عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

في زيارتها لبوخارست استمعت الصحفية الرائعة نَادْيَة عثمان مختار لأغنية "يا زاهية" من اسطوانة (سي. دي.) في سيارتي.. وظلت الاغنية لا تنتهي إلاَّ وتبدأ. "اسبوع بحالو" ونَادْيَة تمشي بها نغما ومفردة ومعانٍ ببوخارست، في الامكنة ومع الناس.
بَدَتْ لها الاشياء غريبة وعميقة، فقد كانت زيارتها في العام 2013 ومارس يستعد للرحيل يجر خلفه الباب مستقبلا إبريل وفاتحا له "ضَلْفَة" ليدخل، والشتاء يَلَمْلِم جليده ليغادر.
كطفلة وجدت نَادْيَة بقايا ثلوج فلم تتركها، لعبت بها وهي تغني "يا زاهية قلبي الشِيلتي جيبي.. يا لاهية عَبَثِك بي لو سِبتي". صاحبة الضمير الأبيض اعجبها البساط الأبيض، فالتقطته في العدسة وغنت "في عيونك الدلال راهب سكران.. في خدودك الورد عاشق سهران"؛ مَدَّت المايكرفون متزينا "بشعار- لوقو" قناة امدرمان لتحادث ما تبقى من جليد يقاوم ذوبان زمن مارس وهو يَطِل على ابريل ليفسح الشتاء الأبيض مكانا للربيع الاخضر، وغَنَّت "يا حالمة يكفي من دَلِك هجران.. برضي صابر والزمن يشهد حبي".
حَكَيْت لها عن ايام الطلب والسكن الجامعي واصطحبتها في زيارات ومعنا مُصَوِّر تفنن في اختيار زوايا التَقَطَ منها ابعاد المكان شكلا وحركة وادخل نَادْيَة عليها وهي تتحدث، واخرجها منها وهي كذلك تشرح بذاكرة خرافية دَوَّنَت فيها معلومات مَلَّكْتها لها على التو.
تَجَوَّلنا في المدينة لتسجيل لقطات لبعض معالمها وزرنا كليات الطب والهندسة والاقتصاد. سِرْتُ معها وهي تغني "خطواتك وقعت للروح ألحان.. كتجاوب، قلبي زاد خفقان.. يا ظالمة لمتين انا فيك سرحان.. يا حالمة وعدك يروي الظمآن.. انا حاير في خيال طيفك هيمان.. في تَفَكُر وخشوع أعبد ربي"؛ مشت خطواتنا بحكايات طويلة لا تنتهي على خُطى احمد قباني وجعفر شانتير والتَشْكِيلي جُلِّي وزميلته دار السلام في داخليَّات "قروزافشت"، والأطباء عثمان سوركتي وعبد الكريم علي الحاج وعبد الله ومحمد عبد الرحمن وعلي واحمد النور سوار الدهب ونور الدين جبارة والتهامي اخوان، هاشم الذي وصل رومانيا للدراسة عام 1958 ثم سار في دربه محمد وعزيز وامير والاصغر مرتضى التهامي، والاقتصاديين معاوية الخير وحسن عبد المالك –برلين- واندرو وعبدالعزيز عبد الحفيظ وحمد إبراهيم -واصدقائنا من مدينة كلوج طلال دفع الله ونجيب نجم الدين وعبد المنعم الجلال وحسن كرار- وامين محمد إبراهيم وماهر الشريف الحبيب وعبد الحفيظ عبد الله رجب وقبلهما ادم مهدي وابوبكر يحي الفضلي وأحمد حميدة والامير عبد الرحمن نقد الله والادباء والمسرحيين عبد الرحيم ابو الذكرى ويوسف عيدابي ونَادْيَة جابر ومصطفي المبارك وقبلهما الهادي أحمد الشيخ الذي درس الإخراج والتصوير السينمائي ولم أنس الحديث عن نوادره التي سمعنا بها أو تلك عشناها معه وهو في سنته الدراسية الاخيرة، ولم يتوقف سرد قصص الأطباء فتح الرحمن حمودة وماهر سليمان –وصديقنا فتحي مشعال- وكمال ادريس وخالد يونس وعصام مكي وعبد العزيز مصطفى الهادي وشقيقه الأكبر برعي الذي درس قانون وامين وشقيقه نجيب حمزة جعفر وأحمد يعقوب وكمال بِني وعصمت متولي وهاشم خلف الله وكيلاني وزميله في الغرفة مأمون الشيخ ونعمات وشقيقتها نفيسة عبد المحمود والفاتح بانقا وحسن سوركتي وعادل كشة وصديق بشارة وصلاح "الإليف" -وتعني بالروماني التلميذ- وحمدوك وزوجته المعمارية سوسن وشقيقها الطبيب هشام محمد علي والاخوان غالي ولوسي وزميلاتها الطبيبات بنات دفعتها والفنان متعدد المواهب الشاعر التشكيلي شرف وزوجته الطبيبة هانم وبكراوي النعيم بكراوي وشِبِر وحكاوي داخليات "بيلفديري" وسامي طلعت فريد والصيدليان عمر محمد عمر ومعاز إبراهيم، والزراعيين أزهري قنبور وعبد المنعم مسكين وصلاح جادين وجمال عباس العجب والمعماريين جمال الحويرص وحافظ ود السفير ومن كان في دفعتهما وقبلهم بابكر حمودي ومحمد صلاح، ثم لاحقا الأطباء كمال التلب وحلفاوي والأصدقاء ياسر السيد ومعتصم جعفر ومعاوية عمر عيسى وعادل سليمان والحان بشير عباس وكنتباي وقَبْلَه شقيقه المهندس أسامة ابقرجة وحكاوي مدينة براشوف حيث درس ومعه الأصدقاء المهندسين صديق علي الصديق وحسن إبراهيم نور وكانوا عندما نزورهم يأخذوننا لمنتجع "بويانا" السياحي الشتوي على قمة الجبل والمدينة تحته وتلك امكنة محفورة في ذاكرة أولاد رومانيا. واستقبلت مدينة "بلويشت" قلب "براهوفا" العامر بالجمال امكنة وانسان، رهطا من دارسي هندسة البترول، منهم عصام محمد مختار وعصام جادو وصلاح قرشي.
زرت مجمع "الاقرونوميَّا" مع نَادْيَة فهاجت بي ذكريات ومشاعر أول مرة ادخله، حيث السكن الطلابي في "سي. تشينش-5" و"سي. باترو-4" والداخلية التي كانت فيها غرفة الصديق امين محمد ابراهيم وتسمى مبنى "الترانسيت" الذي سكنَّا فيه عند اول وصول لبوخارست ليلة 5 نوفمبر 1975 مع دفعة استقبلها في المطار حامد احمد سليمان وعبد الحفيظ عبد الله رجب وعبد العزيز مصطفى الهادي باسم اتحاد الطلاب فقد أوصى على مجموعتنا التي بلغت حوالي 30 شخصا، وضمتها صُدْفَة رحلة مشتركة من الخرطوم عبر أثينا لبوخارست، حبيب الكل نديم عدوي وكان معنا قريبه صديقي عصام يوسف والفنان الرائع عازف المندلين نبيل. ومع ذِكر هؤلاء رويت لنَادْيَة أحاديث ونوادر، بعضها عشتها وبعضها تكفلت الجلسات مع من كان شاهدا عليها بتسكينها في الذاكرة عن سفراء العهد الذهبي واخرهم احمد دياب وقبله سيد شريف وعصام حسن وذكريات حفل الفنان هاشم ميرغني وقبله جولة المطرب عبد العزيز المبارك وفرقة الفنون الشعبية. وحدثتها عن الدبلوماسيين مكاوي الخليفة وصالح مشموم والفاضل احيمر والقنصل عبد الله ود البيه ومساعده محمد نجيب والقنصل كمال علي الحاج شقيق زميلي في العمل بمصنع الخليج للكبريت في الخرطوم بحري قبل السفر للدراسة في رومانيا عبد المنعم جيمي، وقصصه لوحدها في العاصمة بوخارست ومدينتي كرايوفا وتيمشوارا يحلو سردها مع صديقي نجيب حمزة جعفر. وبمناسبة العمل والدراسة حكيت لها عن كمال بني الذي درسني لغة انجليزية في الثانوي عندما كان طالبا بجامعة الخرطوم ويلعب لفريق المريخ ثم تزاملنا طلابا في بوخارست، وعن استاذي سيد البدوي الذي درسني جغرافية في الدامر الاميرية وصرنا زملاء دراسة عندما لحقت به في رومانيا، ولم أكن اتصوَّر انني سأزامل استاذين من أظرف وألطف اساتذتي. وسيد البدوي له حكايات في رومانيا كثيرة الألوان لا زال يسترجع خلطتها وتفاصيلها كل من درس في مدينة كلوج وقد زامل سيد أيضا نور الدين شلقامي وعبد الباقي طه في اخر سنينهما. ولعبد الباقي رواية ادهشت نَادْيَة عندما حكيتها لها. فقبل سنين وقفت امام أستاذ بكلية طب بوخارست احدثه عن أحد طلابه، فأوقفني عن الاسترسال وقال: يبدو لي إنك من السودان.
قبل ان اجيب أضاف: هل تعرف د. عبد الباقي طه؟
قلت له: ابن عمي؟
ولحظتها وجد الموضوع الذي جئت لأجله أفضل حل وكل المواضيع التي لحقت به، فقد حدثني عن ذكرياته مع عبد الباقي وتفوقه الدراسي.
استغرقتنا حكايات ونوادر لا تخلص والضحك والدهشة يسيطران على ضيفتي نَادْيَة فأنطلق لساني ورويت لها ما أطلقنا عليه "الحرب الكيمياوية" بين منعم مسكين وإبراهيم العجوز التي شهدتها ممرات الداخلية ومنطقة السكن الطلابي. وزرنا مجمع داخليات (الريجيا) حيث أقام اغلبنا، فصعدت معها "كمين كا. وبي." ثم "دي." التابعة لكليات الهندسة وسَكَن فيها ابن خالتي عبد السلام الطيب نقد وصديقه مروان الطيب المرضي وكانت غرفهما يجتمع فيها كل من تبحث عنه وخاصة من كان يأتي من المدن الرومانية الاخرى فحتما تجده هناك حيث الكرم الحاتمي الطلابي بتقاسم الفَلس والتحويلات المصرفية ايهما أقرب الى الجيوب، فالأولى حالة كانت تكاد تكون دائمة عدا يوم استلام المِنْحَة والثانية تذهب كما تأتي سريعا، ومع ذلك لا مستحيل في إكمال الجلسة بعد أن يَلْيل الليل. كيف؟ لا أدري، فالإجابة في تلك الأيام او في ايقاعاتها، ومع تلك الأسماء مجتمعة والتي وَرَدَت جردا عفويا وليس حصرا. ولا غرو ان خريجي رومانيا يتبادلون سرد ذكرياتهم في لقاءاتهم اليومية والاسبوعية والدورية بالبيت الروماني السوداني في الحديقة الدولية، وقد صار للبيت الروماني ولبعض حكايات أهله أصدقاء وكأنهم جزء منه فصاروا طرفا فيها، يحكونها، وكل ذلك بفضل أصدقاء كثر، عبد المنعم عبد الحافظ ونور الدين عبد الغني وحسن احمد علي "بيتشت" ومرتضى التجاني وعادل السيوفي وفردته أسامة ابقرجة وكل الاخرين الحلوين، شابت رؤوسهم وبقيت ارواحهم شابة بما زرعته في انفسهم أيام رومانيا.
لم اترك مكانا وإلاَّ ادخلت فيه نَادْيَة لتلتقط ولو من بعض سَرْدِي اثرا للسودانيين الذين درسوا في رومانيا وبالأخص في بوخارست وتركوا ذكريات طيبة لدى الكثير من الرومانيين، فيكفي السيرة الثرة التي تركها أحمد قباني في الإذاعة الرومانية وقسمها العربي وفي مركز الدراسات العربية التابع لكلية الآداب قسم اللغة العربية بجامعة بوخارست، فالكثير من الإعلاميين والمثقفين والشعراء وأساتذة الجامعات يتذكرونه ويتحدثون عنه كموسوعة ثقافية وصوت إذاعي لا يتكرر ابدا. ويملأني زهوا وحبورا الحديث عن عبد الرحيم أبو الذكرى وأحمد قباني والذي يبتدره معي كلما التقاني البروفيسور نيكولاي دوبروشان الذي جعل كاتبنا العالمي الطيب صالح يتحدث الروماني بترجمة روايته "موسم الهجرة إلى الشمال" إلى اللغة الرومانية وجعل حكايات مصطفى سعيد في متناول أهل بلده بلغتهم فوجدت رواية الطيب صالح أفضل القبول والاعجاب الملحوظ بتكرار طبعها.
زارت نادية معي الكليات. المكتبات. مطعم الطلبة -الكنتينا-. مرقص -ديسكو الطلبة. بيت الثقافة -كاسا دي كولتورا-؛ وفي ذات الممرات والطرق والدروب مشت نَادْيَة وهي تردد في خطوات راقصة "ابتسامتك زاهية بأحلى الالوان.. فوق خدودك الوريد نديان.. يا عالمة سادره في بحر السلوان.. كل لمسة حب مني تحكي ليك دقات قلبي"؛ ودخلت معها حديقتي "تشيشميجيو" ببحيرتها واجوائها الرومانسية و"هيريستراو" بوسعها وامتدادها حد الأفق وزهورها وورودها واشجارها، اخضر اصفر احمر وكل ألوان شفق المغارب التي تَرُد الروح صيفا وتقف داخل الحديقة متعجبا مِنْ تجمد مياه بحيرتها شتاء والصبايا يتزحلقون عليها.
تجولت مع نادية لترى فندق "نورد" و"استوريا" و"بارك" لأحكي لها عن صديقي فيصل الحاج وشُلَّته لستون والدنقل وعبادي وعن عمر الشامي ونوادره وقصصه التي جددناها معا في زمن أخر عندما أصبح الشامي رأسماليا. وحكيت لها بعض نوادر مدينة تيمشوارا وأصدقائي أشرف بدري والفاتح النزير دفع الله وسيد مينيكس واولاد وبنات ال سوار الدهب وعلى رأسهم الصديق عقيل احمد عقيل الذي إذا جالسته مع الشامي، كما حدث عندما عاد للتخصص، قُلْ للزمن ان يتوقف.
ركبنا المترو والترماي الذي ساق مثله الثلاثي الحبيب بشير عبادي وعبد الله إبراهيم لستون والدَنْقَل من محطته الاخيرة الى الاليمنتارا -سوبرماركت-وعادوا به على نفس الخط لمحطة الداخلية -كمين ك- وسلموه للـ -باتمان- سالما كاملا ومعه قبلات فقد كانت امرأة، فسامحتهم بعدما وَلْوَلَت، فقد دخلت الداخلية لحاجة انسانية وعادت ولم تجد عُهْدَتها المتحركة، ومع ضحكتها العريضة لم تَبِنْ نواجزها، من أين يا حسرة.
عندها، استغرقت نَادْيَة من ناحيتها في نوبة ضحك متواصل حتى بَاَنت دُرَرِها ثم استغفرت ودَنْدَنَت "يا لااااهية قلبي الشِيلتي جِيبي.. يا زااااهية عَبَثِك بي لو سِبتي".
ومع ذلك، الامكنة لم تكن ذات الامكنة في رفقة نَادْيَة. كانت اروع وأجمل، تغطت بالذكريات فأخذت من الماضي عبقه بحكاياتي وقِصَصِي التي لم تكن تنضب منابعها الا ويجددها شبق السرد وشهية الحكي حلو المذاق فيحيل حتى الحزن على الاصدقاء الذين رحلوا الى فرح باستحضار معرفتهم ومعايشتهم والحديث عنهم وعن ايامهم الخالدة، والدعاء لهم بالرحمة والمغفرة، وفوق ذلك أَفْرَد الراهن ألقه على تلك الامكنة بالتغيير الذي احدثه عليها الى الافضل، آخذاً من ألق نَادْيَة وحضورها فتواصل المَشِي والحكي.
فهل سبقت نَادْيَة الزمن وكانت وكأنها تسجل معي حلقة من "المشاء" وانا لم أكن أدري؟ هذا ما اتخيله الان عما حدث حينها، لان نَادْيَة تعلمت من تجربتها وطورتها، وكدليل حضور وقوة وذكاء، لم تترك تجارب غيرها تمر دون ان تنتبه اليها، فكيف لا اشبه روعة حوارنا يومها بما يجري في اغنى حلقات "المشاء"؟
كصحفية سألتني، وكصحفي عن العام والمشترك مع اخرين سمحت لها ان تدخل في دنيا صراحتي وشفافيتي ووضوحي، وعن الخاص لم أبخل لها ببعض اجابات واظن انها صممت ان تحصل على المزيد فتركتها تتدلل.
فهل كانت تحقق؟ لا.
هل كانت تستقصى؟ لا.
هل كانت تخَزِّن معلومات لتكتب؟ لا اعتقد، وانما حتما كانت تريد ان تعيش اجواء ذلك الزمن.. لأنها لم تَكِف عن القول: اصصصصصصلو ما بصدق.. مشششششش معقول.. وبعدين، الحصل شنو؟
انتقلنا من النصف الثاني من السبعينات ونصف النصف الأول من الثمانينات الى العشرية الثانية من الالفية الثالثة بكل ما فيها من جديد وتجديد وتحدي. سألتني ان أحكي لها قصتي مع هذا وذاك المكان، ومع هذه وتلك من الشخصيات فلم تغب "التاء المربوطة".
عادة لا استجب لاستدراج.
لم تَلِح.
فاستجبت.
قالت لي نَادْيَة: حياتك لغز يجب ان أسبر خفاياه وخباياه.
قلت لها: خاطئ من يظن ذلك.
وتَنَبَأت ان صديقي حسين خوجلي قد حدثها، فقد جالس الكثير من اولاد رومانيا، فأسْرَعت وقلت لها: انه يعطر طلباته التي يدفع بها كما يفعل بالحكايات ومع الكلمات وفي اللطائف التي يرويها، ويضع لكل ذلك ايقاعات تجعل مَنْ في مُحِيطه يحوم كالفراشة حول الزهرة يستنشق عطرها، وحسين يريد مَنْ يذهب الى الزهرة خاصة حينما يختارها له، ان يكون كالنحلة تأخذ منها الرحيق. كل الرحيق.
قالت: انت لا تدري كم هو عنيف إذا وثق فيك ولم تأت اليه بما يصبو وقد طلب مني ان أجري لقاء معك.
قلت: قَلْبَه كبير يفور ويهدأ في ثانية.
لم تقبل نَادْيَة اعتذاري إلاَّ بعد وعد بموافقتي ان تستضيفني في شاشة "الجمال والحب" لبرنامجها "يوم الزيارة" بمنزل الاسرة في الخرطوم.
عوضتها بان احْتَفَى بها الثنائي الرائع أولاد ميرغني، محمود وعصام وزوجتيهما في أجمل وأطعم احتفال بمذاق سوداني في "رستورانت جِدُّو" فَمَتَّعَت نفسها باستضافة ضيوفها في ديارهم، وسجلت أروع حلقة.. يا لك من شقية يا نَادْيَة.
كان يوما سودانيا بطعم كل شيء خطر على بالها ورفيقها خالد الصاوي. كانا قد اكملا مهمتهما في مصنع "رينو- داتشيا" للسيارات وتَفَرَّغت نَادْيَة لمهنتها ومارست هوايتها في اصطياد الجمال لشاشته لتزرع معه الحب، فنقلت الحياة في بوخارست للأهل في السودان عبر قناة امدرمان.
أحبت من التقتهم وأحبوها خاصة محمود وعصام وزوجتيهما وسَجَّلَت لهما زيارة في المنزل.
مع رفيق زيارتها المهندس خالد الصاوي، وحسناء امهرية واسعة العيون بشعر "أفرو" غزير كثيف دائري وفي اليوم الثاني صار مُنْسَدِلا حريريا وفي الثالث مُمَشَّطا بجَدَائلٍ، رسمنا خطاً في حواري وازقة بوخارست القديمة –داون تاون- حيث قهاويها وباراتها ومراقصها فتمايلنا فيها على أنغام أغاني السبعينات والثمانيات بدءً بِبَحَّة "بيري وايت" وضخامة صوت "ايزاك هيس" ووضوح نبرة النُطْق عند "جيمي كليف" و"بوب مارلي" وطلاوة صوت "باول آنكا"، وانتهينا وخالد من جهاز "التاب" السحري يدهش بنت ملوك الهضبة الاثيوبية بانغام بلدها وجارتها اريتريا، فصرخت مار "تيدي افروووو" وانطلقت تهز كتفيها في رشاقة، وارتاح خالد على صدر الحكي واستلقى على سجيته يسرد جولاته في اديس واسمرا وفتح لنا بستان الصور، امكنة وبشرا، وفرض نفسه اخيرا مدعوا على اسرة "مار" عند اول رحلة له لأديس.
في زيارتها لمنزلنا لم تتركني نَادْيَة الا بعد ان دفعتني لترجمة كلمات اغنية "يا زاهية" لزوجتي ماريانا.
قلت لها: لا داعي لأنها تتعامل مع النغم واللحن وتجد متعتها في "انبساط" ضيفتها وهي تراها تعيد استماع ذات الاغنية كل الوقت.
قالت: ولماذا نتفوق عليها بالطرب الذي سرى فينا ولا تتذوق النغم والمعاني معنا بلغتها؟ واضافت مع اندهاشي: قد تجد في لغتها مقابلها.
وتملكتني دهشة اشد، عبرت عنها بان طارت حواجبي الى اعلى عندما اردفت نَادْيَة: ولو.. هذا ليس عدلا، دعنا نتذوق النغم والمعاني معا، ثلاثتنا. دع كابلي وصاحب المفردة يفعلان فعلهما فينا.
شَارَكَت نَادْيَة في ترجمة الكلمات بإضافات شارحة من نظمها للمقاربة، كانت هي نفسها "زاهية"، فأخَذَت رقتها وعذوبتها حظهما من الترجمة وعَمَلَت على تقريب المعاني فسار الامر سَلِسَا، ومن يومها اصبحت ماريانا مدمنة "يا زاهية".
توقفنا عند معاني اكتَشَفْت انني لم أكن امنحها حقها من الاهتمام اللازم. كانت ماريانا أسرع تعاملا مع حَضْرَةِ المعاني فأنْزَلَت من المكتبة شعراء خالدين ليجلسوا بيننا. وازدان مجلسنا وازداد روعة، فحضر "م. ايمينيسكو" و"ي. ميلينسكو" بروائعهما، فقرأنا بلغتين واستنشقنا عطرهما بلغة مشتركة واحدة، وبدأت هجرة المعاني من الشمال للجنوب لبلاد كانت في عصر كتابة "يا زاهية" و"ضَنِين الوعد" وغيرهما تتذوق الترجمات نثرا وشعرا وفكرا وكان الترجمان مبدعا وخلاقا، لا مهنيا ناقلا المعرفة فحسب.
ليلة جميلة قضتها نَادْيَة معنا كانت فيها مائدة الحديث اطول من التي تذوقنا فيها الطعام والشراب وعَمَلْت بفرح طاغ نادلا بل قُلْ خادما لهما ومترجما من الحديث الذي تبادلتاه، المعاني والجمل بعد ان اتركها تلبس أجمل الحلل في موسم ترحالها تارة الى الجنوب وتارة اخرى كالطيور المهاجرة الى الشمال، ردا واخذا ايقنت خلاله من سعادة ان تكون مفيدا في تقريب التفاهم والتوادد بين اثنين فتحلق بينهما كفراشة بين زهرتين، الى ان قلت لهما، نَادْيَة وماريانا: سددا ما عليكما، وضعتماني بين لافتتين، وتبادلتماني كرة كلاعبتي تنس طاولة.
ابتسمتا معا، وتفاجأتا بملامح جدية بانت طبيعية على محياي، فأضفت: الحساب ولد، فلا تَعَلُم اللغة الرومانية كان بالمجان ولا سبر اغوار معاني القصيد كان بلا جهد.
كان قصدي ان يوشحاني بأوسمة التقدير والأهمية، فصرت صيدا سهلا لفطنة احداهما ورِقَّة تَصَرُف الاخرى.
وقفت ابنة جبال "الكربات" واشترتني بقبلة وغَمَزَت بان شعب بلادها صرف عَلَيَّ بمنحة دراسية، فيما هَمَزَت نَادْيَة بدورها وقالت: مين زيك يا عم عرفت تأكل عقلها.
لم أتَرْجِم.
فزادت: وتخطف قلبها.
لم تتركني أتَرْجِم، وقفت لتذهب وتداري حزنا كانت قد حدثتني عنه.
تركت لنا نَادْيَة موضوعا عندما اوصلناها للفندق بعد ان رفضت الاستجابة لإلحاح ماريانا بان تقضي معنا باقي الليل الذي كان قد انتصف، وكأنها تعمدت ان تدفعنا لنعود ونتابعه، فقد فتح لنا الحديث وما خَلَّفه حالة كَسَرَت تَسَرُب بعض رتابة لحياتنا، وجدد الحديث فينا جمال الاشياء والاحساس وروعة تبديد الصمت بما يجعل، فيما بعد، الاسترخاء حالة كاملة مكتملة تضيف على تفعيل متعة الحواس الخمس لحدها الاقصى، حاسة سادسة يخلقها كل ثنائي، فتحيط بهما كيفما يشاءان. ياااااه.. ساعدتنا في كسر الرتابة ومَلَّكَتنا سلاح وقف تسربها وتجددها مستقبلا. من أرسل نَادْيَة إلينا؟
سافرا، نَادْيَة وخالد، وكان سفرهما قد تأخر بضع يوم. وقبل ان اتركهما يتوجهان الى المطار اصَرَّت ان تعيد المعطف الشتوي الذي ألبسته لها زوجتي ماريانا حتى لا تشتري اخر لاسبوع واحد فقط، ويكفي انها اشترت حذاء شتويا، فقالت لي نَادْيَة: ان رائحة عطر معطف ماريانا ستبقى عالقة استنشقها في حب وتغمرني بمودتها الى ان القاكما في الخرطوم لتعطرا لي ايام مماثلة هناك.
وعَدْتها.
زوجتي وعَدَتها أيضا ان تلتقيها في القاهرة لترى ابنتها.
كانت تقول لها: "هيللللوه.. إنْتَ بِتْ هِييييييلوه بِتَائِكْ".
فتضحك نَادْيَة: وين شفتيها يا عفريتة، حتى صورتها ما وَريتِك ليها؟
ترد ماريانا: "إنْتَ هِيلو.. إنْدُو بِتْ هِيلو لازم".
فأخرجت نَادْيَة الصور وانطلقت تحكي عن القاهرة. أيام القاهرة وابنتها ايمان في القاهرة.
ياااااه كانت نَادْيَة بالفعل حلوة. خلقة واخلاق. وحلوة صُحبة صُدفة وعُشرة.
محادثاتنا الهاتفية التي كانت تربط بوخارست بالخرطوم التي ذَهَبْت اليها في أكتوبر-نوفمبر 2013 وكأنني على موعد لوداع نَادْيَة، كانت تبدأ وتنتهي بذات الاغنية. يا زاهية.
كنت عازما على تحقيق رغبة وإصْرَار نَادْيَة ان تستضيفني في الخرطوم لشاشة الحب والجمال "امدرمان" بعد ان اعتذرت في بوخارست. وعَدْتها ان يحدث ذلك عند زيارتي للسودان، فغمرها الفرح عندما هاتفتها، فصرخت: ماااا بصدق؟ معقول؟ في الخرطوم؟ انا جااااية.
* لا ما تجي.
- لا بجي.
* ما تجي.
- كنت تحركني في بوخارست.. دعني احَرِكك في الخرطوم.
وهكذا ظللنا نتبادل بالهاتف جمل قصيرة انهيناها بلقاء تم على أعجل ما سمح به زمن مشوار السِكَة التي كانت قصيرة، فصار الزمن قصيرا جدا.
بالصدفة، ودون اي تخطيط، قَبَض عَلَيَّ صديقي حسين خوجلي في يوم ما وأدخلني للاستديو على ثنائي مقدمي برنامج "بطاقة حُب" احمد الحاج العربي وسالي عثمان. كان حديثا وحوارا لطيفا معهما، سعدت به كثيرا ولكنني حزنت بان اللقاء الذي طَلَبَته نَادْيَة لم يتحقق وجرى من خلفها لقاء اخر.
ذهبت مسرعا للصحيفة حيث تعمل ايضا نَادْيَة، فقد كانت شحنة طاقة وعمل وانتاج ومبادرات لا تنتهي ابداً. كالطاقة من مصادر متجددة، تثمر انتاجاً تلتقطه صحيفة او تليفزيون او اذاعة.
قلت لها: قبل ان اسلم عليك اطلب ان تقولي مسامحاك وما زعلانة.. والعفو والرضا.
لم تصر ان تعرف لماذا. اعطتني رضاها ومسامحتها بذوق ولطف ما منظور مثيلهما. كان رد فعلها انيقا ازدادت به حلاوة وجمالا وانطلاقا.
دخلنا في حديث عابر عن زمن اعتَبَرَته قاب قوسين وسيصبح بدوره عابرا وماضيا، وعن اشياء كانت تتوق ان تَغْسِل عينيها منها لترى غيرها.
قالت لي: هَانَتْ.. تَسَلَّحْت بالصبر وبرأي وبمشورة اعزاء لدي، وقد كان ذلك مفيدا جدا كما اوصيتني في بوخارست.
رأيتها بغير لمحة الحزن الذي كانت دائما تحاول ان تخفيه، قلت لها: يبدو ان لديك اخبارا طيبة.
قبل أن تجيب، أضِفْت: يا "ن. ع. م.".... هل فكرتي أن اختصار اسمك "نَعَم او نِعَم"؟
لم تعتبره سؤالا وانما تأكيد لحقيقة، فجاء ردها أنيقا ألطف من اللطافة: نَعَمْ الله عليك.
اسْتَدْرَكَت واضَافَت: نِعَمُ الله عليك.
واعلنت نَادْيَة انها مستعدة لجديد تكتشف به روحها أكثر وأكثر في بلاط صاحبة الجلالة.
في تقديري ان عشقها للصحافة لم يدانه عشق انسان أخر.. صحفيا كان ام صحفية.
يااااااه تبقى ان أقول: يا مَنْ تستمع لأغنية "يا زاهية" لتعلم انها تُذَكِرَني بِنَادْيَة، وما كتبته عن نَادْيَة، واعلم ان وفاتها صدمتني صدمة شديدة. فبعد محادثة هاتفية ودعتها بها وانا في طريقي للمطار مغادرا الخرطوم يوم الاثنين 18 نوفمبر 2013، وصَلْت الامارات وهبَطَت الطائرة في مطار دبي. خَرَجْت منه وتَوَجَهت لمدينة العين. في وقت متأخر من مساء نفس اليوم دخلت على النت لأتزود بالأخبار. قرأت الخبر. خبر وفاتها. لَفْنِي حزن عميييييق.. لم اصدق، فقد كان فقدها عظيماً وفراقها مؤلماً. تقبلها الله قبولاً حسنا والهم ابنتها ايمان واهلها الصبر والسلوان.