علي عثمان محمد طه في يناير 89 لـ (الأشقاء):شاركنا في السلطة حماية للنظام من الانهيار والاختراق

•    حديث لا تنقصه الصراحة للإقصائيين الجدد: كيف تُعَرِّي فِكرَة إنسان ثم تلبس سلوكه؟

•    مقاومة الإرهاب "الغليظ" لجماعة الإسلام السياسي لا يبرر الرضوخ لإرهاب "ناعم"

•    الإرهاب "الناعم" يستعمل كلمة.. أسرع من طلقة، ويطلق قولا.. وابلا من قنابل، ويرى في رسالة.. صاروخا يطلقه من أبعد الأمكنة ليصلك في مكانك وينفجر فيك

بقلم: د.عصام محجوب الماحي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
نقترب، رويدا رويدا، من إسدال الستار على سلسلة "... الخرطوم قبل وبعد 30 يونيو 1989"، أو بالأصح على الفصل الأول بمشاهده المتنوعة وهو الأكبر، لفترة "قبل"، لان الفصل الثاني لفترة "بعد"، سيكون من حلقتين أو ثلاثة على الأكثر؛ يتناول كيف استقبلت الانقلاب، وماذا فعلت وما هي المساحة التي تحركت فيها، وبمن التقيت، ومَنْ لم أجده في داره وكأنه "فص ملح وداب"، وكل ذلك في يوم واحد، وبالأصح نصف يوم هو الجمعة 30 يونيو 89؛ وسيتضمن الفصل الثاني لفترة "بعد"، مقالا ورؤية تحليلية كتبتها بعد 7 أيام فقط من الانقلاب لأصف حالة الخرطوم، البلد والناس، قبل.. وفي.. وبعد.. صباح ذلك اليوم. وعودا لما سبق نشره، استعرضت وعلى مدى تسعة حلقات، قصة وأسرار اجتماع الجنينة من الألف إلى الياء؛ لقاء الفرصة الأخيرة بالخرطوم 2 بين الميرغني ورئيس الاستخبارات العسكرية وكلاهما عقدا يوم 25 يونيو 89، الأول ظُهرا والثاني مساءا؛ ثم قرأنا معا موضوع غلاف مجلة (الأشقاء) الصادرة قبل ثلاثة أيام من الانقلاب، أي يوم الثلاثاء 27 يونيو 89، بعنوان: "انقلاب للبيع...!"؛ فانتقلنا وعلى مدى حلقتين لإعادة قراءة حوار مع المرحوم أحمد عثمان مكي؛ وها نحن نصل ابتداءً من هذه الحلقة، إلى آخر ثلاثة حلقات لفترة "قبل"، بقراءة الحوار الذي أجريته مع الأستاذ علي عثمان محمد طه في منتصف يناير 89، ونترك القادمتين للجزء الذي لم يُنشر من الحوار، فهو الأطول. وأنتهز السانحة، لأستميح الأستاذ علي عثمان عذرا على نَشْره الآن بعد أكثر من 24 سنة، فكثير من الدول تفك حتى أسرار وثائقها بعد مرور فترة، تقِل أو تزيد عنها بِضْع سنين، فما بالكم بحوار بين اثنين في شأن عام مفتوح، لم يبتغ فيه الطرفان إلاَّ المصلحة العامة.
لا أريد الان، تناول الرسائل التي وصلتني بالبريد الالكتروني أو بالاتصال الهاتفي أو عن طريق طرف ثالث. قد أفعل ذلك في نهاية الحلقات.. وقد لا افعل مطلقا، فيكفي ان أُعيد أية رسالة تصلني لصاحبها ومعها كلمة كلمتين لمن تكبد مشقة نقل عنوان بريدي الالكتروني وكَتَبَ رسالة طويلة أو قصيرة، فمثل هذا الشخص احتفي به أيما احتفاء حتى إذا اختلف معي في وجهة النظر. ألا يكفي ما بذله من جهد وما اثبت من اهتمام؟ ومع ذلك، ردا على بعض ما وصلني من رسائل وما فيها من مقترحات هي محل احترامي وتقديري، وما حملته من طلبات هي أيضا محل نظري مقرونة بالأسف لعدم توفر الظرف المناسب الذي يسمح بتحقيقها على الأقل حاليا، لا أملك ان أقول أكثر من: كل شيء بأوانه. فالي مضابط حوار استثنائي مع شخص كان ولا زال استثنائيا، وقد تستعجب ان قلت انه.. سيظل استثنائيا. نعم، أينما ذَهَبَت به التَغْييرات القادمة التي تطرق الأبواب، أو أبقت عليه في مكانه، أو حتى أحالته إلى اللامكان، ولِمَ لا، صَعَدَت به إلى مكان أرفع _ علما بأنني لا أعني بالمكان المنصب فحسب _؛ فسيبقى الأستاذ علي عثمان محمد طه شخصية استثنائية. لا أخشى الحديث عنه بعيدا عن رجم "الإنقاذ" بالقول وكشف سوءاتها، وأنتظر ان يمطرني الناقمون عليه بوابل من الجُمَلِ والكلمات لتسقط تحت أرجلي فالتقطها وانظم بها ومنها المزيد من الحديث، فيصبح بالتالي عدم الحديث عنه إلاَّ بِذَمِّه، أشبه بالخوف من إرهاب، وهو بالفعل إرهاب. أن تُجبر على الصمت فلا تقول ما تريد حول شخص ما، مدحا أو ذما، إرهاب وإن كان ناعما. فلا تظنن أيها الذي لا لك في هذا ولا ذاك، ان الإرهاب هو التفجير وما شابه فقط، فالإرهاب قد يستعمل كلمة.. تكون أسرع من طلقة، وقد يلجأ إلى قول.. يكون وابلا من قنابل، وقد يرى في رسالة، بريدية، الكترونية أو تعليقا في موقع، صاروخا يطلقه من أبعد الأمكنة ليصلك في مكانك وينفجر فيك. على كلٍ، ليحفظ الإرهابيون والإقصائيون الجدد ذخيرتهم، فلن يعجزوا ان يجدوا من يستحقها أكثر مني، فرفضي لإرهابهم "الناعم" يماثل مقاومتي لإرهاب جماعة الإسلام السياسي "الغليظ". فالإسلاموِيُّون يخرجونك من المُلَّةِ بفَتْوَى فطيرة عاجلة، والأشد غلظة منهم يصبح عندهم تنفيذ تلك الفتوى عبادة حتى وان قضت على مَنْ حولك، فلا شفيع لهم كونهم لا في العير ولا في النفير. ان الذين يُجَيِّشُون للإقصائية المضادة، بينهم خطوة والثانية غير مستحيلة للسير في ذات نهج الذين أذاقوهم الويل والثبور وعظائم الأمور مباشرة او بشكل غير مباشر، وفي ذات طريق الاتجاه الواحد الذي لا عودة منه لمراجعة النفس ومحاسبتها ذاتيا على ما ارتكبت. فلماذا لا يختارون، والخيارات متوفرة، نهج وطريق مناقضين لذلك؟ انت لا ترفض إنسانا، وانما سلوكه وفكره، فكيف تعري فِكْرِه ثم تلبس سلوكه؟ هنالك طريق عريض ومُعَبَد يسع الجميع للسير فيه، ونهج يحقق الأحلام والآمال والطموحات متاح للجميع، وكلاهما يؤديان ويقودان الفرد والمجتمع والدولة، إلى التعايش والتساكن والتوادد وتبادل المنفعة في ذلك، وتقاسم السلطة التي تنظم كل ذلك. ان تذهب للآخر لتأخذ منه نصف رأيك، الحسنة بعشرة أمثال ان تنتظره يأتي إليك بنصف رأيه سائلك تجيبه أو تشكره لانه أقنعك بان نصف الرأي الذي كان لديك "تالف"، وبدوره قد يضاعف حسناته إن تحرَّك تجاهك ليقابلك على الأقل في نصف الطريق. دعونا نلتقي في منتصف الطريق، لا أقول الفاصل.. وانما الرابط بيننا.
تبقى القول عن الأستاذ علي عثمان محمد طه، النائب الأول للرئيس: لا أزاحم كتبة السلطان، وسأكتفي بما قلته في مقدمة الحوار الذي انقله من مجلة (الأشقاء) الصادرة يوم 24 يناير 1989. مقدمة لفتت انتباه الشيخ الترابي نفسه وعَلَّق عليها وعلى بعض ما دار في الحوار وبالأخص عبارة: شيوخ الجبهة يحبذون بعض السُلطة اليوم وشبابها يريدون كل السُلطة غدا؛ وحسب علمي، ليس من عادته ان يفعل ذلك. فهل "قَلَّتْ" سَعَادَتِه عندما نسى عادته؟ يبدو انه لم ينس وكانت تلك حالة استثنائية أيضا؟ ألَم أقل قبل قليل ان علي عثمان شخصية استثنائية؟ فإلى مضابط الحوار ومقدمته، فقط اكرر التنبيه إلى انه جرى وكُتِبَ في يناير 89، ومحاوري كان يعلم تماما انني كنت _ حينها _ في الضفة الأخرى، ليبراليا وعُلمانيا لا أخشى فيهما لومة لائم، ويدرك كل الإدراك انني لا زلت منتظرا في ذات الضفة، تأطير الدولة المدنية الواسعة، دستورا وقوانين، لتحل محل الدولة الدينية الضيقة، لِيَسْلَم الوطن ومواطنيه وتتعايش شعوبه في أمن وطمأنينة وتنتفي بالتالي مسببات نهوض إقصائية جديدة مضادة وكذا دعاوي تقرير مصير أو رغبة في انفصال يحيط حاليا كهلال بمثلث حمدي ويضغط عليه. دعونا نتقاسم الأفراح والأحزان _ كما كنا _ لا السلطة والثروة فحسب، فتصير التعددية الثقافية والعرقية والدينية مصدر قوة ووحدة وتماسك، لا عامل ضعف وتشتت وتفتت. أفي هذا خروج عن الدين وإقبال على الدنيا؟ وما الدين ان لم يكن لعمارة الدنيا؟ أيكون الدين جاء لتدمير الدنيا ونحن لا ندري؟ دين من هذا.. دين آبائنا لم يكن هكذا! عفوا لتداخل حديث ذو شجون لكل الشئون بما تبقى من بصيص أمل في النفس مشحون. قوموا إلى حواركم يرحمكم الله:
• الجبهة الإسلامية القومية (غامرت) برصيدها السابق عندما اشتركت في حكومة الوفاق الوطني الذي انهار أخيرا.
• والجبهة نفسها (تقامر) برصيدها الحالي والمستقبلي عندما تقبل المشاركة في حكم ائتلافي يضمها وحزب الأمة.
• وإذا اعتبرنا ان الجبهة الإسلامية جسم.. فلا يكفي ان ننظر إلى (عضلاته) أو أطرافه التي (تقبض) و (تفك) كما يظهر لنا، والمفترض ان نَنْفُذ إلى عقلها.. فالعقل هو الذي يصدر إشارات تعمل بموجبها الأطراف والعضلات، فتجعلها في حالة استعداد أو استعمال أو ارتخاء.. فقط حيث الضرورة تقتضي.
• والحوار مع الأستاذ علي عثمان محمد طه نائب الأمين العام للجبهة الإسلامية القومية وزعيم المعارضة السابق، يتيح فرصة ان نَنْفُذ إلى (عقل) الجبهة.. قطعا ليس هو العقل المفكر للجبهة، وإنما أحد أجزائه الرئيسة.. فلنقل انه (المخيخ) أو ما شابه.
اجتماع القصر "الثلاثي":
قلت للأستاذ علي عثمان: بيان القصر الذي أعقب اجتماع زعماء الأحزاب الثلاثة الكبرى تحت رعاية رئيس مجلس رأس الدولة السيد احمد الميرغني، كيف تراه؟ ولماذا جلس الترابي والمهدي مع الميرغني بعد ان قالا انه انسحب منهم وقت الشدة.. ولماذا جلس الميرغني مع المهدي والترابي وهو الذي يقول انهما غير جادين في مساعي السلام؟
لم يتردد الأستاذ علي، وقال: لقد كان يقيننا في الجبهة الإسلامية القومية منذ قيام الانتفاضة، ان هنالك أوضاعا ومسائل في الساحة السودانية تتطلب جهدا مشتركا بين القوى السياسية الكبرى وان تركة الماضي وتمهيد طريق المستقبل يحتاجان إلى تجميع القوى والطاقات.. وترسخ هذا اليقين بعد ظهور نتيجة الانتخابات العامة في ابريل 86 حيث تبين ان أيا من الأحزاب الكبرى لم يحرز تفويضا سياسيا يؤهله لتحمل المسئولية منفردا. تقدمنا بتصورات ومقترحات جامعة لميثاق عمل سياسي يغطي مجالات الاقتصاد والعلاقات الخارجية ومسألة الجنوب وقضية الشريعة الإسلامية.. وظللنا نجدد ذلك الميثاق ونكيف تفاصيله مرحلة بعد مرحلة، حسب التطورات التي شهدت قيام وسقوط الحكومات الائتلافية الأولى.. وركزنا على جانب من هذه المعاني عند مشاركة الجبهة في الحكم. ولئن اضطربت مسيرة الوفاق وعصفت بها رياح الأحداث السياسية الأخيرة، فان قناعاتنا ثابتة بقومية التوجه ووجوب الاتفاق على سياسة الحد الأدنى، وجاء اجتماع القصر الأخير الذي أعقب انسحاب الحزب الاتحادي من الحكومة القائمة جريا على هذه الروح وتأكيدا لها.. إذ اننا نؤمن بان المسؤولية السياسية لا تحدها مقاعد السلطة وان القضايا القومية الكبرى والتي تناولها الاجتماع يلزم ان يقوم حولها هذا الحد الأدنى الذي برز من البيان الصحفي الذي صدر عقب الاجتماع.
صمتوا عن الشريعة:
قلت للأستاذ علي: ان كان حقا ان زعماء الأحزاب الكبرى يبحثون المسائل الكبرى، فلماذا غفل بيان القصر الإشارة إلى الشريعة الإسلامية وهي قاسم مشترك أعظم في برامجها؟ وكيف قبل د. الترابي هذا الأمر؟ والملاحظة الأخرى، ان البيان تناول قضايا معينة صدرت في بيان انسحاب الحزب الاتحادي الديمقراطي من الحكومة و(التف) حولها.
فقال علي عثمان: الجانب الذي يمكن ان يعتبر اتفاقا بين الأحزاب المشاركة في اجتماع القصر هو انها جميعها تشترك الان في مناقشة القانون الجنائي في مرحلة اللجنة بالجمعية التأسيسية. ورغم بطء حركة اجتماعات اللجنة وما يشوبها من معوقات إلا ان قرارا لم يصدر بتجميد أعمالها مما يعتبر الحد الأدنى من الاتفاق في هذه المرحلة.. غير ان المدى الذي يمكن ان تفرغ فيه اللجنة من أعمالها كان دوما موضع تباين في وجهات النظر وزادت حدتها بدخول قضية تجميد القوانين البديلة شرطا في مبادرة الاتحادي الأخيرة، فكان ذلك سببا قويا من الأسباب التي دعت الجمعية التأسيسية إلى رفض شروط المبادرة مع التسليم بمبدأ السلام بحسبان ان التجميد يمكن ان يتجاوز تاريخ عقد المؤتمر آنذاك 31 ديسمبر الماضي إلى مدى زمني ربما تطاول شهورا أو سنينا بحسب ما قد يعتور انعقاد المؤتمر من عثرات أو توقف في الحوار.. وذلك أمر له سوابقه في التاريخ السياسي السوداني كما حدث في مؤتمر المائدة المستديرة وله سوابقه في الساحة الدولية والتي تستغرق فيها مناقشة الموضوعات سنين عددا خاصة وان التجميد على النحو الذي جاء في المبادرة، والذي ليس له سقف زمني أعلى يحده، يمكن ان يصبح في النهاية استجابة غير مباشرة لطلب الحركة وازعان لها حتى إذا لم يتوصل إلى المؤتمر إلى تسوية أو اتفاق محدد حول بقية الموضوعات. ولمَّا كان تباين الموقف من المبادرة سببا من أسباب خروج الاتحادي من الحكومة، فان اجتماع القصر لم يكن منتظرا ان يصدر تحديدا قاطعا في هذا الشأن يجمع بين أطرافه الثلاثة.
أسباب المشاركة:
قلت لنائب الأمين العام للجبهة الإسلامية القومية: ما قلته يدفعنا للحديث حول اشتراك الجبهة في الحكم. فإذا ما نفذنا إلى الجسم التنظيمي للجبهة، فالمعروف ان العلاقة قوية ومنظمة صاعدة بالقرار وهابطة به، من القاعدة مرورا بالقيادة الوسيطة فالقيادة والعكس أيضا، ونلاحظ حماسا منقطع النظير في القاعدة دفاعا عن القيادة حتى وان كان الموقف نفسه، قبل اتخاذه، له أكثر من توجه ويولد صراعا سماه البعض (صراع الشباب والشيوخ) حول الحد الأدنى المقبول للمشاركة في السلطة مثلا، وبين الذين يحسبون حسابات الربح والخسارة حزبيا وأولئك الذين يحسبونها في إطار أوسع. فما هي خلفيات اتخاذ قرار المشاركة في الحكم؟
صمت الأستاذ علي عثمان برهة، ثم قال:اختلف الناس حول تقويم حكمة قرار الجبهة بالمشاركة في الحكومة عقب أزمة الائتلاف السابق وبيان رئيس الوزراء في 15 مارس الماضي. وموقف الطرفين مقبول عندي، فالذين يرون ان الجبهة بدخولها الحكومة أفقدت النظام الديمقراطي عنصرا حيويا من عناصر توازنه محقون. والذين رأوا ان الجبهة بمشاركتها السلطة قد عرضت رصيدها الشعبي لامتحان عسير حيث انها تشارك في معادلة سلطة لا تملك فيها القرار كله ولا السياسة التي ترتضيها بأكملها، رأيهم مقدر أيضا. ولكن الذي رجح بهذه الآراء المقدرة ترجيحا صحيحا عندنا في ميزان السياسة الشرعية التي نقيس بها مواقفنا، جملة اعتبارات. أولها، ان حدة الأزمة التي كانت قائمة عندئذ كان يقوم معها احتمال كبير بضياع الديمقراطية كلها وانهيار النظام البرلماني إذا ما تمسكت الجبهة بموقفها ونأت عن المشاركة في السلطة وعجز الحزبان عن تشكيل حكومة جديدة مما ينشئ فراغا يمكن ان يغُري بالانقضاض على النظام الديمقراطي. ثانيا، اننا قدرنا ان الحكومة بضعفها الذي كان قائما وقتئذ، يمكن ان تفتن بعض السياسيين للاستجابة لضغوط دولية وإقليمية تدخل السودان ومستقبله كله في نفق مظلم إذا ما أغريت تلك العناصر ببعض الدعم والسند مقابل الاستجابة لتسويات تضر باستقلال السودان واستقراره. كان الموقف بالنسبة للجبهة امتحانا بين التمسك بالكسب الحزبي وبين التقدم نحو المشاركة في إنقاذ الوطن وتأمينه، ولو أدى ذلك لشيء من فقدان البريق والزخم الشعبي.. وقد اختارت الجبهة الخيار الثاني باعتباره الأبقى، وباعتباره الأرجح في ميزان القيم الدينية التي نعمل لترسيخها. ان المحافظة على كيان السودان وتقوية جبهته الداخلية في وجه المكايد الأجنبية، كان وسيظل اعتبار مقدرا عندنا يعلو على بعض الكسب الجماهيري السهل وان كان لا يناقض الكسب الجماهيري الحقيقي، وحينما تتضح الحقائق سيحمد الناس القرار الذي اتخذناه. والاعتبار الثالث، اننا في المعارضة برغم قوتها وضغطها المعنوي والسياسي على الحكومة، إلا ان الجبهة لم تستطع، وذلك أمر طبيعي، ان تتقدم من حيث انجاز مشروع القوانين الإسلامية وتحقيق شعار تحكيم الشريعة الإسلامية. فقد ظلت قضية القوانين البديلة وسائر مظاهر الالتزام الإسلامي ووجوهه تراوح مكانها، وأخفقت حكومتا الائتلاف الأولى والثانية بين الأمة والاتحادي ان تنجز ولو مادة واحدة في ذلك الاتجاه. ورجح عندنا ان المشاركة إذا قامت على سواء وبينة واضحة في هذا الأمر، يمكن ان تدفع حركة المجتمع كله باتجاه الالتزام بقضية الإسلام. ولعل ذلك يفسر لنا ما ظنه البعض تشددا من الجبهة فيما تمسكت بان ينص على أمر الشريعة والمضي فيها في مدى زمني محدد حتى تضمن دوران العجلة وتحركها من المحطة التي كانت تقف فيها وذلك هو الذي حدث....
...القيد الزمني:
قاطعته قائلا: ولكن، انقضى المدى الزمني ولم يحدث شيئا.. ولم تخرجوا من السلطة.. فلماذا كان طالما لم تلتزموا به أساسا؟ وهل يمكن ان تحددوا لنا مدى زمنيا أخرا لإجازة القوانين الإسلامية البديلة؟
أجاب الأستاذ علي عثمان، عضو الجمعية التأسيسية وعضو لجنة التشريع: رغم انقضاء المدى الزمني الذي اشتهر لإصدار القوانين البديلة، إلا اننا يمكن ان نسجل الملاحظات الآتية على ما تم من إجراءات حتى الان. أولا، ان إعداد المشروع وإجازته من مجلس الوزراء قد أعطى الحكومة مصداقية في هذا الجانب قياسا على الحكومتين السابقتين.. وثانيا، ان إجازة المشروع في مرحلتي القراءة الأولى والثانية في البرلمان، قد أكد التزام النواب نحو ناخبيهم، واظهر انتصارا للإرادة الشعبية التي ظن البعض انها تناقض التوجه الإسلامي وان تطبيق الشريعة خاصة في الجانب الجنائي منها، لم يكن إلا فلتة محدودة من فلتات النميري وانه لا يمثل تطلعا جماهيريا ولا يحظى بسند شعبي. ثالثا، ان دخول مشروع القانون في إجراءات تشريعية متقدمة قد أزعج دوائر كثيرة في الداخل والخارج وفزعت مما يرمز إليه المعنى في هذا السبيل من توحيد لإرادة الأمة وتجميع لطاقاتها ونائيا بها عن الارتهان للإرادة الأجنبية. رابعا، ان ما اتخذ من إجراءات قد كشف عن جدية كل طرف من أطراف القوى السياسية التي تقف في المعسكر الإسلامي نفسه وان بقية المشوار هو المزيد من الأضواء الكاشفة والامتحان الدقيق لثبات تلك القوى على التزامها. وبالجملة، فان كنا لا نستطيع ان نقطع موعدا محددا لإجازة المشروع في مرحلته الثالثة والنهائية،إلا انه من الواضح ان تطورات الأيام والأحداث تجعل الاقتراب من ذلك المرمى يصبح أكثر إلحاحا بحيث يشكل النكوص عنه أو التردد فيه سقوطا لمصداقية الطرف الذي يفعل ذلك.
مغامرة.. ومقامرة:
وسألت الأستاذ علي عثمان: الحكم ائتلافيا أو قوميا.. ثنائيا أو ثلاثيا، هو غير حكم الحزب الغالب ولذلك تواجهه مصاعب.. فما هي مآخذكم على الحكم الوفاقي؟ اين فشل، وأين نجح؟ وما هو استقراءكم لمستقبله في شكله الحالي؟ ولا ننسى ان الجبهة قد غامرت برصيدها السياسي عندما اشتركت في الوفاق الذي انهار.. وانها تقامر برصيدها الحالي والمستقبلي عندما تقبل ائتلاف الأمة_ الجبهة للبقاء في سلطة لا تشاطرها الثقة ولا تتبنى طرح الجبهة للبدائل التي كانت تقدمها في برامجها. اقصد ان حليفكم حزب الأمة لا زال يعتقد ان بدائلكم غير مقبولة ولم يعط الضوء الأخضر بعد لانطلاقكم وتفجير الطاقات التي تتحدثون عنها.
قال الأستاذ علي بعد دقائق من الصمت: كون السلطة شراكة بين أحزاب متعددة، أمر يجعل القرار الحكومي بطيئا ولا يتيح فرصة واسعة لبلورة السياسات التي يؤمن بها حزب ما على وجهها الأكمل. كما انه قد تقع بين الشركاء منافسات تنال من هيبة الحكم ووقعه وأثره عند الناس أو تصدر من بعضهم ممارسات تنتقص من الصورة التي يجتهد فريق أخر في إبرازها للناس. هذه مثالب.. وكل ذلك كان واقعا معاشا في تجربة حكومة الوفاق السابق. وعلى الرغم من انها قد أحرزت تقدما نسبيا على سابقاتها من الحكومات إلا ان أداءها لم يكن مرضيا بوجه عام بإزاء ما أتيح لها من سند شعبي وبرلماني واسع وما علق عليها من آمال عريضة استندت إلى ان حزبي الأمة والاتحادي سينتهجان نهجا بعكس تجربة ائتلافاتهم السابقة. ويزيد ذلك، عافية وقوة دفق ودفع الجبهة الإسلامية، باعتبارها عنصرا حيويا لم تقعد به أثقال وسلبيات تجارب الحكم الماضية. أما إذا تعين ان تسير الحكومة الجديدة بائتلاف الأمة والجبهة والأحزاب الجنوبية الوحدوية، فانه رغم بعض المحاذير التي يمكن ان تواجه مثل هذه التركيبة، إلا ان المرء يتوقع ان تمتاز على سابقاتها بسرعة القرار، وذلك أمر لو توفر، فانه سيقلل كثيرا من وقع المحاذير التي اشرنا إليها.....
ائتلاف مع الأمة:
قاطعته قائلا: ولكنكم انتم الذين قلتم، لن تكونوا ورقة مناورة لتكوين ائتلاف بينكم وأحد الحزبين الآخرين.. فكيف سيكون الأمر الان؟
وبتعابير ثابتة ومركزة، واختيار كلمات ذات معاني واضحة، قال الأستاذ علي عثمان: كان تقدير الجبهة الإسلامية، كما اشرنا سابقا، هو ان تشترك الأحزاب الثلاثة في تصريف شئون الحكم معا.. وكان ذلك موقفا أصيلا وحقيقيا عند مفاوضات قيام الوفاق في العام الماضي، وقد رفضنا كل السوانح التي بدا فيها ما يشير إلى ائتلاف بين الأمة والجبهة وإخراج للاتحادي من الحكم.. أما وقد اختار الاتحادي الخروج من الحكم وان يدع الآخرين يتحملون المسئولية وحدهم، فان صيغة الحكم الجديدة تصبح في حكم الضرورة، إذ ان خروج الاتحادي معناه رفع يده عن الالتزام بميثاق الوفاق الذي اشرنا إلي انه يمثل سياسة الحد الأدنى من الوفاق مما يبدو معه صعوبة إمكانية ترقيع الأمر بوجه يقل عن سياسة الحد الأدنى والتي لم تفلح في الاحتفاظ بمنظومة تَجْمَع الأحزاب الثلاثة معا. أما بشأن الحكومة التي تَجْمَع بين الأمة والجبهة، فانني أوافقك الرأي بان هنالك محاذير منها التنافس الحزبي ومنها التباين في التركيبة السياسية للحزبين والتباين في وجهات النظر حول بعض السياسات وتركيز الأولويات. ومع ذلك، فانها تبقى باعتبارها الصيغة الأقرب إلى ملء الفراغ وتسيير دفة الأمور.
مواقف الجبهة...:
وسريعا قلت له: نلاحظ من حديثكم وكأنكم تقولون ان الجبهة الإسلامية صارت تتخذ مواقفها وهي تضع نصب أعينها أهمية الحفاظ على الديمقراطية.
فقال الأستاذ علي عثمان محمد طه: في الديمقراطية الأولى والثانية كانت المشكلة عند وقوع الخلاف والشَلَل في علاقة الحزبين الكبيرين، يكون ذلك سببا مباشرا في انهيار النظام الديمقراطي بأكمله، وذلك لان قوى المعارضة وقتها كانت ضئيلة الحجم بحيث انها لم تكن تملك ان تضيف بعدا يحفظ الموازنة الديمقراطية. ولكن، حجم الجبهة الإسلامية في معادلة الديمقراطية الثالثة قد وسع من هذه الفرص بحيث انها إذا كانت في المعارضة حفظت الموازنة المطلوبة بين سند الحكومة وفعالية المعارضة.. وإذا شاركت في الحكم زادت من استنباط الصيغ والأشكال التي تتكون منها الحكومة مما يضيف بعدا حيويا إلى المعادلة ولا يجعلها جامدة. ومن هنا تصبح الملاحظة في ان الجبهة تلعب دورا متعاظما في حماية النظام الديمقراطي والنأي به عن الانهيار مما يستلزم حساب المواقف والاختيارات بدقة بالغة قد يَحْمِلها أحيانا لاتخاذ قرارات يكون مردودها منصبا على حماية النظام دون نظر مباشر إلى رصيد إضافي بالضرورة.
الجبهة.. معارضة.. وحاكمة:
قلت للأستاذ علي عثمان: عندما كنتم في زعامة المعارضة قدمتم يوما ما مقترحات عن الميزانية خلال الائتلاف الأول، فكان زعيم الجمعية وقتها د. عمر نور الدائم يقول لكم: هاتوا مقترحاتكم مرة واحدة لنسقطها لكم مرة واحدة.أحسست لحظتها ان الديمقراطية في خطر، وان هذا النهج لا يقود للإصلاح ولا لترسيخ الديمقراطية. وكنتم ترفضون تكوين اللجان الإدارية الشعبية من أحزاب الحكومة فقط، وتطالبون بإجراء انتخابات الحكم المحلي والإسراع في تنفيذه ومعه الحكم الإقليمي بالانتخاب.. واليوم انتم الذين تشكلون اللجان الإدارية الشعبية، وسكتم عن تجميد الحكم الإقليمي والمحلي الديمقراطي، والقانون أصدرتموه بأمر مؤقت، تهميشا لدور الجمعية التأسيسية. خلاصة القول، ان الممارسة اليوم في الحكم اختلفت كثيرا عما كنتم تتنادون به وانتم في المعارضة. فما قولكم؟
استمع الأستاذ علي عثمان جيدا للاتهامات التي تساق ضد الجبهة، وقال بهدوء ملحوظ: صحيح انه كانت لنا ملاحظات على العلاقة بين الحكومة والمعارضة، ومهما كان اختلاف الناس حول المواقف التي اتخذناها وقتها فهي بلا شك أصبحت رصيدا يمكن ان نؤسس عليه علاقة قوية بين الحكومة والمعارضة، ومن المؤسف ان القوى السياسية التي تولت المعارضة بعد مشاركتنا السلطة كان يحدها أمران. أولهما، انها كانت من حيث الوزن النيابي اقل عن وزن والجبهة بما يقل عن النصف، والثاني انها اختارت مقاطعة جلسات الجمعية لمعظم الدورة الماضية.. مما افقد النظام البرلماني فرصة لتطوير المعادلة بين الحكومة والمعارضة، ولامتحان النوايا والمناهج بعد تشكيل حكومة الوفاق. اما بالنسبة للوضع الذي ينشأ بذهاب الاتحاد الديمقراطي للمعارضة، فاننا في الجبهة نتمسك بما كنا ننادي به من وجوب التشاور حول المسائل القومية الكبرى وقد بدأنا باجتماع القصر الأخير وسنسير على هذا النهج خاصة وانه قد أُتفق على تكوين لجان مشتركة بين الأحزاب الثلاثة لمناقشة القضايا الكبرى وتنسيق المواقف إزائها. وفيما يتعلق ببطء الاتجاه نحو ملء الفراغ المحلي والإقليمي، فان ذلك ليس مما يحسب على الجبهة، لانها لم تكن تملك دفع عجلة القرار الحكومي وهي الشريك الثالث بالسرعة الكافية التي كانت تنادي بها سابقا والتي ما زالت تؤمن بها حتى الان بل ان الشواهد تشير إلى اننا قد بذلنا جهدا جيدا لا يُنكر في تحريك قانون الحكم المحلي وإصداره بالأمر المؤقت للوفاء ببعض تلك الالتزامات والمبادئ التي ننادي بها وسيتواصل جهدنا لإصدار القوانين اللازمة التي تتيح للإرادة الشعبية تمثيلا مباشرا ومشاركة في تصريف شئون الإدارة على المستويين الإقليمي والمحلي. وانا شخصيا لا أمانع في تمثيل المعارضة في اللجان الإدارية الشعبية بنسب يُتفق عليها أسوة بما كنا ننادي في السابق.
*****
كان ذلك نص الحوار المسجل الذي جرى مع الأستاذ علي عثمان محمد طه، فماذا عن الحديث الذي جرى معه ولم يكن للنشر حينها؟ هذا ما سنكشفه في الحلقة القادمة اقتباسا من رواية سياسية لم تنشر بعد: حوارات في رواية.. مع الترابي وآخرين..
موعدنا في الحلقة القادمة، مع أسرار عبارة: شيوخ الجبهة يحبذون بعض السُلطة اليوم وشبابها يريدون كل السُلطة غدا.
فإلى الاثنين القادم،،،