الخرطوم قبل وبعد 30 يونيو 1989: (الحلقة الثانية عشر). بقلم: د.عصام محجوب الماحي

مع عَرَّابِ "الإنقاذ" الحقيقي في حوار خارج التسجيل _يناير 89_

•       طلبنا من المهدي التعاون معنا لمدة عشرة سنوات ليرى التغيير الذي نحدثه في البلاد

•       رصدنا وجود ضباط في الجيش أكثر تشددا منا في تطبيق الشريعة الإسلامية

•       طه: لم نََحْمِل النميري لإعلان الشريعة.. سَبَقَنا فحاصرناه بها

•       نميري أراد ان ينسب كل شيء لنفسه.. قُلنا، دعوه ينافسنا في الشريعة


بقلم: د.عصام محجوب الماحي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
أواصل في هذه الحلقة، استعراض الجزء الثاني من حوار خارج التسجيل أجريته منتصف يناير 1989 مع الأستاذ علي عثمان محمد طه، في شكل واسلوب روائي غير الذي اعتاد عليه القارئ في الحلقات السابقة وبالأخص العاشرة التي ورد فيها الحوار المسجل ونشرته مجلة (الأشقاء) يوم 24 يناير 1989. والسبب في ذلك انني لم أكتبه ضمن سلسلة "... الخرطوم قبل وبعد 30 يونيو 1989" وانما اقتبسته بأخذه أخذا من رواية سياسية كتبتها ولم أحسم أمر عنوانها حتى الان، تَحكي عن "حوارات في رواية.. مع الترابي وآخرين...."؛ أتمنى ان ابدأ قريبا نشر حلقاتها؛ ولحين ذلك، أنقل منها نفس الحوار، لا أبدل فيه ولا أعدل، وكيف افعل، فالبناء قد وُضِعَ له الأساس. ووَقَفَ. وتم سقفه، وحتى "ملخص ما نُشِر" للربط بين حلقات الرواية، الذي ورد في الحلقة السابقة لم أعدله، وأنزلته كما هو برغم انه سيترك أكثر من سؤال معلقا لحين البدء في نشر الرواية من أول حلقاتها. فدعونا نواصل نفس المشهد في ذات الزمان والمكان:
الزمان: ليلة من ليالي الشتاء، منتصف يناير 1989.
المكان: الخرطوم ضاحية الرياض.
المشهد: منزل الأستاذ علي عثمان محمد طه، نائب الأمين العام للجبهة الإسلامية القومية.
عصام يجلس مع علي عثمان محمد طه في صالون المنزل وبينهما مائدة مربعة عليها جهاز تسجيل. بعد سلسلة من الأسئلة والأجوبة، يطرح سؤالا ثم يصمت، فيبادله الأستاذ علي عثمان الصمت. يستغرقا في تناول طعام العشاء الذي تفضل بإحضاره المضيف بنفسه، ثم يعود ويعلن استعداده للرد على كافة أسئلة ضيفه الذي يجدد مداخلة لسؤال كان قد توقف عنده الأستاذ علي عثمان وطلب وقف التسجيل، ومع ذلك لم يحس عصام باستجابة من محاوره فأحاط به خوف من الفشل في استنطاقه، وحاصرته احتمالات ردود لا تُشفي غليله، فقرر ان ينتهج اسلوبا جديدا فيه اقتحام ومباشرة أكثر، تَخَيَّل انهما سيدفعان بضيفه لترك التحفظ بعيدا. وحسنا فعل.
عاد عصام إلى مسرح الحوار والقي بجملة قصيرة مراهنا على ان الأستاذ علي عثمان سيتوقف معها عن هَزِ رأسه ولن يكون أمامه مفر غير ان يتحدث، ويتحدث في صلب الموضوع، وقال: أسمح لي ان أضيف، هل تسعى لتجنيد ضباط في القوات المسلحة لصالح الجبهة الإسلامية للقيام بانقلاب عسكري، أو دعنا نقول، للدفاع عن الجبهة إذا دعت الضرورة وحدث ما لا يحمد عقباه من انفلات أمني؟ أم انك تلتقي كوادر من جماعتكم أصبحوا ضباطا بتوجيه منكم؟ وهل انت مكلف من الجبهة الإسلامية بالعمل السري في الجيش؟
لم يغير الأستاذ علي عثمان جلسته ولم يستجب للاتهامات التي استعرضها السؤال المركب، غير ان ملامحه تغيرت، فاقترب حاجباه من بعضهما البعض ثم انفرجا في اللحظة التي رفع رأسه ونظر لعصام دون ان يطلب تبديل المواقع وسأله: هل تذهب إلى نادي الضباط؟..... في بورتسودان التي كنت تعمل فيها، هل كنت تذهب إلى نادي الضباط؟
لم ينتظر الأستاذ على عثمان إجابة من عصام الذي لم يكن يتوقع ان ينقله محاوره من خانة السائل إلى أخرى لا يجيد، ولا يريد، الجلوس في مقعدها أو تغطية مهامها، فبدأ متلعثما وهو يقول: في الحقيقة... في الفترة التي كنت فيها.....
على عثمان مقاطعا: دعك من الفترة أو الزمن، وسؤالي أصلا لا أوجهه إليك وإنما أريد ان أضعك في الصورة والحالة التي أريد التحدث عنها، فانا نفسي لم أكن اذهب إلى أندية الضباط لا في الخرطوم ولا في كل المدن التي كنت أزورها بحكم عملي أو حتى زياراتي الخاصة، وربما يكون هذا أحد المسائل التي قَصَّرْنَا فيها، ومع ذلك نعترف بان النميري بإغلاق البارات وإراقة الخمور ومنع تناولها، غَيَّر في الكثير من الأشياء التي كانت سائدة وتتحكم في العلاقات بين الناس وبينهم وبين القضايا الهامة. وقبل ان أثير غضبك بعبارة "غير الكثير من الأشياء"، دعني أعود واحدد انه لم يغير التعاطي مع القضايا الهامة والعامة، فالناس كانوا قبل ذلك منفعلين بها وكانت محط اهتمامهم، ولكن، تحقق واقع جديد بموجبه أصبح تناول تلك المسائل محدد الاتجاهات بفاصل واضح فصار وكأنه بجرة قلم وَضع خطا فاصلا لما قبل وبعد إعلان تطبيق الشريعة، فتوقفت أو تراجعت بعض العادات التي كانت قد تجاوزت حدود الظاهرة واقتربت لتصبح تقليدا وسلوكا مفروضا برغم انه مرفوض.
عصام: حسنا، إذا أردت ان يكون مدخلك للإجابة على سؤالي المباشر، تعليق منطلق من...... أسمح لي ان أسألك، ألم تحملوا النميري إلى إعلان تطبيق الشريعة بتلك الصورة المشوهة التي شاهدناها؟
علي عثمان: دعك من ذلك الأمر فهو لا يغير كثيرا في المسألة وسيكون مضيعة للزمن إذا تجادلنا وتحدثنا حوله، سوف أغطي كامل القراءة التي انطلقت منها وصولا لسؤالك الأساسي وليس المتعارض بلغة أهل القانون، ولكنني أود لو ان نرسم سويا خلفية نتفق عليها لأوضاع كانت سائدة ثم بادت ولأوضاع قائمة في ظل تجاذب ولأوضاع سنعمل نحن على الأقل لتتطور في اتجاهات تخدم مشروعنا الذي نذرنا له أنفسنا وطبعا للآخرين خياراتهم.
عصام: أوافقك الرأي وأسحب سؤالي الأخير، وحول ثلاثية وصفك للأوضاع، أفهم انك تريد ان تربط بين أمس واليوم وغدا، حول أوضاع كانت وأخرى قائمة وثالثة في سبيلها للتطور، وأتفق معك أيضا حول الثلث المتعلق بأوضاع اليوم وما تشهده من تجاذب قد يؤدي إلى إلغاء قوانين سبتمبر التي تعنيها ودعني أقول الشريعة حتى لا أثير حساسيتك تجاه كلمة سبتمبر.
علي عثمان: من يعتقد انه يثيرنا بالحديث عن الشريعة الإسلامية وربطها بالشهر الذي صدرت فيه القوانين مخطئ ويلعب في الزمن الضائع وان شاء الله سيخسر معركته معنا، نحن في الحركة الإسلامية لم نَحْمِل النميري على إعلان الشريعة وقد فاجأنا بها، واعترافنا اليوم لا يقلل من الجهد الذي قمنا به لتثبيتها وسنعمل على البناء فوق بنائها وسنقاوم كل احتمالات العودة لما قبلها، إلغاءا أو التفافا عليها أو تفريغا لأساسياتها وثوابتها. ودعني أقول لك ان الأحداث والتطورات سبقتنا ولكنها لم تتجاوزنا كثيرا فلحقنا بها، وصحيح أيضا إننا حاصرناه وحصرناه بانتشارنا في المجتمع والاقتصاد والسياسة وحتى داخل تنظيمه وبمبادرات لم يكن قادرا أمامها إلا على السير في خُطَاها وخَطها الذي رسمناه، فاستغل حالة كونه قابضا على السلطة وأراد ان ينسب كل شيء لنفسه، وقلنا، دعوه ينافسنا في الشريعة. وبفقه قد يخالفنا البعض عليه، سايرناه بدورنا وأقمنا له البيعة وكان ذلك قاسيا علينا ولم نترك له فرصة للنكوص عنها. كنا نقرأ ونتوقع احتمال تردده في السير إلى الأمام، بل "تملصه" ورجوعه إلى الخلف ففي شخصيته وتجربته المتقلبة ما يقوي احتمال على أخر، بل أكثر من ذلك تحسبنا من انه سينقلب علينا....
عصام: إذن، بدأتم من قبل ذلك في تجنيد عناصر داخل القوات المسلحة للقيام بانقلاب "لتتغدوا به قبل ان يتعشى بكم" أو على الأقل لتغيير المعادلة عندما ينقلب عليكم فتواجهونه بالقوة قبل ان يقضي عليكم كما قضى على الشيوعيين الذين وجدهم....
علي عثمان مقاطعا: نعم، نعم، نعم ... فهمت ما ترمي إليه، لكن دعني أقول لك اننا وجدنا، بالصدفة أو بغير ذلك، ان لدينا وجودا معتبرا داخل القوات المسلحة، ولأكون أكثر صراحة، أضيف.. ان من وجدناهم يؤيدون المشروع الإسلامي داخلها لم ندخلهم نحن ولم نوعز إليهم بالدخول، وتفاجئنا بان هنالك عددا كبيرا ومقدرا من الضباط الإسلاميين الذين بدأت العلاقات بينهم تتماسك وتقوى بعد ان صارت أندية الضباط مكانا صالحا لجلساتهم بعد ان انقطع عنه الآخرون أو أصبحوا لا يغشونها او يبارحون الأندية مبكرا للذهاب لاماكن أخرى. ووجد الضباط الذين أصبحوا مؤيدين في صمت البرنامج الإسلامي وتطبيق الشريعة، وجدوا ما افتقدوه بعد توسيع حلقات نقاشاتهم ولقاءاتهم مع ضباط آخرين كانوا لا يرتادون الأندية أو لا يحبذون الجلوس كثيرا فيها حيث ان المناخ الذي كان سائدا لم يكن مشجعا لهم. بعضهم اتصل بنا عن طريق أشخاص معينين وثقوا فيهم وحدثونا عن الحالة الجديدة، واعترف لك بانها والمعلومات الصحيحة التي وصلتنا وتأكدنا منها بمصادرنا الخاصة قد فاجأتنا بقدر ما أسعدتنا ولكننا لا نفكر في.... دعني أقفل هذا الموضوع وأقول لك ان النميري قدم لنا ولمشروعنا خدمة كبيرة بمنع بيع وتناول الخمور فتوقف تعاطيها في أندية الضباط فظهرت للسطح حالة جديدة لم نكن حتى نحن ملمين بها من كل النواحي.
ومثل الذي امسك بجمرة لينقلها من مكان لأخر، رمى عصام حديثه وتعليقه وأسئلته سريعا: استطيع ان أقول ان الانقلاب هو الخطة (B ـ ب) أو المرحلة التالية التي فكرتم فيها وربما لا زالت جاهزة لتهبطوا بها اضطراريا. فهل اتصالكم بما تسميهم الضباط الإسلاميين هو تحسبا من أن يأخذوا أمر الشريعة الإسلامية منفردين وعلى حسابهم الخاص وتجدون أنفسكم مثل الشيوعيين مجبرين لمسايرتهم حتى لا يخطفوا مشروعكم وربما يشوهونه بعجلة منهم وتَسرُّع قد يؤدي إلى وضع لم تحسبوه جيدا؟ هل تريد ان تسَوِّق أمامي مثل هذا الاحتمال؟
علي عثمان: قطعا لا.. فالأمر ليس كذلك، وكما قلت لك أمر الشريعة ليس بيدنا وحدنا، ثم ألا تعتقد ان هؤلاء الضباط يتعظون من التجارب السابقة وانهم ليسوا مغامرين؟
عصام: أيعني ذلك انهم لن يسبقوكم وينتظرون ان تحركوهم؟
علي عثمان: لم يعد أي من ذلك وارد بعد ان انتهت مرحلة بذهاب النميري الذي غدر بنا فلقي مصير مُكره، وبعد خروجنا من السجون بالانتفاضة التي لنا فيها سهم مقدر، وبعد النجاح الذي حققناه بالديمقراطية والانتخاب، فُتحت لنا آفاق أوسع وأرحب، ولم تعد التحسبات السابقة في محلها وحاليا... العملية السياسية.....
عصام: هل حقيقة تعولون على الديمقراطية والصبر عليها لتحملكم إلى السلطة. انتم الان في السلطة، فعن أية سلطة تبحثون؟ أليس في حساباتكم ان ما فعله النميري في الأحزاب التي تسمونها طائفية، لم يضعفها؟ واضح جدا انكم استفدتم أيما استفادة من مشاركتكم في مايو فتمدد تنظيمكم رأسيا وأفقيا، ولكن يجب ان لا يبطركم العدد الكبير من النواب الذي حصلتم عليه، فالحزب الاتحادي الديمقراطي قادر على استعادة الدوائر التي خسرها وحصلتم عليها على حسابه، وعليكم ان تنسوا دوائر الخريجين التي لن يكون لها وجود في الانتخابات القادمة، واعتقد انكم ستعودون إلى وزنكم وحجمكم الطبيعي بعدها، كما ان حزب الأمة إذا استطاع ان يحقق بعض النجاحات فيما تبقى من الدورة التشريعية الحالية قد يزيد من وزنه النيابي أو يحافظ عليه، وفي كل الأحوال إذا ضعف نيابيا لن تكونوا انتم المستفيدون وانما الاتحادي الديمقراطي. ولذلك استطيع ان أقرأ انكم لن تصبروا على الديمقراطية وقد تلجئون في حالة ما أو قد تبررون أحداث ما لتصبح دافعا للتفكير في الاستفادة من العناصر العسكرية التي قلت انكم فوجئتم بوجودها الكثيف والمقدر داخل الجيش. وبالمقابل اعتقد ان هنالك قيادات داخل الجبهة تعول على تقوية التيار الذي أفصح عن نفسه داخل حزب الأمة بإشراككم في الحكم اتقاء لشركم، وعفوا للوصف.
علي عثمان مبتسما: أولا أود ان أؤكد لك انه ليس لدينا عناصر تم تجنيدها في الجيش وما حدثتك عنه هو حالة عامة وليس هنالك ضباط منظمون جبهة إسلامية في الجيش. وكما في كل قطاعات المجتمع المختلفة، هنالك ضباط يؤيدون تطبيق الشريعة الإسلامية وربما يكونون في هذا الاتجاه أكثر تشددا منا، ولك ان تعلم اننا لا نملك المشروع الإسلامي لوحدنا لأنه أصبح حالة عامة. نحن لدينا قيادات في الجبهة تعمل على تطبيقها بالتدرج ووافقنا على النظر في قوانين بديلة، وهنالك ضباط يرون ان لا عودة للوراء مما تم تطبيقه. هذه واحدة والثانية، لقد استمعت اليك جيدا وما تقوله تحليلا لا يقف على رصد معلومات وانما... قد تكون أماني، وعلينا ان لا نلجأ للتكهنات وما شابه ونتحدث عن انتخابات لا زال هنالك وقتا طويلا حتى نبلغها، فدعنا نصل الجسر ثم بعد ذلك نفكر في عبوره. أما الأمر الثالث هو الحالة الجديدة التي تمخضت عن وجودنا وحزب الأمة في مركب واحدة بعد ان انسحب الاتحادي....
عصام: هذه حالة قد لا تستمر طويلا فالسيد الصادق متذبذب ومتردد وقد.....
علي عثمان: نعم.. نعم.. نعلم ذلك.. نعلم ذلك تماما، وقد قلنا له انه إذا صَدَق معنا فسيستمر رئيسا للوزراء لأطول فترة يريد، بل اننا ذهبنا أبعد من ذلك عندما تحققنا من انه يخشى الإضرابات وقلنا له تعاون معنا وامنحنا فسحة من الزمن وأفسح لنا وبعد فترة قصيرة لن يحدث إضراب. نحن قادرون على محاصرة أي إضراب وإفشال أية خطة إضراب إذا تعاون الصادق وحزبه معنا على كل المستويات. قلنا له عن طريق أخواننا الذين يؤملون في ائتلاف عريض معه ان يتعاون معنا لمدة عشرة سنوات وسيرى التغيير الذي يمكن ان نحدثه في البلاد. أكدنا له اننا سنضع كامل إمكانياتنا وقدراتنا وعلاقاتنا الخارجية وتجربتنا لتحقيق استقرار الحكم، وحاولنا طمأنته بإمكانية تحقيق أغلبية برلمانية مريحة معه تمكنه من الانجاز.
عصام: إذن انتم لا تريدون بعض السلطة وإنما كل السلطة. فهل تريد ان تقول لي ان ائتلافكم مع حزب الأمة سوف يستمر ويتعمق و..... ان عدم مشاركتك انت شخصيا في الحكومة ومعك آخرين من الشباب تدفعني لأتوقع.....
علي عثمان: أقول لك رأيي الشخصي وليس التنظيمي، انا لا أثق في الصادق ولن أشارك في حكومة يرأسها السيد الصادق لأنه، كما قلت انت، متردد ومتذبذب ويلف ويدور حول القرار، وان اتخذه يخشى إعلانه، وان أعلنه يلتف حوله بأية طريقة. صدقني انه شخص لا أقول انه فاشل تنفيذيا، ولكن يبدو انه محدود القدرات والإرادة لمواجهة العمل التنفيذي، وهذا قد لا يكون غريبا عليه فانه لم يعمل تقريبا غير رئيس وزراء فلم يكن باشكاتب أو مدير إدارة أو مصلحة ليتخذ على الأقل قرارا واحدا تجاه مرؤوس باستيضاحه أو إنذاره أو حتى استقطاع جزء من مرتبه، وعليه لا يمكن ان يتحمل اتخاذ قرار أو يثبت على قرار. لقد عملت قاضيا وأصدرت أحكاما في حق أشخاص، ولذلك يصعب عَلَيَّ التأقلم مع حالة السيولة التي يُسَيِّر بها السيد الصادق المهدي أمور الدولة.
عصام: هذا الأمر يؤكد قراءتي بان شيوخ الجبهة يحبذون بعض السلطة اليوم وشبابها يريدون كل السلطة غدا. وأقول بذلك لان اية سلطة تحصلون عليها لن تكون إلاَّ شراكة مع حزب الأمة وبالأصح مع الصادق المهدي، وحديثك الأخير يزيدني قناعة بانك لا تريد مثل تلك السلطة وان سايرتها على مضض مع ابتعادك عنها.
علي عثمان: صحيح ان السلطة بوزنها ومراكزها ومواقعها التي حصلنا عليها في حكومة الوفاق السابقة لا ترضينا ولا تحقق طموحاتنا فضلا عن انها كانت مع أطراف لا يريدوننا فيها، واعني الاتحادي وكثير من قيادات الأمة، والأمر مع انه لم يتغير كثيرا في الحكومة الائتلافية الحالية مع حزب الأمة والأحزاب الجنوبية الوحدوية إلا ان بعض الإخوة يؤملون خيرا في التطورات. على كلٍ، المستقبل مع طرحنا وبرامجنا، إذا تحققت بعض الأهداف واستقرت الثوابت الوطنية والأخلاقية التي ندعو لها. والسودان يحتاج فقط لحالة جديدة واضحة المعالم لمدة لا تتجاوز عشرة أعوام ثم يأتي اليوم لمشاركة السلطة مع المهدي والميرغني وغيرهما تحت ظروف أفضل وجديدة، بعيدة عن الكيد السياسي والتنافس في ظل تخلف وجهل شائع يتسبب في تأخير العديد من المشاريع والبرامج الوطنية الهامة والأساسية.
عصام: أرى أنك تتحدث في ذات الاتجاهات التي يكتب بها الأستاذ احمد سليمان المحامي أخشى ان ينقل اليكم عدوى الداء الذي أصيب به في الحزب الشيوعي وتمكن منه ولم يجد من يداويه فأصبح مزمنا. أعتقد ان.....
علي عثمان مقاطعا: ألا تعتقد ان حديثنا غطى كل ما كان يدور من استفسارات في ذهنك؟
نظر عصام إلى ساعته فوجد انها تعلن الانتقال إلى الدقائق الأولى من يوم جديد بعد ان تجاوزت عقاربها الثانية عشر ليلا، ثم قال: نعم.. نعم.. أشكرك كثيرا وثق انني لن انشر إلا الحديث الذي جرى تسجيله وانا ممتن لك كثيرا لانك تحدثت معي بهذه الصراحة والوضوح.
علي عثمان: أرجو ان لا تنساق مثل آخرين للترويج لـ.....
عصام: عدم مشاركتك وكثير من شباب الجبهة في الحكم تجعلني متمسكا بالقول، ان شيوخ الجبهة يحبذون بعض السلطة اليوم وشبابها يريدون كل السلطة غدا. كيف؟ لا أدري.
علي عثمان: ان غدا لناظره قريب.
عصام: تلك عبارة كان والدي يختم بها مقالاته في مجلة الدستور اللندنية عندما كان مقيما في لندن معارضا لنظام مايو.
علي عثمان: كنت أزوره كثيرا في مكتبه التجاري في العمارة المقابلة لمبنى البرلمان وعندما عاد مع جثمان الشريف حسين الهندي تواصلنا وكان يذهب لشيخ حسن الترابي بوصفه النائب العام يدعوه للدفاع عنه وتبني قضيته في مواجهة تعسف نميري في اعتقاله وحجز جواز سفره، كانت معارضة مدنية سلمية فاعلة لجعل قضية الحريَّات ساخنة وحاضرة، وقد اتعب صديقه، وهو بمثابة ابنه، الأستاذ موسى يعقوب، والمفارقة ان "قريبكم" احمد عبد الرحمن كان وزيرا للداخلية. تّصَوَّر مدى الحرج الذي كنا فيه ومع ذلك صبرنا على معاناة المشاركة في مايو لتحقيق أسلمة المجتمع والدولة والان يأتي من يريد إرجاع عقارب الزمن إلى الوراء؟ هل لا زال الوالد يذهب لنفس المكتب؟
عصام: نعم وتلك قصة طويلة اعتقد انها....
علي عثمان: وماذا حدث في موضوع "سرايا العناقريب"؟
عصام: وانت "كمان" يا أستاذ وصلك الموضوع إياه.. أما حكاية!
علي عثمان: كيف لا وهو موضوع بدأ بعد اعتقاله وسجنه ومحاكمته في أحداث يوليو 1976. لماذا لا تكتب عن موقفه وصموده في المحاكمة عكس ما فعل آخرين، لقد عارك هيئة الاتهام العسكرية كمحامي ضليع فلم يكن يحتاج لصديق، وازهل الذين حضروا المحكمة بمعرفته بالقوانين والإجراءات القانونية بما فيها تلك التي تَحكم المحاكم الخاصة العسكرية، وكان له اسلوب جذاب في الحديث والدفاع لا عن نفسه فقط وانما حتى عن من كانوا معه من معتقلين وكانت له مواقف في السجن مُشَرِّفَة ورعى بعد ذلك كثيرا من اسر الشهداء والمفقودين. أرجو ان تسجل كل ذلك لتكتب، عندما تأخذ استراحة من متابعة الشئون السياسية الراهنة، عن العم محجوب الماحي، رجل الخدمة المدنية والسياسي. هل تعرف ان مكتب الأستاذ أحمد دياب المحامي المجاور لمكتب والدك في نفس العمارة ونفس الشقة، ضاع منه الكثير من أتعاب المحاماة في قضايا وخلافات بين أشخاص كان والدك يدعوهم لانتظار دياب في مكتبه ويتحدث معهم ثم يعرف قضيتهم وخلافاتهم ويتدخل مع خصومهم ثم يقوم بحل الإشكال بالأجاويد مستعملا مقدراته وعلاقاته ومعرفته بالناس لإقناع أطراف الخصومة؟ غير ان المثير في الأمر هو ان الأستاذ احمد دياب لم يكن يزعل من عم محجوب برغم انه كثيرا ما اشتكي ثم يأتي ويحكي لنا بنفسه والمتدربين في مكتبه بالواقعة. والدك كان يقول: المحامون يستفيدون من حماقات الآخرين في الخصومة خاصة في المسائل الأسرية. العم محجوب الماحي من أنصار التسويات المقبولة التي توفر الجهد والطاقة والمال وحرق الأعصاب، ومكتبه كان أشبه بجهة عدلية لتسوية الخلافات، تحقق عدالة الرضي والتراضي بين المتخاصمين.
عصام: غِبْتُ عن السودان فترة طويلة للدراسة الجامعية في رومانيا ولم اعرف الكثير من تلك الأشياء وأتمنى ان أجد الظرف المناسب لأجلس معه وأسجل على الأقل ما تختزنه ذاكرته وذاكرة آخرين. اعلم ان والدي عندما كان موظفا بمصلحة السكة الحديد، كما كانت تسمى، كسب قضية ممثلا لها في المحكمة في مواجهة المحامي الضليع "البوص" الأستاذ محمد أحمد المحجوب وقد حدثني عنها صديقه محمد مختار مدير الميناء السابق قبل فترة في بورتسودان. هل تَعرف ان والدي والأستاذ بابكر عوض كانا أصدقاء لا يفترقان أبدا، وعملا معا في مدينة الأُبَيِّض وكانا صديقين لوالد المشير عبد الرحمن سوار الدهب، وانهما بعد 25 مايو 69 لم يلتقيا ولم يتبادلا السلام إلاَّ بعد سنين من خروج بابكر من مايو؟ الطريف، ان كان في ذلك طرفة، ان الرئيس الراحل إسماعيل الأزهري كان كلما يلتقي الوالد يحذره من صديقه بابكر عوض الله، وكان الوالد يرى في الآمر غِيرَة سياسية لان عوض الله كان ضد الأزهري وأعد نفسه لمزاحمته في الانتخابات الرئاسية، على الأقل ليأخذ أصوات منه ويفسح الطريق لفوز الأمام الهادي المهدي، وكان بالتالي لا يقبل موقف الأزهري صاحب النظرة الثاقبة، فتأكد له لاحقا قول الأزهري؛ "عوض الله سيخيب ظنك فيه بِتَصَرُف سيسبب لك ألما بالغا". الآمر متعلق بإحالة والدي للمعاش مع أربعة آخرين من كبار رجالات الخدمة المدنية بقرار وقعه بابكر عوض الله رئيس وزراء أول حكومات نظام مايو السابق، غير ان الذي اثر في والدي كثيرا، وبالفعل كما توقع الأزهري، هو قرار ثاني وقعه بابكر عوض الله يأمر الوالد بإخلاء منزل الحكومة بعد شهر واحد وهو أكثر الناس علما بان الوالد لم يكن يملك منزلا خاصا ليرحل إليه وقوانين الخدمة المدنية التي يعظمها الوالد اشد تعظيم، كما يقول، تمنحه الحق في البقاء بمنزل الحكومة لثلاثة أشهر حتى يرتب أمر رحيله لمنزله الخاص وستة أشهر في حالة عدم امتلاكه، كمهلة لإيجار أو لشراء منزل. على كلٍ، هذا أمر مضى عليه حوالي عشرين عاما، ولان الوالد بطبعه لا يمسك في قلبه وعقله مشاعر غضب، وهو "التسامح" يمشي على قدمين، تجاوز ذلك، وبجهد بذله شقيقي صلاح محجوب وصديقه د. سامي بابكر عوض الله فهما يعملان سويا في الكويت، جمعا الصديقين السابقين وتصافحا ولكن قطعا لم ترجع العلاقة المتينة التي كُسرت إلى سابق عهدها، ولذلك آمل ان نتمكن سويا ومعنا الأستاذ محمد يوسف محمد لجمعهما في منزلك لنبني على لقاء الكويت. أعلم انك مشغول جدا ولكنني أثق ان والدي لن يرفض لك طلبا، مثل ما أثق انه لن يرفض طلبا للأستاذ محمد إبراهيم نقد. هل تعرف ان والدي كان يلتقي الأستاذ نقد في فترة اختفائه خلال سنين مايو؟
علي عثمان: معقول؟ لكنني في الحقيقة لا استبعد ذلك، كلنا نثق في والدك، ولا اعتقد ان هنالك أفضل من محجوب الماحي ليتشاور معه أستاذ نقد للاستئناس برأي آخر خارج منظومة حزبه.
عصام: هل تصدق ان الذي اخبرني بذلك لم يكن الوالد وإنما الأستاذ محمد إبراهيم نقد بنفسه؟ ففي أول ندوة له بعد الانتفاضة ذهبت اليه وسلمت عليه وعَرَّفْتَه بنفسي، فأجلسني لبعض الوقت بجانبه، وسألني كثيرا عن الوالد وحكى لِيَّ انه كان يلتقيه من حين لآخر خلال اختفائه، وعندما رجعت المنزل سألت الوالد عن ذلك، فقال لِيَّ: من أين لك هذه المعلومة؟ أخبرته بانها من طرف نقد مباشرة. فقال لِيَّ: طالما نقد أخبرك، "خلاص" لماذا تسألني؟ فقلت له: لانك لم تحدثني عن تلك اللقاءات من قبل، اين ومتى كانت. فكان رده: انت كنت عاملا فيها سياسيا ومعارضا لمايو وأنا "ذاتي" قلت لناس الأمن في التحقيق "معاي" بعد عودتي مع جثمان الشريف حسين الهندي "إنو" ولدي عصام معارض وشارك في مؤتمر "خالكيزا_ باليونان" فلو كنت كَلَّمْتَك وقام ناس الأمن قبضوك.. بعد كف كفين "تقوم" تقول "ليهم" ابوي بقابل نقد سكرتير عام الحزب الشيوعي؟ وسألت الوالد: طيب "كنتوا" بتتكلموا في "شنو" وكَيْفَ وأين كنت تقابله؟ فجاء رده سريعا: أذهب لنقد "الاداك" المعلومة يتمها ليك. 
علي عثمان: نعم.. نعم.. اذا لم يقل أو يفعل ذلك كيف يكون محجوب الماحي؟ "أبوك" برغم "إنو" صريح وواضح "بطنو" غريقة جدا وهو رجل قومي بمعنى الكلمة وعندما كان في الخدمة المدنية كان يحفظ ذات المسافات مع كل القوى السياسية، اسأل علي عبد الله يعقوب يحدثك كثيرا عن ذلك وموسى يعقوب حكى لنا الكثير من مواقف والدك بعد انقلاب مايو وخلال فترة مقاومته. على العموم فكرة جمع عم محجوب وبابكر عوض الله فكرة طيبة تعال نشتغل عليها في مقبل الأيام. أرجو ان تبلغ والدك سلامي الحار وسلام زوجتي...
جمع عصام أوراقه وجهاز التسجيل والشريط، ثم نهض وقال: يحدثني الوالد كثيرا عنك وعنها. أرجو ان تبلغها شكري على وجبة العشاء الطيبة واعتذاري بانني ساهرت بك إلى ما بعد منتصف الليل.
خرج الأستاذ علي عثمان مع ضيفه ليودعه وغادر عصام منزل مضيفه وهو يكاد يطير من الفرح والسعادة بعد الحديث الأخير عن والده، فقد كان أكثر ما يسعده ان يستمع لحديث عن والده من آخرين خاصة الغير اتحاديين، وانطلق بسيارته وما هي إلا دقيقتين من الزمن حتى أوقفها خارج منزل والده ودخل مسرعا متمنيا ان لا تخذله ذاكرته وبدا في إنزال ما جرى من حديث في الورق مستعينا بما كان يكتبه بسرعة ليلاحق حديث محاوره وليعد في نفس الوقت مداخلاته وأسئلته، تاركا شريط التسجيل ليحفظ الجزء الأول من الحوار الذي أعده لاحقا ونُشر في مجلة الأشقاء بعددها الصادر يوم 24 يناير 1989. فهل كانت للجزء الذي نُشِر من الحوار ردود فعل؟ دعونا نرى ذلك يوم الخميس القادم،،،