ماذا حدث في الخرطوم في الثلاثين من يونيو 1989؟

•    فرح كثيرون لذهاب الصادق المهدي من الحكم وحزن مثلهم على ضياع الديمقراطية

•    الانقلابات تأتي دائما بعد (حمل) كاذب و(حلم) فاجر بكل السلطة!

•    عندما تكشف سلطة الإنقاذ عن نفسها وتنزع ثيابها قطعة بعد أخرى.. سيصيح أصغر الأطفال عمراً: انظروا.. سلطتنا العارية!

د. عصام محجوب الماحي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
ماذا حدث في الخرطوم في الثلاثين من يونيو 1989؟
... المحصلة تقول: ان انقلابا عسكريا استولى على السلطة في البلاد، وذبحت له ديمقراطية ذات تعددية سياسية (قربانا)، ليسمى المولود في نفس اليوم "ثورة الإنقاذ الوطني".
ولأن القصة لها أكثر من بداية، بل انها أكثر من حكاية داخل القصة التي تحكي أحداث السودان في الفترة الأخيرة إلى أن استولى على السلطة فجر الجمعة 30 يونيو 89 العميد أركان حرب عمر حسن أحمد البشير والذي صعَّد نفسه صباح اليوم التالي من رتبة عميد إلى فريق مباشرة، معلنا انه سيكون رئيساً لمجلس الثورة.. وبالتالي رئيساً للجمهورية ورئيساً للوزراء ووزير للدفاع وبالطبع قائداً عاماً وأعلى للقوات المسلحة السودانية. أما في اليوم الثالث، قال في معرض حديثه عن العلاقة بين مجلس قيادة الثورة العسكري ومجلس الوزراء المدني الذي كان يتشاور حول تشكيله، قال: إن نائبه، أي نائب رئيس مجلس قيادة الثورة، سيكون نائبه، أي نائب رئيس مجلس الوزراء. وصار بالفعل ما قال.
ولأنها أكثر من قصة داخل القصة الكبرى، فإن نهاية كل قصة تتداخل مع بداية أخرى.. ونهاية الأخرى قد لا نجد لها بداية، وهكذا؛ لأن الحياة السياسة على وجه التحديد في السودان، كانت ولا زالت عبارة عن مسرح عريض اختلطت وتختلط فيه كل أشكال المعرفة الإنسانية المسرحية. مسرح جاد وهزلي.. درامي وكوميدي، وعبثي أيضاً. مسرح كل شخوصه أبطال.. وأبطاله (كومبارس). متفرجيه حاضرون أحياناً، مغيَّبون حيناً، يائسون تارة أخرى.. وفي حالة ثالثة فريدة ومتفردة غير مبالين. وهي حالة اختص بها الشعب السوداني، ولم تجد حالة اللامبالاة معنىً حقيقياً وتصويراً واقعياً في التاريخ المعاصر، إلاَّ في السودان وفي الفترة الأخيرة.
كيف استقبل السودانيون انقلاب 30 يونيو 89؟
... تخيلوا معناً، (تعابير) مواطن سوداني صباح الجمعة 30 يونيو 89. وهي تعابير تُرسم على الوجه نتيجة لتأثير أكثر من عامل. بعضها قد لا يكون للإنسان السوداني يد فيها أو قرار عليها. فهنالك غبار عالق في الجو باستمرار، ودرجة حرارة مرتفعة بشكل عام، تنخفض أو ترتفع درجة أو درجتين تبعا لتغيرات مناخية موسمية أو دائمة. إلاّ أن المواطن السوداني، أصبح قادراً على التأقلم مع الرياح (الترابية) الشديدة التي تهب بعد حر قائظ وجو خانق، وذلك لأن ما بعدها سيأتي نسيم عليل أو بارد نوعاً ما! كما وإنه مستعد أن يخرج منشرحاً أثناء وبعد (كتاحة) ترابية عنيفة، محتفلا بأعياد "شم النسيم". هذه المؤثرات، خارجية وطبيعية وغير متحكم فيها.. تضع بصماتها على (تعابير) الأوجه السودانية ذات السحنة المعروفة.
غير أن هنالك بعض المؤثرات على نفس الأوجه، وهي أشياء مادية، لا يمكن للإنسان أن يتحكم فيها ويضبط إيقاعات حياته عليها. فعلى الأوجه السودانية ترتسم تعابير مواطن يعاني ليحصل على مقعد في بصٍ أو حافلة أو عربة أجرة أو أي راكبة تقله لا لفسحة أو ترويحة وإنما لمكان عمله، حيث لا عمل!! وعلى وجه نفس المواطن، تتضح تماماً تعابير المعاناة للحصول على رغيف الخبز وعلى الطاقة.. فحماً كان، غازا كان أو حتى كهرباء ليطهى عليها قطعة لحم، إذا تحصل عليها وبسعر خرافي؛ أو ربطة خضار، يساوم عليها (الخضرجي) إلى أن يقول له الأخير: إنت "عارف الدولار الليلة بي كم"؟ بمعنى أن (ربطة) الجرجير، (كوم) الطماطم، (حزمة) الملوخية أو عدد محدود من (أصابع) البامية تعتمد أسعارها على سعر الدولار.. ارتفاعاً وليس انخفاضاً! وسعره أين؟ في "فرندات" الأسواق، حيث الصرافات هي جيوب سماسرة السوق السوداء للعملات الأجنبية والذين هم جميعاً صبية للمعلم الكبير. أما من هو المعلم الكبير.. فهذه قصة أخرى!
على نفس وجه نفس المواطن (ترتسم) تعابير معاناة الحصول على الماء عذباً كان أو غير ذلك، صالحاً للشرب أو ملوثاً.. لانعدام "الكلور" الذي ينقي المياه. ومعاناة أخرى هي الحصول على الكهرباء التي صارت ضمن "الرفاهيات" التي لا يتحصل عليها إلا الأثرياء، والأثرياء جدا الذين أصبحوا يوفرون لأنفسهم كل شيء.. بدءاً بالأمن، حيث الحرس الخاص وشركات الأمن الخاصة، وانتهاء بالكهرباء حيث المولدات الكهربائية التي تتعالي أصوات محركاتها يوماً بعد يوم.
كل ذلك العدم والانعدام، للخبز. الخضار. اللحوم. المياه والكهرباء، في بلد مساحته مليون ميل مربع وفوق أرضه يجري النيلين الأزرق والأبيض، هذا غير الأنهر والخيران والروافد الكثيرة التي تغذيهما وتغذي النيل العظيم فيما بعد. في بلد من المفترض أن يكون، لا أن يصبح، سلة لغذاء العالم.. فصار سلة لِجَمْعِ فتات العالم من إغاثة وإعانة؛ بدأت بالصلصة والساردين والبسكويت، وأصبح من ضمنها القمح والذرة وتخللتها الراجمات والدبابات والصواريخ والعربات العسكرية المسلحة والذخيرة لإدارة حرب أهلية بين أبناء وطن واحد في الجنوب!  
لعلكم تلاحظون أن أكثر من قصة وحكاية ورواية تداخلت فقط عند محاولة (تصوير) وجه مواطن سوداني فجر الثلاثين من يونيو 1989، وتصويرها بالقلم والكلمة لا غير. وجه كالذي تحدثنا عنه، كيف كانت تعابيره صبيحة الجمعة الحزينة من يونيو 89؟
فرح وحزن معاً.. ثم انتظار وترقب!
... لقد خرج إلى الشوارع والطرقات كل الناس. من العمارات و(الفيلل) الفارهة، خرجوا.. ومن الأكواخ التي تجاورها في أغنى وأجمل أحياء العاصمة، خرجوا أيضاً! (فالفيلا) ذات الطابقين أو الثلاثة طوابق التي صممت على أحدث المواصفات المعمارية، جمالاً وإتقانا.. تأثيثاً وتزويقاً، بعضها تعمل أبوابها وستائرها (بالريموت كنترول) ويتوفر فيها كل شيء.. يفيض في داخلها كل شيء، من الخبز حتى المركبة. تجاورها أو يفصل بينها وبين أخرى مشابهة لها أو أجمل منها، كوخ ليس من الخشب أو الصفيح كالتي يسكن فيها بعض الغجر في أوروبا على أطراف المدن، وإنما من الخيش والكرتون، ويسكن فيها سودانيون منبتا وجذورا.. أصلا وفصلا.. عرقا ودما.. لغة وديناً أيضاً. يعيشون فيها حياة تحت مستوى البشر في أي مكان آخر في العالم، وقليلاً قليلاً فوق مستوى الحيوان الشريد الطليق وليس ذلك الأليف الذي ترعاه بعض الأسر الثرية والميسورة. خرجوا جميعاً إلى الشوارع، كما خرج أولئك الذين لا زال لديهم بعض من المقدرة على مواجهة أعباء الحياة؛ يعيشون يومهم بيومهم، يصرفون كل ما يكسبون ويكسبون أقل مما يحتاجون؛ فمعدل تدهور حياتهم يسير بسرعة جنونية، وبصاروخية ينطلق معدل معاناتهم إلى عنان السماء. اليوم بالنسبة لهم أسوأ من الأمس، والغد شيء مجهول لا يعلمون كيف يواجهونه! خرجوا إلى الشوارع ليقفوا أمام أبواب منازلهم ويسألون بعضهم البعض. خرجوا، لا ليعلنوا رفضهم الانقلاب العسكري وأيضاً لا ليعلنوا تأييدهم له! خرجوا، لأنهم جميعاً في حيرة من أمرهم. ما الذي حدث؟ كيف حدث؟ مَنْ الذي انقلب على مَنْ؟ ولماذا الانقلاب؟ ومن هم الانقلابيون ومن هم (الذين) وراءهم؟ ولم يخطر على بال أحد أن يقاوم برغم مواثيق المقاومة التي أعدت ومهرت سلفاً.. كما لم يخطر على بال أحد أن يؤيد.
معادلة طرفيها المهدي والديمقراطية
... ارتسمت على الأوجه أكثر من حالة. كل وجه تنظر إليه يشعرك بأنه حالة سودانية خاصة في زمن سوداني تختلط فيه كل الأشياء. الحديث عن السلام يتم بلغة الحرب.. والحديث عن الحرب يتم فيه بلغة السلام! ترى الشعب جائعاً هائماً على وجهه، زاحفاً على أرجله من أبعد المسافات إلى قلب العاصمة وعائداً إلى نفس المكان راجلاً أيضاً، بينما السيارات الفارهة في منافسة متواضعة بين "الكريسيدا" اليابانية و"المرسيدس" الألمانية، تنفث عوادمها بقايا إحتراق البترول الذي تكلف فاتورة استيراده أكثر من ثلث مجموع صادرات السودان، بينما البترول السوداني قابع تحت الأرض، جاهز للاستخراج للاستهلاك المحلي والتصدير، ولا أحد يلمسه أو يشم رائحته لأن الحرب في الجنوب مستمرة.. ولا أحد يحتج!
على وجه ما، ترى تعبير يشعرك بأن صاحبه حزين، ولكنك تلحظ أيضاً أنه يتكلم مع الآخرين بفرح طاغ. هل هو حزين لضياع الديمقراطية؟ فليكن هذا هو استنتاجنا فالأمر سيان، ولا ضرر من هذا الاستنتاج. فلماذا الفرح؟ عندما تسأل، تجد أكثر من إجابة تلتقي كلها عند نقطة واحدة: لقد ذهب الصادق المهدي.. وهذا الأمر وحده يفضي إلى السرور والفرح!
لنفكر لحظة في هذه الحالة السودانية الخاصة. أن يُضع على كفتي ميزان أمران غير متشابهين، لا في الخصائص ولا في السمات ولا في المكونات، ويقال لنا أوزنوهما.. أو عايروهما.. أو نُسأل: أيهما يرجح كفة الآخر؟ في كف نضع (الديمقراطية)، وفي الأخرى (صادق المهدي). أن يعادل فرد، شكل من أشكال الحكم.. أن يصبح ذهاب فرد من على كرسي الحكم في وضع ديمقراطي تعددي، معادلاً تماماً ومساويا في المقدار وفي الاتجاه لضياع تجربة إنسانية عميقة ذات جذور، خاصة في السودان، لتحل محلها تجربة جُربت فما أعطت إلا الخراب والدمار، وما كان مردودها إلاَّ الانقضاض عليها لاستعادة الديمقراطية! قطعاً هنالك خطأ ما في هذه المعادلة. وتلك قصة أخرى.
متى يصيح أصغر الأطفال عمراً: انظروا.. سلطتنا العارية!
... تخيلوا وجها، بالإضافة إلى كل التعابير التي (رسمناها) عليه، يضاف إليه تعبير خليط بين الفرح والحزن في نفس الوقت. هذا هو باختصار غير مخل، وجه الإنسان السوداني صبيحة يوم الجمعة 30 يونيو 89. وجه، عند قراءته بتمهل، لا تجد وصفاً تصف به حامله بغير إنه لا يبالي.. ولا يتفاعل مع ما حدث. بيد اننا نلمح وبفراسة شديدة، إذا ما دققنا النظر من (زاوية) ما.. في (ركن) ما، ملامح حالة جديدة، هي حالة الانتظار والترقب. أي أن نفس الإنسان الذي نعتقد أنه لا يبالي ولا ينفعل، ينتظر الأحداث أن تكشف عن نفسها. ولأن كل شيء في السودان، في اللحظة الصادقة والصحيحة، تجده عند المواطن البسيط في الشارع العام، فقد قرر الجميع في نفس اللحظة، أن ينتظروا. وتبادلوا تلك "الشفرة" السرية التي لا تستطيع رصدها أقوى أجهزة المخابرات والمعلومات العالمية. وصدر القرار الشعبي العام دون اجتماع وبدون (منشور): أن ينتظروا.. وأن لا يقاوموا هذا الانقلاب، وفي نفس الوقت أن لا يمنحونه تأييداً رخيصاً.
وكانت تلك الحكمة البالغة، حكمة سودانية (بحتة) ودرس سوداني جديد يضاف إلى الدروس السابقة. صحيح أن الشعب السوداني يعطي دروسه، كأي مدرس يحفظ عن ظهر قلب المادة التي يقوم بتدريسها.. ولكنه لم يَنَم من وفي مقدراته لاستيعاب الجديد والمزيد مما قد يثري المادة ولم يطورها بمزيد من الإطلاع. أما الآن، فقد جاءت للشعب السوداني، جاءته الفرصة والسانحة لينمي من وفي مقدراته، فاتخذ قراره: أن يفرح.. أن يحزن، ولكن في نفس الوقت أن ينتظر! من الذي اتخذ القرار؟ من الذي سربه؟ من الذي أذاعه ونشره ليلتزم به الجميع؟ لا أحد يعلم.. ولكنه الشعب المعلم!
أما فترة الانتظار.. طولها، قصرها أو أبعادها، فهي قد تختلف. البعض قد (يَمِلّ) صيغة الانتظار، ويذهب إلى السلطة في عقر دارها ليعاقرها، فتمتص رحيقه.. وتتركه فيما بعد عظم دون لحم. والبعض قد يعتقد ان الانتظار حالة سلبية، فيحمل (معوله) ليهدم السلطة على رؤوس ساكنيها، وربما تنفرد به السلطة.. وتصرعه قبل أن يصرعها. أما العاقلون وهم كثر، حتماً سيتركون السلطة تكشف عن نفسها رويداً رويداً، وتنزع عنها ثيابها التي تتخفى فيها قطعة بعد أخرى.. وربما تتبقى لها ورقة (توت) أخيرة تستر أخر ما يمكن أن تكشف عنه.. وفي تلك اللحظة، قد يصيح أصغر الأطفال عمراً: أنظروا سلطتنا العارية! وعندها، عندها فقط.. تسقط السلطة الانقلابية مضرجة بعارها وعريها ويسقط معها من هم وراءها تخطيطاً وتنفيذاً.. وتمويها أيضاً.
إن المسألة قطعاً ليست مسألة يوم أو أيام.. شهر أو أشهر، عام يزيد أو يقل. فالشعب لم يكن راضياً عن أداء مؤسسات النظام الديمقراطي السابق ولا عن أداء الذين تولوا أمر الحكم. كما أن عدم رضاءه عن الانقلاب على الديمقراطية، نابع من كون الديمقراطية هي النظام الأوحد الذي يمكن أن يكشف عن أخطائه من داخله، بالإضافة إلى توفر الفرص لتصحيح تلك الأخطاء. وهذا مكسب كبير لا يمكن التفريط فيه، ولا يتوفر في أي شكل أخر من أشكال الحكم.
غير ان فطنة الشعب السوداني (مَكَّنَته) من ملاحظة تزامن سرقة السلطة أو الانقلاب على الديمقراطية مع تباشير حل الكثير من المشاكل المستعصية: إحلال السلام وفق مبادرة السلام السودانية؛ إنقاذ الاقتصاد الوطني من التردي والانهيار والتدهور بوقف الحرب ووقف الصرف عليها وبالتالي الدخول في عصر التنمية الحقيقية واستخراج البترول. وفوق كل ذلك، التيار العالمي الجارف نحو الديمقراطية والتعددية السياسية؛ هذا غير إرهاصات التغيير التي هلَّت بشائرها بنهوض القوى الوطنية واقتراب موعد الاحتكام للشعب في انتخابات حرة عامة.
وكل تلك المعطيات تشير إلى أن قرار الانتظار وعدم مواجهة السلطة الانقلابية وعدم تأييدها في نفس الوقت، هو القرار الصائب. كيف؟ ثلاثة أسباب رئيسية، يتفرع منها ويصب فيها آخران يمكن أن تكشف الإجابة التي حَيَّرت الآخرين ولم تحيِّر السودانيين، وإن لم يفصحوا.
إن ذهاب المؤسسات الديمقراطية السابقة في شكل أعضائها وزعاماتها يعني أنها (أوراق) احترقت تماماً.. أو بصحيح العبارة، يؤكد عدم الدفاع عنهم أنهم أحرقوا أنفسهم بأنفسهم.. شعبياً وسياسياً. أي دور مستقبلي لن يكون لصالح نفس الاتجاه أو الخط السياسي السابق. سيشهد المستقبل نهوض قيادات (لتشغل) المساحة المتاحة للحركة السياسية، وانزواء قيادات بعيداً عن المسرح السياسي.. وهذه واحدة من جملة أسباب. كما ان بقاء واستمرار السلطة الانقلابية، سوف يضع برنامج (الذين) من خلفها، أمام الاختبار العملي.. خاصة وأن (كل) السلطة صارت في (أياديهم) واستخراج القرار صار سهلاً وبالتالي في حالة سقوط البرنامج المعني سينفتح الباب واسعاً أمام القوى السياسية التي أدارته لتخرج بدورها من المسرح السياسي نهائياً.. وهذا وحده، كجملة أسباب ثانية، مكسب لا يضاهى. ثالثاً، وهو أهم الأسباب بتفريعاتها: إن الحلقة الشيطانية التي سعى البعض لتكريسها وقراءة التاريخ والحاضر والمستقبل من خلالها.. حلقة حكم الأحزاب الذي يعقبه حكم المؤسسة العسكرية.. فالأحزاب، ثم تعود المؤسسة العسكرية للحكم ثانياً وثالثاً وهكذا دواليك، تلك الحلقة الشريرة التي أُقحمت فيها المؤسسة العسكرية قسراً دون إرادتها، ودون قرارها وبدون اشتراكها الفعلي، صار من المحتمل إن لم يكن من المؤكد، إعادة تقييمها لتُفْهم الفهم الصحيح.. ولتُقْرأ القراءة الواقعية.
الانقلابات تأتي بعد (حمل) كاذب و(حلم) فاجر بكل السلطة!
... إن المؤسسة العسكرية القومية لم تقم بانقلاب عسكري حتى الآن، وعليه إن التفسير الأوحد لمغامرات نوفمبر 57 ومايو 69 وأخيراً يونيو 89، هو ان قوى سياسية بعينها (امتطت) القوات المسلحة لتصل للسلطة وتفرض برنامجها المتطرف، وبالتالي (تَطْبع) المؤسسة العسكرية بطابِع لا يشبهها، وتلبسها (لباساً) غير لباسها.
إن الفهم الصحيح للانقلابات العسكرية التي استلمت السلطة وحكمت البلاد في نوفمبر، مايو وأخيراً في يونيو، يوضح أن هنالك قوى سياسية كانت خلف كل مؤامرة من تلك المغامرات. فإذا نَحَيْنا جانباً حركة نوفمبر.. لاعتبار أن الحكم تم تسليمه وتسلمه بدعوة صريحة من الأداة السياسية التنفيذية في البلاد.. ولاعتبار أن الحكم كان حكماً عسكرياً صرفاً ولم يجنح كثيراً ولم يكشف وجهاً سياسياً.. ولاعتبار ان محاولات تغييره كانت تتم من داخل المؤسسة العسكرية نفسها لإبعادها عن المركز السياسي وحصر دورها في مهامها المعروفة؛ نجد أن (درس) إسقاط النظام بثورة شعبية، تم فهمه فهماً صحيحاً عندما استجابت قيادة المؤسسة العسكرية الحاكمة لإرادة التغيير وذهبت لثكناتها كما طالبها الشعب في صوت واحد. أما مايو 69 ويونيو 89، لم يكونا انقلابين عسكريين قامت بهما المؤسسة العسكرية. الواضح والثابت أن اليسار المتطرف في مايو، أراد فرض برنامجه على الشعب السوداني باستغلال المؤسسة العسكرية. فقد حرك الشيوعيين، واليسار عموماً، عناصرهم (المُنْدَسَّة) في المؤسسة العسكرية لفرض إرادة غير إرادة الشعب باسم قوات الشعب. وقد تم وضع برنامج اليسار بكل تفصيلاته وتفعيلاته في الاختبار. وكانت النتيجة ان اليسار عندما عادت الديمقراطية، عاد له وزنه الحقيقي بدلاً من حالة (الانتفاخ) التي كان يَوهِم بها نفسه كالحمل الكاذب قبل مايو 69. وتتكرر نفس المأساة والملهاة عندما (نبتت) لليمين المتطرف، متمثل في مسمياته الكثيرة انتهاء بما سمي بالجبهة الإسلامية القومية، نبتت له عضلات في غير مكانها الصحيح.. ويتسارع نبضها، وتصاب هي الأخرى بحالة حمل كاذب يعززه حلم فاجر بكل السلطة.. فتُحَرِك (الدمى) المندسة أيضاً في (جسم) القوات المسلحة لاستلام السلطة، فكان لها ما أرادت. وها هي أمام كل السلطة التي بيدها، وبيدها الأخرى البرنامج الذي ملأت به الدنيا ضجيجاً وصخباً قبل يونيو 89.
... والتاريخ هنا، لا يكرر نفسه، إلا للذين لا يعتبرون.. فتكون الملهاة العظمى أو المأساة الكبرى.. خير شاهد على حالة اليمين المتطرف في الغد القريب.
***
تلك قراءة تحليلية كتبت يوم الجمعة 7 يوليو 1989، أنهي بها سلسلة حلقات رواية أحداث ومشاهد "...الخرطوم قبل وبعد 30 يونيو 1989" كما عشتها وشاركت فيها، والتي أوردت فيها بعض المشاهد التي تضمها رواية سياسية أشمل وأعمق، أرجح ان يكون عنوانها: "حوارات في رواية.. مع الترابي وآخرين"؛ أتمنى أن أبدأ نشرها قريبا في محاولة للإجابة على سؤال لم يلتفت إليه البعض: على من انقلب الترابي حقيقة، على المهدي الذي كان رئيسا للوزراء ام على الميرغني؟ وهل المهدي وافق على ذلك حتى وان لم يعلن او يفصح؟ وتذهب الرواية إلى أمر هام ثاني: متى أخذ علي عثمان (السلطة) من الترابي وكيف؟ وهل إعادة قراءة السفر الممنوع "دائرة الضوء وخيوط الظلام: تأملات في العشرية الأولى لنظام الإنقاذ" الذي خطه المحبوب عبد السلام، كافية لوحدها لمعرفة الحقيقة؟
لا شك انك بدأت تسألني: أين ومتى وكيف كانت تلك الحوارات؟ ولأضعك في الصورة، أقول: أربعة حوارات أجريتها مع الدكتور الشيخ حسن عبد الله الترابي، لم تر النور مطلقا، باتفاق الطرفين. الحوار الأول جرت وقائعه في الحقبة الديمقراطية الثالثة أثناء حكومة الوفاق الوطني التي ضمت الجبهة الإسلامية القومية بجانب ائتلاف حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي، على خلفية حوار أجريته مع نائبه حينها في الجبهة، الأستاذ على عثمان محمد طه؛ _ اقتبستهما لسلسلة "...الخرطوم قبل وبعد 30 يونيو 1989". والثاني، في المدينة الساحرة جنيف بسويسرا، مباشرة بعد خروج شيخ حسن من مسرحية سجنه بإرادته مع انقلاب 30 يونيو 89. وبعد عشرة أعوام تقريبا من الانقلاب، ومع إقالة دكتور الترابي من رئاسة المجلس الوطني قبيل المفاصلة، كان الحوار الثالث. غير ان الرابع والذي جرى على مرحلتين خلال شهر يناير 2009 كان حوارا متميزا، على الأقل بالنسبة لي، في انتظار ان يكون له ما بعده، فجزء منه كان حول السفر الذي وضعه الأستاذ المحبوب عبد السلام.
ولان تلك الحوارات كان فيها الخاص جدا من الشأن العام، أجد نفسي ملتزما بعدم التطرق إليه لان للمجالس أمانات كما يقال. ولان فيها الخاص، حافي حالق، المرتبط بالشأن العام، فان نشره وكشفه يفيد ولا يضر، يساعد ولا يعَقِد فَهم بعض الإحداث والتطورات، والاهم انه يقيم الحجة تارة للترابي وتارة أخرى عليه. وأخيرا لا بد من القول، ان الحوارات كان فيها، بل ركزت على، العام من الشأن الواسع العريض للوطن السودان الذي كان يتسع للجميع قبل ان يضيق.. ونشر تلك الحوارات كاملة اليوم، سيكون تطويلا يضيف للشرح شرح، بعد إزاحة الستار عن الكثير المثير بين غلافي ذاك الكتاب، فضلا عن أنني لست في مقام الصديق المحبوب لأسرب في ثنايا الرواية خلفية للأفكار التي تأسست عليها بعض مواقف الترابي، ولم تتوفر لي وضعية مماثلة لصاحب "دائرة الضوء وخيوط الظلام" لأضيف جديدا مستندا على خزينة أسرار، فأصبحتْ بالتالي (غربلة) الحوارات أمر ضروري. أأمل ان أوفق فيها وان لا يشوب الغربلة ابتسار عن قصد أو سهو، مع الاعتذار للدكتور الشيخ حسن عبد الله الترابي "مرة ثانية"، إذا لم يحالفني التوفيق في تقييمي للمُهِم والاهم، أو إذا أبرزت غير ما يريد وسأكشف في صلب الرواية متى وكيف كان اعتذاري له في "المرة الأولى". وأطلب أكثر من ذلك، ان لا يظن فِيَّ الظنون، لا هو ولا غيره، كل من موقعه، ان قدمت أو أضفت دلائل تفصل في صراعاته مع تلاميذ وحواريي الأمس أعداء اليوم الألداء من جهة، ومع منافسيه الثابتين من مجايليه من جهة أخرى.
تبقى القول: في الحلقات المتتابعة التي ستتناول تلك الحوارات وغيرها من مسائل مرتبطة بقضايا، منها ما هو لا زال مواكبا محلك سر، لن استعرض الحوارات بدءا من الأول فالثاني وهكذا، وسأبدأ وأذهب مباشرة للثاني، ليتداخل معه حديث يتطلب العودة للأول، يقطعه حوار مع آخرين، لأعود أدراجي للثاني ثم أتقدم للثالث فالرابع وهكذا دواليك. والأمر يتوقف على سياق القصة، ولذلك اخترت كتابتها في شكل مشاهد متسلسلة يتخللها استرجاع (فلاش باك) للربط وتفسير التقاطعات التي تحدث، لتسليط الضوء على القضايا أو وضعها تحت المجهر، الأمر الذي يفرض أحيانا استحضار أحداث وأحاديث لآخرين، ويحتم التطرق لحوارات أخرى، أهمها الذي أجريته في الخرطوم في منتصف يناير 1989 مع الأستاذ على عثمان محمد طه، ولقاء آخر معه في بوخارست عام 1996، وسيقتحم السرد ثلاثة مناظر في مشهد واحد (تريبليكس) الخرطوم_عمان_بوخارست، جرت أحداثه في الربع الأول من عام 1994، اشترك فيها من عمان خالد مهدي حسين، زوج شقيقتي الكبرى، وصديقه الأستاذ يسن عمر الإمام، ومن الخرطوم الوالد محجوب الماحي والشيخ حسن الترابي ومن بوخارست سفير السودان في رومانيا حينها. ولتكتمل الصورة، التي بدون دارفور والأزمة في دارفور ستكون قراءتها ناقصة ومبتورة، سأستعرض ما كتبته ليلة توزيع "الكتاب الأسود" 25 ابريل 2000، إدانة لعدم الاعتراف بأبوته وإشادة بمحتواه ونقد لتوقيت صدوره، وحوار مختصر حوله مع الأستاذ علي عثمان في منزله بالرياض وأخر في منزله بكافوري على شاطئ النيل الأزرق في حضور الوالد محجوب الماحي وشقيقي الأكبر النور محجوب، عندما ذهبت لوداعه في ابريل 2002، فقلت له حينها: تنتظرك أزمة في دارفور، قضية الجنوب بالنسبة لها مجرد سياحة، فستقودكم مثل (ميلوسوفيتش الصربي) إلى لاهاي؛ مقروءا معهما ملخص لقاء مع الدكتور عوض الجاز جرى ببوخارست في فبراير 2004، حيث حملته ذات الرسالة السابقة للأستاذ علي عثمان في حضور الجالية السودانية برومانيا والحديث جرى تسجيله في فيديو بمقر إقامة السفير السوداني ببوخارست؛ وكل ذلك على خلفية تقرير صحفي كتبته يوم 29 نوفمبر 1988 تحت عنوان "دارفور: وطن لا يؤكل من أطرافه فحسب بل ينهش من أحشائه!!". ولمزيد من التوضيح، ستكون حاضرة بعض المعلومات لفائدة التحليل السياسي استخلصتها من حوارات ولقاءات متعددة مع الإمام السيد الصادق المهدي، في الملازمين وطرابلس الغرب بليبيا، ومع الشريف زين العابدين الهندي وحوار وحديث هاتفي مع الأستاذ محمد إبراهيم نقد حول أيام كوبر بصحبة الترابي والمهدي والميرغني، وحوارات عديدة مع سيد أحمد الحسين ومواقف اتخذها كنت شاهدا عليها؛ وأخيرا وليس أخرا، أحاديث مع الدكتور غازي صلاح الدين العتباني في الفترة 2000_ 2002، دفعتني عندما كان الكل تقريبا يبشر ويهز ويَعرِض بورقة "المبادرة الليبية المصرية المشتركة"، لأكتب مخالفا لكل ذلك، يوم 22 نوفمبر 2001: "الإيقاد قادمة على صهوة جواد أمريكي لوقف الحرب في السودان"، وكانت حينها "ميشاكوش ونيفاشا" في رحم الغيب. ولا مفر من ان تدخل في بعض المشاهد (إسقاطات) لمقاطع وفقرات من رؤى تحليلية كتبتها ونُشرت في نفس تلك الفترة.
دعوني أعترف بشفافية كاملة: ان التنويه بتلك المقدمة لرواية "حوارات في رواية.. مع الترابي وآخرين" القصد منه التَشْوِيق، وتستطيع أيضا إزالة النقاط الثلاثة من "الشين"، لمزيد من الشفافية.