. فقال: "يا أخي دا ولد عابر سبيل. أنا قلت لهم يرسلوا له السيارة ويحجزوا له في الهوتيل. تاني عاوز مني أيه؟".
ولا أدرى ماذا قصد بعبارة "عابر سبيل" فقد كان أحيانا يترجم العبارات الإنجليزية ترجمة طريفة. ولعله قصد أنه "رفيق سفر"، كأن يقال أن فلانا شيوعي "رفيق سفر" أي أنه ليس شيوعيا ولكنه متعاطف مع الشيوعية. بمعنى أن هذا الوزير لم يكن من قادة النظام بل على هامشه، وأن الأستاذ جمال كان يظن أن له من مكانته وصلاته بالرؤوس ما يغنيه عن مجاملة الفروع. ولكن الدنيا كانت قد تغيرت.
في هذه الفترة نفسها كان جمال يزور المرحوم محمد أحمد محجوب بانتظـام، علما بأن محجوبا كان قد فقد منصبه كرئيس للوزراء نتيجة لانقلاب مايو فأقام في لندن. ذلك أن محجوبا كان صديقه وصفيه. وكان ذلك دأبه، يحتفي بالناس الذين يحبـهم، ولا يحفل بالناس الذين لا يحبهم مهما كانت مناصبهم. وكانت علاقته بالنميري علاقة غريبة. فقد فتن النميري به أول الأمـر، ثم ضاق به ذرعا، وظل يبعده ويدنيه طوال فترة حكمه. وهكذا عين جمال بعد عودته من لندن، رئيسا لتحرير الصحافة، ثم عاد مستشارا لوزير الخارجية. وتلك من مآثر منصور خالد الذي كان وقتها وزيرا للخارجية، فقد كان جمال أستاذه في أمور كثيرة، وهو من أكثر الناس تأثرا به، فأعاده وفاء لتلك الصلة. ثم أصبح وزيرا للخارجية وانتهى به الأمر أن عينوه أمينا عاما للمجلس الأعلى لرعاية الآداب والفنون. وكان منصبا أجوفا بلا معنى، فإنهم لم يعطوه المال اللازم لإنجاز أي شيء وكانوا قد الغوا وزارة الأعلام والثقافة تلك الأيام والحقوها بوزارة الداخلية. وكان أستاذنا الجليـل، عليه رحمة الله، يحكى لنا ضاحكا كيف أنه كان يحضر اجتماعات يعقدها وزير الداخلية تناقش فيها قضايا الثقافة جنبا إلى جنب مع قضايا الشرطة والأمن ومكافحة المخدرات والدعارة.
حين صنعوا به ما صنعوا يوم عزلوه من منصبه في لندن، قمت بجهد المقل، وكانوا يريدونني أن أعمل في وزارة الأعلام فكتبت إلى وزير الإعلام أقول: "أن حكومة لا تحترم رجلا مثل جمال محمد أحمد لا تستحق أن يعمل الإنسان معـها". وكانت صرخة ضعيفة في واد سحيق، لم يسمعها أحد ولم يكتـرث لـها أحد. ولم يكن ذلك عملا بطوليا مني، فقد كنت في مأمن عند الإنجليز في لندن. منصور خالد صرخ بعد ذلك صرخة مدوية حين قتلوا محمود محمد طه، رحمه الله. وهي حسنة أرجو أن تحسب له حين يجد الجد، فأنه يسير الآن في طريق وعر، لا أحسب أستاذه جمال محمد أحمد يرضاه له. أشهد أن جمال محمد أحمد كان من خيرة السفراء في لندن، بل كان سفيرا نابغة بين السفراء. كان يعمل بأسلوب خاص به. لقد وظف علاقاته الواسعة منذ عهده في اكسفورد، ومعرفته العميقة باللغة الإنجليزية والثقافة الإنجليزية، وجاذبية الشخصية، كل ذلك وظفه في خدمة السودان والعرب أجمعين. وكان في أحسن حالاته خلال العهود الديمقراطية في السودان، فإن من أصعب الأمور أن تكون سفيرا لنظام ديكتاتوري في بلد ديمقراطي. كان إنسانا، ليبراليا، بحق وحقيقـي، بالمعنى الحسن للكلمة. كان بين مثقفي الإنجليز كأنه واحد منهم، وبين مثقفي إفريقيا كأنه واحد منهم. وكان بوسعه أن يتنقل بسهولة بين حالات متباينة من العيش، فقد ولد ونشأ في قرية من قرى شمال السودان، فظل قرويا في بساطته وحنوه. وكان من صفوة الصفوة بين السودانيين، فعاش في المدينة كأنه نشأ فيـها. وتشبع بالثقافة الإنجليزية بشكل لم يتح إلا للقليلين، فكان في لندن أو أكسفورد مثل السمكة في البحر. وكان عاشقا للعروبة، ولمصر بصفة خاصة، فكان في بغداد أو بيروت أو دمشق أو القاهرة كأنه في الخرطوم. فقد جمع جمال محمد أحمد كل هذه الصفات التي تبدو متناقضة بلا أدنى جهد أو مشقة. كانت شخصيته خالية تماما من التوتر والعنف. ليس معنى هذا أنه لم يكن يتعذب ويعاني. بلى، ولكن أحزانه كانت بعيدة الأغوار. لابد أنه حزن لضياع الأرض التي ولد وتربى فيها، وتشرد أهلها شمالا وجنوبا. ولابد أنه حزن لما حل بالسودان وبالأمة العربية. وعلى الصعيد الشخصي كان يحس لذعة فقدان الخلان أكثر من غيره. لقد حزن لموت أحمد الطيب وعبد الإله أبو سن والشيخ المرضي ومحمد أحمد محجوب وغيرهم. وحزن حين ألجم المرض صديقه القديم داؤود عبد اللطيف بعد أن كان ملء السمع ذكاء وفصاحة. وحين ألم المرض بمحمد عمر بشير قال لي في حزن بالغ: "يعني هل الناس الأخيار بهذه الكثرة حتى يضيع منا محمد عمر بشير؟"، ولكن الله لطف بمحمد عمر فشفاه من علته أطال الله عمره. أنه أشبه الناس بجمال محمد أحمد في علمه وثقافته وذكائه وسعة أفقه وطيبته. وقد كان بارا به إلى آخر لحظة، خاصة في الأيام المظلمة أواخر عهد نميري حين ضاقت الدنيا بالناس، وبدا كما لو أن السودان قد لبس وجها غير وجهه المألوف. أحس جمال محمد أحمد إحساسا عميقا بالمأساة. وكان محمد عمر بشير وآخرون إلى جواره يسرون عنه ويشدون أزره. كان جمال محمد أحمد رحمه الله نسيج وحده بأدق معاني الكلمة، في حياته وفي فكره. وكان أسلوبه في الكتابة من الأساليب المميزة في الأدب العربي المعاصر، يمكن أن يوضع، دون أدنى مبالغة، جنبا إلى جنب مع الأساليب العظيمة كأسلوب طه حسين وأحمد زكى ومصطفى صادق الرافعي والمازني والمسعدي. كان إذا رثى الشاعر الإنجليزي لوى ماكنيس، أو إذا وصف لقاءه للبابا، أو إذا حدثك عن أيامه في جامعة هارفارد، خلق لك عالما طريفا مدهشا، تتماوج فيه الأضواء والظلال، والابتسام والسخرية، والفكرة والأحاسيس، شأن كل أدب عظيم، فإذا أنت تسمع وترى وكأنما لأول مرة، وإذا روحك تنتعش كأنك سبحت في بركة صافية ذات صباح جميل، هكذا كان: ضوء كأنه مجموعة أضواء. كان أخا وأبا ومعلما لرهط كثيرين. وسوف يكتسي حزننا لفقده ألوانا شتى فيما بقي لنا من أيام.

- عين: الأستاذ الأديب عصام محجوب،،، معجب أنا جدا باختياراتك في الكتابة وبأسلوبك، انتقاء للكلمة واجادة في الصياغة وثراء في المحتوى.
القطع في الأحكام في قضايا السياسة خاصة -وهى أوسع الساحات لتعدد الآراء واختلاف الرؤى- يجعل أحيانا حاجزا كثيفا يحجب البعض عن الاستنارة بما تقول. هلا جعلت بعض جهدك الأدبي خالصا للأدب على مظلة الفن للفن؟
أقول هذا فأعزل عن مقالك المختار عن الطيب صالح الغطاء الكثيف (من الشطة والزغني والفلفل والخل) بالقطع واللزق، وأعيد إليك المقدمة القارصة مع هذا التعليق، لأتمكن بعدها من أن أرسل قطعة الطيب صالح الأدبية للكثيرين الذين يسعدني أن يسعدوا مثلى بما نشرت. وثق أنى سأحفظ لك الحق الأدبي مشيرا أنك من بعثتها منقبا وبعثتها أيضا للقراء شهية طيبة. حفظك الله أستاذ عصام. أم درمان 7 مايو 17.

* عصام: أخي (عين)،،، خيرا تفعل وانت "تعمم" مقال الطيب صالح حتى وبدون الاسطر التي قدمتها به. ومع ذلك، ماذا كتبت فيها حتى تعمل مقصك القاطع عليها؟ هل لا توافق على خلاصتها بان تدهور بلدنا في كل النواحي والمجالات، واحسب اننا لا نختلف على ذلك، تسبب فيه نظاما مايو 69 ويونيو 89 المستمر إلى يومنا هذا؟ هل لم تعجبك دعوة ضرورة محاسبة النظامين التي تساءلت عنها؟
دعني اضيف يا اخي (عين) بما هو معلوم للكافة بان الحقيقة صعبة القبول لدى كثير جدا من البشر خاصة إذا تسبب طرحها في كشف اخطاء ذات البشر الذين يصعب عليهم الاعتراف بالخطأ. التراجع عنه. الاتجاه بالقدرات في طريق آخر يقود الى التصحيح. وصدقني لا أريدك ان تكون من امثالهم. لماذا؟ لان ذلك مكابرة وعناد.
انه العناد يا سادتي، ومن العناد ما قتل أمَّة. أضر بها. عذبها وأضاع حاضرها ومستقبلها بعد ان فعل في أمسها وماضيها تمزيقا وتشتيتا وحروبا وتطرفا وكراهية زرعها اصحاب العناد بين المجتمعات والناس. وهي حالة السودان وجماعة الإسلام السياسي فيه، ويبدو ان أخوي (عين) منهم، وهل يُخْفَى الانتماء لفكرة ارتكبت حماقات واضاعت البلد وعذبت اهله واثقلت عليهم؟
ما علينا، ادعوه لمراجعات حقيقية في الساعة الخامسة والعشرين فالزمن يجري ولم يعد هنالك وقتا لترف التشخيص فالمطلوب معالجات حقة وصحيحة.
تقبل تحياتي وشكري على رسالتك بعيدا عن التقريظ الذي حوته والمزاقات الحارقة التي وصَفْت بها مقدمتي لمقال اديبنا الراحل الطيب صالح عن مفكرنا الراحل جمال محمد احمد. ياااااه.... لم يَعُدْ هنالك مَنْ نتحدث عنه وننقل عنه الا مسبوقا بكلمة الراحل. انه قدر ومشيئة ربانيه أهـ.. ولكن لماذا عاش الوطن نصف قرن وأكثر في ظل انظمة ديكتاتورية، تسلطية، فاسدة، ظالمة، أسوأها نظام الانقاذ الحالي؟ ولماذا لم تستمر التجارب الديمقراطية؟
انها أسئلة تجدها في خلاصة مقال الطيب صالح لو قرأته بتمعن. وهي اسئلة إذا لم يطرحها من يقرأ مقال الطيب صالح من الافضل ان لا يشغل زمنه به. لا يوزعه. لا يتأمل فيه لأنه حتما معطوب الفكر او قَفَل نفسه في طريق لاتجاه -لِتُقْرَأ فِكر- واحد. أليس كذلك؟ سؤال اختم به ولا أوجهه لك اخي (عين).. اعفيك لان طعم المزاقات الحارقة قد يغَلِّط على من ينتظر ان يتمتع بالحلو فقط وبان يرى الفكرة التي انتمى إليها في السلطة، لا ينتقدها وينتقده فيها احد، ولا يهاجمها احد، ولا يكشف اخطاءه واخطاءها احد؛ وان يتمتع بكل السلطة، لا يقاسمه فيه احد ولا يقالعه عليها احد؛ وان يقف فوق انقاض البلد وعلى نعوش وجثث وجماجم ابنائه وعلى خلفية الفساد والنهب المصلح الذي اشتغل عليه اهل السلطة وحتى وان لم يشترك في تلك الجرائم بالتنفيذ كل من يدافع عن السلطة، وقد تكون اخي (عين) من بين الاخيرين الخيرين، ومع ذلك ثق ان صمْتك عليها ان صمَت، وعدم اعترافك بالخطأ مع الاستمرار فيه ان فَعَلت، لا يضعك في درجة اخف مِن مَنْ ارتكب الجرائم، العظيم منها مثل القتل، والمقرف منها كالفساد والسرقة والتسبب في نشر الرذيلة ودخول المساجد للدعوة للفضيلة.
///////////////////