طبيب سوداني يفعل المستحيل في قرية رومانية:
كيف تعالج المرضى بمالك الخاص في نظام صحي مريض!
في عددها الصادر يوم الاثنين 7 يوليو الجاري نشرت الصحيفة الرومانية اليومية واسعة الانتشار (أديفارول) بالقلم والصورة، تحقيقا صحافيا على صفحة كاملة، جاء فيه: هشام تاج الدين، 44 سنة، طبيب سوداني استطاع في عام 2008 بمجهوده الخاص أن يرمم ويعيد تأهيل مركز صحي دائم بقرية "فراتسيا" في محافظة "دولج" في إقليم "أولتينيا" جنوب رومانيا. وفي 2011 نجح في الحصول من مجلس بلدي "بوزيشت" الذي تتبع له القرية، على سيارة إسعاف غير أنه اكتشف أن نقالة المرضى التي في المركز لا تدخل فيها.
ويقول هشام: كثيرا ما ننطلق لحالة مستعجلة بسيارة الإسعاف الصغيرة ويأتي خلفنا أحد المواطنين بسيارة كبيرة أخرى حاملا النقالة، وكل ما نفعله عندما نصل المريض نعمل على استقرار حالته بما لدينا من معينات في الإسعاف وننتظر في الطريق قدوم إسعاف آخر من مدينة كرايوفا لاستلام الحالة. ويحكي سكان القرية ما أكده للصحيفة الدكتور تاج الدين، أنه في عام 2009 ولتأهيل المركز بالمعدات الطبية المطلوبة، حصل الطبيب السوداني على قرض مصرفي باسمه الشخصي بلغت قيمته 65 ألف رون روماني، (أكثر من 14500 يورو)، انتهى من تسديده كاملا الشهر الماضي.
ووفقا للصحيفة، يقوم الطبيب السوداني سنويا بعلاج حوالي 8 آلاف مريض مع زميل انضم إليه قبل سنة، وهو أيضا مواطن سوري الأصل، وزميلته الرومانية لاريسا دويكا طبيبة الامتياز التي وصلت المركز قبل ثلاثة أشهر.
د. هشام تاج الدين الذي وصل رومانيا عام 1988 بمنحة لدراسة الطب في مدينة كرايوفا، أكد للصحفية أندرييا ميتراكي التي أجرت التحقيق، أنه حاول بكل السبل الحصول على عربة إسعاف لائقة بالعمل في الحالات الطارئة، وأضاف أنه يأمل أن ينجح في مسعاه، مشيرا إلى أنه اتصل بالدكتور رائد عرفات وزير الدولة بالداخلية المسؤول عن حالات الطوارئ، لمساعدته. ويذكر أن د. عرفات نفسه فلسطيني الأصل درس الطب برومانيا في الثمانينات من الألفية السابقة وأسس نظاما متطورا لخدمة الطوارئ ضمته الدولة الرومانية لاحقا لوزارتي الصحة والداخلية وجعلته مسؤولا عنه في منصب وزير دولة وقد رفض أكثر من مرة تولي حقيبة الصحة.
وليس بعيدا عن الذاكرة أن الحكومة الرومانية السابقة استقالت عام 2012 بعد أن حاصرتها احتجاجات شعبية عارمة رافضة إقالة عرفات عندما اختلف مع الرئيس الروماني ووزير الصحة حول قانون الرعاية الصحية، بل وبعد 3 أشهر فقط سقطت حكومة حزب الرئيس برلمانيا وصعدت المعارضة للسلطة التنفيذية. ويتمتع الطبيب الفلسطيني الأصل بأعلى ثقة يمنحها المواطنون للمسؤولين في رومانيا.
من ناحيته أكد د. عرفات للصحفية أنه لم يستلم طلب زميله د. هشام مشيرا إلى أن إدارته لا تمنح سيارات إسعاف لمراكز صحية، وحول السيارة غير اللائقة التي لا تدخل فيها نقالة المرضى قال عرفات: "ربما يكون قد حصل على سيارة يتحرك بها لمراجعة المرضى الذين لا يستطيعون الوصول للمركز".
وأوضح تاج الدين أن المواطنين في القرية يهبون لمساعدته كلما طلب منهم، ويقول المواطن باديا الكساندرو للصحفية: "في مرة ما سرنا على أرجلنا حاملين جريحا بالنقالة لمسافة 7 كيلومترات من داخل الحقول الزراعية أصابه حيوان إصابة بالغة وقد نجحنا في إنقاذه". ويكشف القرويون المزيد من التفاصيل ويؤكدون أن الإسعاف الصغير وصل خلال الشهر الجاري إلى ثلاث حالات كانت تتطلب أن يبقى المريض على النقالة بدون حركة لحين الوصول لمستشفى مدينة كرايوفا التي تبعد 45 دقيقة بالإسعاف. وطلب الأطباء الثلاثة أن يمنح المركز إسعافا كبيرا مناسبا حتى وإن كان (ملجنا) وغير صالح للعمل، وقال الطبيب عبد الله القهباش السوري الأصل للصحفية، "سنقوم نحن الأطباء ومن مالنا بإعادة تأهيله ليعمل فالمرضى يحتاجونه بشدة". ويقول الناس في القرية التي وصفتها الصحيفة بأنها منسية في هذا العالم المترابط، "حتى عام 2008 كان الأطباء يهربون من المركز الصحي"، وبرأيهم أن الطبيب السوداني فعل كل الجهد المطلوب منه وأكثر لمساعدتهم فالمركز الصحي كان قبله مهجورا ومدمرا، وأكدوا أن الأطباء الثلاثة يدفعون من مالهم الخاص لترميم المركز ودهنه من الداخل والخارج. وقالت كارمن ميهايسكو إحدى المواطنات في القرية: "إنه لعمل كبير وعظيم في يومنا هذا أن تخرج مالا من جيبك وتصرفه على آخرين في علاجهم".

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.