عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


اقْتَحَم أحد الأشخاص حسابي الخاص في تطبيق (واتساب) للتواصل الاجتماعي بإرساله يومياً، تقريباً، تَحِيّات صباحيّة ومواعظ فقط.
صبرت عليه لفترةٍ، مهموماً بمُساءَلَةِ نفسي لأنها لَمْ تتعرّف عليه، وبعتابها لعدم تَذكُّرَه، خاصة أن اسمه في بروفايل حسابه، ومع كلِ ذلك لَمْ أجِد إجابة شافية.
لَمْ أتْرُك وسيلة تمكنني من التعرف عليه وإلَّا لجأت إليها. لَمْ أجد أي قروب يضمني معه حتى أسأل عنه أحد الأعضاء أو الأدمن. وبعد شَد وجَذْب مع نفسي كتبت له: معذرة، لقد فقدت دليل الأرقام. أرجو أن تعرفني بصاحب الرقم مع شكري الجزيل.
* كتبَ: الفاتح طيفور.
أعادني إلى نفس الحالة. وكأنني لَمْ أسْألْ، وكأنّه لَمْ يُجِبْ! لَمْ تقدمني إجابته خطوة إلى الأمام. وبعد شَد وجَذْب جديد مع نفسي، قررت أنْ أكون أكْثر وضوحاً، وكتبت له: أرجو أنْ تعرفني بنفسك.. يبدو أنْ ذاكرتي خربت؛ زهمرنا خلاص.
* كتبَ:
اعتقد أنَّني حفظت اسمك من مُداخَلة لك في قروب (صحافسيون) حيث تعوّدت إضافة أسماء المُتَداخِلين لتسهيل المُتابَعة. أنا الفاتح طيفور مدعي عام محكمة دارفور الخاصة.
- بضْع ساعات وكتبت له:
اهاااااا، تشرفنا كتير. طال بي العهد من ذلك القروب الذي طردني منه صاحبه مُنْذ 28 مايو 2019. وبما أنك قد اطَّلَعت بتلك المهام، مدعي عام محكمة دارفور الخاصة، فلماذا رسائلك لِيّ فقط ورود وزهور مُعَطَّرَة بالتَحِيّاتِ الصباحيّةِ أو مواعظ؟ أتْحِفنا بصورتك ولا تجعلها "صورتك الخايف عليها"، وبما لديك من معلومات ومساهمات في قضايا الوطن وخاصة دارفور وهو "وطن لا يُؤكَل من أطْرافهِ بَلْ يُنْهَش من أحْشائهِ" كما كتبتُ في تقرير صحفي عام 1988 بذلك العنوان، إذا لَمْ تخنْ الذاكرة.
(ثُمَّ بَحَثْت في قوقل فوجدته متوفراً صورةً وأخباراً. أرسلت له خبراً بصورته نُشِرَ يوم 25 يناير 2017 بعنوان "مدعي عام جرائم دارفور يؤكد استقرار الأوضاع الأمنيّة في ولايات دارفور"؛ وكتبت له: وجدتها وجدتها، ووجَدتك.. عمنا قوقل زول طيب خلاص. واللي يبحث فيه أبداً ما بتوه).. فبدأ بيننا تبادل الرسائل التالية:
* الفاتح طيفور:
لأني لا زِلْت اطَّلِع بتلك المهام، وبما أنّني في الأساس رئيس نيابة عامة، تجدني لست في حلٍ لأعلق واكتب في المسائل الخلافية والسياسية، فقط أتابع وأقرأ كل ما يكتب وامْتَنِع عن التعليق وأتواصل مع زملاء القروبات بتَحِيّة صباحيّة بزهرةٍ جميلةٍ أو موعظة حسنة من آي القرآن الكريم، فرجال القضاء والنيابة يجب عليهم معرفة ما يدور حولهم سياسيّاً واقتصاديّاً واجتماعيّاً دون أنْ يَمْتَد ذلك إلى المُمارسة.
الأيْقونة التي في بروفايل حسابي، تمَثِّل صورة لإحدى رموز فخر الحضارة السودانيّة القديمة.. المَلِكة المُحارِبة العظيمة أماني ريناس قاهرة الرومان. فقدت زوجها وابنها وإحدى عينيها في معركة، وبالرغم من ذلك انتصرت في تلك المعركة ولقَّبها أعداؤها بالمَلِكة ذات العين الواحدة. اشتهرت بالحِكْمة والشجاعة إلى جانب الجَمال. وكانت المَلِكات النوبِيّات المُحارِبات يُلَقَّبْنَ بـ "الكندي كاقا" وهو لقب يتكون من كلمتين، الكلمة الأولى "كندي" وتعني خَنْجَر أو سكين، والثانية "كاقا" وتعني حَامِلَة، وترجمتها "حَامِلَة الخَنْجَر"، وهو لقب عسكري يُمْنَح للمَلِكات المُحارِبات قائدات الجيوش دون غيرهِنَّ من المَلِكات النوبِيّات وقد تم تحريف اللَّقَب ليصبح كنداكه. ولقد عَجِبْت لإحْدى السودانيّات المُقِيْمات بالخارج وقد استضافتها إحدى القنوات العربيّة وسَألَتها عن معنى كنداكه، فقالت إنَّ النساء السودانيّات كُنَّ يَرْكُضْنَ في المعارك فيثِرْنَ الغبار، يعني يكندكو التراب (مَقْطَع فيديو مُنْتَشِر)، فعكسَت بجهلها المعنى الجليل ليصير إلى معنى حقير، نساء يَرْكُضْنَ هاربات من المعارك فَيَثِرْنَ الغبار بينما اللَّقَب مُنِحَ لِمَلِكات مُحارِبات قائدات للجيوش شديدات الشجاعة والجسارة.
- عصام محجوب:
أولاً.. شكراً على التعريف بالأيْقونة التي وضعتها لبروفايل حسابك.
لم تجد غير ذلك القول الفطير الذي نَطَقَت به مُقِيْمَة في خارجِ البلادِ وَجَدَت نفسها تتحدث في ما لا تعرف وهي نتاج سياسة التغييب التي قام بها النظام البائد بعد أنْ ظلم وقتل وأجرم ولَمْ يحاسبه كثير من رجال القانون، بَلْ اسْتَغَلَّهم في التغطية على جرائمه، وللأسف نيابتك التي رأستها جزء من ذلك؟
وكأن عقلك الذي حفظ ما جاء في ذلك الفيديو تعمّد أنْ يَشْغِل ذاكرته بمثل تلك السواقط حتى لا تَتَّسع للبطولات التي قامت بها الكنداكات خلال الثورة المجيدة التي هزمت نظام جماعات الإسلام السياسي المُجْرِمَة ومَرّغت أنْف القائمين عليه في التُرابِ.
شابات البلد "من تلاتين سنة لتحت" قُمْنَ "بيان بالعمل" بتعريفك وتعريفي وتعريف كل العالم، وأكرر كل العالم، بمعنى "الكنداكة". يكفي أن تضع صورة "صائدة البمبان" وتقول هذه هي الكنداكة ونفهم المعنى والمقصد. أليس كذلك يا صديقي؟
ثانياً.. هل لا زلت تقوم بذات المهام؟ لَمْ أجِدْ في الأنباء أي نشاط لنيابتك بعد الثورة؟ لماذا؟
لا اعتقد أنّه حُرِّم عليكم الحديث عن نشاط النيابة. أعيش في بلدٍ يقدِّم فيه رؤساء النيابات حصاد عملهم دورياً أمام الرأي العام ويتحدثون ويردون على أسئلة الصحافة. حقاً هذا الأمر لَمْ تتعودون عليه خلال النظام السابق الذي كان يفعل كل شيء بالدَس وبالغتغتة وتحت التربيزة.. عليكم أنْ تفطموا أنفسكم من تناول ما كان يغذيكم به النظام البائد.
لَمْ أطلب منك أنْ تُعَلِّق على ما يجري من خلافات حول السياسة أو أنْ تمارسها.
وهل تظنّنَ أنّ إرسال المواعظ والتَحِيّات الصباحيّة يُعَد تواصلاً؟ القروبات مليئة بالمواعظ يا صديقي.
إن شئت تواصل معي في شَتّى القضايا ومن بينها المواعظ. مع تحياتي ودوام الود،،
(لَمْ يَرُدَّ مَنْ ظَنَنْته صَديق التواصل الاجتماعي على تعليقي وأسْئلَتي الجديدة النابعة من رسالته، وقَدْ مَنَحْته أسبوعاً والأنْكى من ذلك أنَّه واصل في إرْسال ما اعْتاد عليه مُنْذ اقْتِحامه حِسابي الخاص دون إذْن ودون أنْ يعَرِّفني بنفسه، فقرَّرت نَشْر رسائلنا وأخبرته بذلك، فأكد لِيّ أنّه لَمْ يتبادَل معي ما يَخْجَل منه، وطلب أنْ أفْعَل ما أراه صواباً، فوضعت ذلك نقطة لصالحه وشكرته على تعميمِ الفائدةِ).
……..
- من تلك الرسائل، واسْتِناداً عليها، وبعيداً عنها في نفس الوقت؛ فإنْ كانت محكمة دارفور الخاصة وتابعها المدعي العام على قَيْدِ الحياةِ ولَمْ تصْدُر لهما شهادة وفاة بسقوط النظام البائد لِتُقْبَرا معه غير مأسوفٍ عليهما، فلا بُدّ أنْ تتناسل سلسلة من الأسئلة ماسكة برقابِ بعضها البعض.
أوَّل الأسْئلة يَجُرّ خَلْفه حِزْمَة من علاماتِ الاسْتِفْهامِ: ألا زال العَبَث بقضية السودان في دارفور ساري الفِعْل والمَفْعول، يُصْرَف عليه من حُرِّ مال الشعب وفَقْره المُدْقع؟ وماذا تعمل حالياً محكمة دارفور الخاصة ونيابتها؟ وهل قُبِرَت المحكمة وتبقى المدعي العام بامتيازاته واستحقاقاته على رأس عمل غير موجود؟
وما هو حصاد عمل تلك المحكمة والمدعي العام التابع لها ليأخُذ مقابله القائمون عليه مرتباتهم وامتيازاتهم، علماً بأنها لَمْ تَكُنْ استحقاقات وإنّما رشاوى من السُلطة المندحرة لِتُمَيِّع لها المحكمة ونيابتها جرائمها التي ارتكبتها في دارفور؟
وهل التغيير الذي حدث في البلاد لَمْ يمُرّ بتلك "التَوْلِيْفَة" التي ذَرَّ بها النظام البائد الرماد في عيون المجتمع الدولي لخِداعه ولَمْ يَفْلَح، ومع ذلك أبْقى عليها ومنحها رشاويه؟ ولماذا لَمْ يفعل التغيير فِعْله في تلك التَوْلِيْفَة الخائبةِ؟
وإذا تجاوزنا ما فعلته تلك المحكمة وهيئة الادعاء التابعة لها منذ تأسيسها في يناير 2012 وحتى هزيمة النظام الذي ارْتَكَب جرائم دارفور وتطارد المحكمة الجنائية الدولية رئيسه المخلوع وكثيراً من رموزه، فماذا فعلتا بعد سقوط النظام وإلى اليوم؟ ولماذا لَمْ تُفْتَح ملفاتهما والثورة تتجه نحو الاحتفال بعيد انتصارها الأول في 11 إبريل القادم؟ وهل مِنْ مُحاسَبَة على المالِ الذي أهْدِر وضاع، ومَنْ يُحَاسَب على ذلك، والأكثر مَرارَة هل لا زال المال العام يضيع ويُهْدَر فيهما سُدَى؟
ولعل أهم الأسئلة، ما هو قولك على كل ذلك يا مولانا النائب العام تاج السر الحبر؟
لا ريب أنها أسئلة تسَخِّن الرأس، وقد حاولْت مع الفاتح طيفور الذي عَرَّف نفسه بأنه "المدعي العام لمحكمة دارفور الخاصة" وكتب لِيَّ أنَّه "لا زال على رأسِ العملِ"، حاولت أنْ أفَتَح معه حديثاً ينوِّرني به ليزيل علامات الاستفهام التي انتصبت أمامي ومدّت لسانها.
لَمْ أحْصل مِنْه إلّا على قرار "أنْ أرْكَب رأسي" وأنشر الرسائل التي تبادلناها بعد أنْ رَكِبَ قَبْلي رأسه مُصِرّاً على مواصلة اقتحام حسابي الخاص يومياً، فقط بورودٍ مُعَطَّرِةٍ بالتَحِيّاتِ ومواعظ دينية وكأنَّ وسائط التواصل الاجتماعي صُنِعَت لتلك الأشياء فحسْب، فقررت أنْ أشْرَح له بأنَّها صُنِعَت أيضاً لما أقوم به الآن، أي اتِّخاذها مرجعية، بالثابتةِ لا بالاخْتِلاقِ، لفتح القضايا أمام الرأي العام. وها أنا أفعل، وقد كتبت للفاتح طيفور بأنَّني سأفعل ذلك، ولَمْ أحْظره منتظراً منه أنْ يعقِّب أمام الرأي العام.
تَبَقَّى القول، إمَّا أنَّ طيفور الفاتح لَمْ يَقُلْ لِيَّ الحقيقة، وأنَّ هيئة الادعاء التي كان يترأسها قُبِرَت مع المحكمة المَذْكورَة، وأنَّه، وعلى حسابِه الخاص، جَدَّد ولايته على مَنْصبٍ قُبِر مع المحكمة ليمشي به بين الناس ـ علماً بأنَّها مسألة يجب مُحاسَبَته عليها بشَكْلٍ من الإشْكالِ ـ، وعليه أسْحَب أسْئلَتي واعْتَذِر عن طرحها. أو أنَّ الفاتح طيفور، كما قال لِيَّ، هو حقيقة "على رأسِ العملِ" يباشر مهامه بصفته مدعياً عاماً لمحكمة دارفور الخاصة، موجودة كانت أمْ غير موجودةٍ، وبالتالي تصبح أسئلتي بلاغاً للرأي العام قبل النائب العام الذي أسأله أنْ يجيب عليها أمام الرأي العام، والذي بدوره عليه أنْ يسْتَعِد ليحاسِب مولانا تاج السر الحبر حِساباً عَسِيراً إذا لَمْ يَخْرُج بإجابةٍ توضِّح الأمْر بِرُمَّته، وإلَّا فعلاً لَمْ تَسْقُط بَعْد، وحَقّاً يجب الاسْتِمْرار في العملِ لِتَسْقُط.